مدينة ذكية جديدة قائمة على البيانات في كوريا الجنوبية

حيث يلتقي الخيال العلمي بالواقع، اختارت حكومة كوريا الجنوبية مدينة بوسان أرضَ اختبارٍ للمدينة الذكية الأولى التي تستخدم أحدث التقنيات لحياةٍ مستدامة ومريحة.

شارك هذا المحتوى

حيث يلتقي الخيال العلمي بالواقع، اختارت حكومة كوريا الجنوبية مدينة بوسان أرضَ اختبارٍ للمدينة الذكية الأولى التي تستخدم أحدث التقنيات لحياةٍ مستدامة ومريحة.

في مواجهة أكبر التحديات التي تواجه البشر، دائماً ما تحتضن المدن العالمية الحلولَ الأكثر ابتكاراً، فتشكِّل حياتَنا واقتصاداتِنا وسياساتِنا وأفكارَنا وثقافتَنا. قد يفسِّر هذا الأمر، النموَّ المتسارع للمدن الذكية التي تنتشر حول العالم وترسِّخ واقعاً جديداً.

كوريا الجنوبية هي إحدى الدول الرائدة في هذا المجال والتي تعاني إلى جانب التحديات العالمية بعضَ الصعوبات الخاصة، مثل خطر شيخوخة السكان والحاجة الدائمة لاستيراد مصادر الطاقة، بالإضافة إلى تزايد التعداد السكانيّ وضيقِ المساحة الجغرافية. لذا، اختارت الحكومة التعاون مع شركة “سامسونج” وعدة شركات أخرى لإطلاق “إيكو دلتا” في مدينة بوسان الساحلية لتكون موقع الاختبار الأولي للمشروع التجريبيّ الوطنيّ للمدينة الذكية.

بميزانية تفوق 5.5 مليار دولار، صُمِّمَت “إيكو دلتا” إلى جانب مدينةٍ أخرى لتكون نظاماً إيكولوجياً متكاملاً، ولتقدِّم نموذجاً حَضَرياً للمستقبل. ستمتدّ المدينة على مساحة 11.8 كيلومتر مربَّع من الأراضي الساحلية الرطبة التي تضمُّ 30 ألف منزل. ولتشكيل هوية المدينة، اعتمدت السلطات تصميماً قائماً على الابتكار وتقنيات الثورة الصناعية الرابعة كالواقع المعزَّز والذكاء الاصطناعيّ.

بداية، تطوَّعت 54 عائلةً لمشاركة بيانات حياتها، من البرنامج اليومي، وعادات النوم، وحجم النفايات وغيرها، ليدرسها المطوِّرون ومصنِّعو الأجهزة والخبراء الصحيون. بالمقابل، أُعفي هؤلاء المتطوِّعون من إيجارات المساكن، وسيكتفون بسداد فواتير الماء والكهرباء لـ3 سنوات قابلة للتمديد.

تقوم رؤية المدينة على الاستدامة، حيث ستبقى جزءاً من بوسان الكُبرى، لكنّها ستستخدم الطاقة الشمسية والكهرومائية لإدارة مياه الصرف الصحيّ ومعالجتِها لأغراض الريّ، وستوظِّف المدينة أيضاً التقنيات الحديثة في الرعاية الصحية والبيئة المعيشية وإدارة المياه التي ستُورَّد من نهر “ناكدونج”، وسينعم 56 بيتاً بـ15 منتجاً إلكترونياً حديثاً، كالثلاجات وآلات الغسيل والتجفيف المركزية، وأجهزة تهوية خزائن الملابس، وغسالات الأطباق والمكانس الكهربائية والشاشات والمكيِّفات وغيرها.

يتخيَّل صنّاع المدينة يوماً في حياة أحد سكّانها، حيث يوقظه المنزل صباحاً ويذكِّره بتمارين التمدُّد، ثم تطلِعُه المرايا الذكية على أهم الأنباء بينما يرتدي ملابسه. وحين يخرج، يرى روبوتات تجولُ الشوارع لتنظِّفَها، وتركنُ السيارات وتنقلُ البضائع، وتساعدُ المسنّين الذين يشكِّلون قرابة 19.4% من السكان. ولأنّهم أكثر عرضةً للإصابات أو الأمراض، سترافقهم روبوتات المدينة الذكية على مدار الساعة، وفي حال تعرُّضهم لحادث، سترسل تنبيهاً تلقائياً إلى مقدِّمي الخدمات الطبية وأفراد العائلة.

وللتحكُّم بأجهزة المنزل الذكيّ، طوّرت “سامسونج” تطبيق “سمارت ثينغز” (الأشياء الذكية)، والذي يمكِّن المقيمَ من ضبط الإضاءة ودرجات الحرارة، ومعرفة مَن زاره في غيابه، وتسلُّمَ الطرود. كما يستطيع التطبيق استشعارَ جودة الهواء والتحكمَ بأجهزة التهوية، وتصميمَ عمليات تنظيفٍ مخصّصة لكلّ ركنٍ من المنزل. وتوفِّرُ برمجياتُه أيضاً إمكانية مراقبة استهلاك الطاقة.

كما قدَّمت شركات أخرى روبوتات التنظيف وساهمت بخدمات التخلص من القمامة وتقنية إعادة التدوير، فيما تعمل إحدى الشركات على جلب أطنان من الرمل والأعمدة الخرسانية لتحويل الأراضي الرطبة، ولاستخدام مياه النهر في توليد الطاقة وتنقية مياه الشرب وغيرها.

أما في الشارع والمرافق العامة، فتسعى السلطات إلى استخدام الواقع المعزز لتحسين عملية التواصلٍ بين المواطنين والجهات الحكومية. وفي حال رأى أحد السكان مصباحاً مكسوراً مثلاً، فما عليه سوى استخدام الهاتف الذكي لالتقاطِ صورة ثلاثية الأبعاد تظهرُ المصباح ومحيطَه، ثم إرسالِها إلى الجهة المعنية، التي ستقوم بتقييم الخلل واتخاذ قرار إصلاحه دون زيارة تقييمية. وعلى نطاقٍ أوسع، يمكن الاستفادة من الذكاء الاصطناعيّ لتحليل بيانات حركة المرور ورصدِ أيّ حوادث أو اختناقات مرورية في أي بقعة من المدينة لإرسال إشعارات إلى السائقين الموجودين على مقربة من الموقع، حيث ستتكفّل الخوارزميات بتوجيههم إلى طرقٍ بديلة.

ويجدر القول بأن “إيكو دلتا” لن تكتفي بتجربة التقنيات المُخترعة مسبقاً، بل ستحتضن الابتكارات الجديدة، حيث تعهدت سلطاتُها بوضع اللوائح التنظيمية وتوفير البنية التحتية الداعمة للتكنولوجيا الناشئة.

ستكون “إيكو دلتا” مختبراً حياً يعيش سكانه في منازل ذكية على امتداد خمس سنواتٍ ليشاركوا السلطات تقييمَ التجربة بآثارِها وتحدياتِها. سيحتوي النموذج الأوليّ على عناصر وظيفيةٍ أساسية كشبكتَي الطاقة والاتصالات، لكنَّه لن يتيح أشياء كأعمدة الإنارة. وبالمثل، فإنّ الروبوتات ستحتاج إلى المصاعد لأداء مهام التوصيل، لكنّ المدينة قد تحتوي أنواعاً مختلفةً من المصاعد تستدعي برمجياتٍ مختلفةً للروبوتات، ومن شأن هذا التعقيد أن يفرض تحدياتٍ كثيرةً. لذا، ستحتوي المدينة على عدة أنواع من المصاعد ليتسنّى للباحثين اختبار الروبوتات في مختلف السيناريوهات قبل وضعها بين أيدي السكان.

ما يزال المشروع في المرحلة التجريبية، حيث يدرس معيشة الكوريين ويستكشف مدى قدرة القطاعَين الحكوميّ والخاص على إرساء بنيةٍ تحتيةٍ أكثر كفاءة باستخدام مصادر الطاقة البديلة التي ستوفِّر التكاليف والآثار البيئية إلى حدٍّ كبير. كما سيوفِّر وجود الروبوتات مع المسنّين الوقت والجهد على أفراد عائلاتهم والطواقم الطبية، ويضمن كونَهم بأمان في كلّ وقت. أما استخدام الذكاء الاصطناعيّ لإدارة حركة المرور، فقد يوفّر على كلّ سائق 60 ساعة من الوقت الذي يضيع على الطرقات كل عام.

بعد تقييم التجربة بالكامل، سيكون بالإمكان توسيعُها إلى مدنٍ أخرى، كوريةٍ وعالميةٍ، شرطَ الانفتاح الدائم على الإمكانيات الجديدة.

المراجع:

http://www.businesskorea.co.kr/news/articleView.html?idxno=84891

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

إنترنت الأشياء

سيؤول تنشر خدمات المدينة الذكية لتعزيز السلامة والرفاهية

في المنافسة الآسيوية، سبق لعاصمة كوريا الجنوبية أن احتضنت مبادراتٍ ذكية كما خلال جائحة كوفيد-19، حيث أعدّت السلطات، في محاولة منها للحفاظ على استمرار الخدمات مع إبقاء الاتصال البشريّ في حدوده الدنيا، أجهزةً ذكيةً تنجز مهام عديدةً آلياً ومن دون تلامس. بالنسبة لكبار السن، كانت هذه النقلة مفاجئةً، فواجهوا معوِّقاتٍ كثيرةً عند محاولة استخدام الأكشاك والأجهزة الرقمية، أشياء من قبيل حجم الخط في التطبيقات، أو إرشادات الاستخدام المُبهمة، أو صعوبة مواكبة هذه التطورات الرقمية المَهولة.

إندونيسيا

كيف تعمل إندونيسيا على تحسين الوضع الاقتصادي للمجتمعات الريفية

في إندونيسيا، لا يمكن للجميع الوصولُ إلى الإنترنت، فالدولة تفتقر للبنى التحتية وتعاني محدودية الخيارات السلكية واللاسلكية. وقد أشارت إحصائيات العام 2019 إلى وجود أكثر من 12 ألف قريةٍ تفتقر لإنترنت الجيل الرابع، و94 مليون راشدٍ إندونيسيّ عاجز عن استخدام الإنترنت، كما أنّ عدداً أكبرَ من السكان يفتقرون لخدمة الإنترنت الثابت عريض النطاق، فيما يعاني 60 إلى 70% من سكان شرق البلاد من تقلُّبات جودة الخدمة. والمؤشر الأهم هو أنّ 80% من هؤلاء يعيشون في الأرياف التي لا يمكن الوصول إليها عبر المترو، وتعتمد معظمُها على الأقمار الصناعية محدودة القدرة على معالجة البيانات.

الهند تستخدم الذكاء الاصطناعيّ لتعزيز سلامة الطُرُقات

وضعت الحكومة الهندية هدفَ تخفيض عدد الوفيات إلى النصف بحلول العام 2030، واستهلّت هذا المسعى بإطلاق مشروع باسم “الحلول الذكية للسلامة الطرقية عبر التكنولوجيا والهندسة”، والذي جاء حصيلة تعاون عدة شركاء، كمبادرة الذكاء الاصطناعيّ الهندية، والمعهد العالي لتكنولوجيا المعلومات بحيدر أباد، والمعهد المركزي لبحوث الطرق التابع لمجلس الأبحاث العلمية والصناعية، وشركاء من القطاع الخاص، والهيئة البلدية بمدينة “ناجبور”.