مدينة تالين الإستونية تتبنى نموذجاً رقمياً للنقل

ضمن رحلة التحوُّل الرقمي، ولجعل التخطيط الحَضَريّ أكثر كفاءة، تتبنى العاصمة الإستونية تالين نموذجاً رقمياً لجمع البيانات، واتخاذ قرارات أكثر استنارةً، وترقية شبكة النقل ككل.

شارك هذا المحتوى

ضمن رحلة التحوُّل الرقمي، ولجعل التخطيط الحَضَريّ أكثر كفاءة، تتبنى العاصمة الإستونية تالين نموذجاً رقمياً لجمع البيانات، واتخاذ قرارات أكثر استنارةً، وترقية شبكة النقل ككل.

يتنامى إدراك العالمِ للعلاقة بين مشاركة البيانات وصياغة السياسات، وباتت الرقمنة عنصراً أساسياً لتطوير أنظمةٍ مستدامةٍ في مختلف مناحي الحياة العامة. واليوم، تكتسب بيانات التنقُّل أهميةً متزايدة، حيث تلجأ إليها الشركات لاستخداماتٍ مبتكرةٍ كمشاركة المركبات، وهي استخداماتٌ تعتمد على رسمِ الخرائط والتوجيهِ والقيادةِ الذاتية وجمعِ البيانات ومعالجتِها. كما توظِّف الحكومات هذه البيانات في سعيها لفهم شبكات النقل ومراقبتها، فتجمعُ التقنياتِ الحديثةَ مع الأساليب التقليدية للإدارة والتخطيط.

لكنّ رقمنة النقل ما تزال هدفاً بعيداً في بلدان كثيرة، حيث تشير التقديرات إلى أنّ 35% من المدن الكبرى و92% من أكبر المدن ذات الدخل المنخفض والمتوسط تفتقر لخرائط واضحةٍ وكاملةٍ لشبكة النقل. وفي إستونيا، تواجه حكومة العاصمة، تالين، تحديات في تخطيط استثمارات البنى التحتية لمنظومة النقل، وفي الحفاظ على تدفق حركة المرور أثناء عمليات صيانة الطرق، لا سيما وأنّ احتياجات السكان تختلف باختلاف مناطقهم.

هذا ما دفع السلطات لتبني نموذج نقلٍ رقميّ طوَّرته وزارة النقل باستخدام برنامجٍ خاصٍ ليكونَ وسيلةً إضافيةً لتحليل السيناريوهات المستقبلية.

يأتي النموذج الجديد بشكلٍ مبتكَر، يحاكي تجاربَ طُبِّقت في أوروبا الغربية، وهو عبارةٌ عن أداةٍ رقميةٍ تلتقي فيها جميع البيانات المتاحة لمساعدة السلطات على فهم أنماط تنقُّل سكان تالين، ومعرفة كيف يتحرّكون من مكانٍ لآخر، ومتى، ولماذا. وإلى جانب نمذجة التنقُّلات بين نقطتين ثابتتين كالمسكن ومقرِّ العمل، يدرس النموذج تحرّكات السكان على مستوياتٍ أكثر تعقيداً، كالمواطنين الذين يصطحبون أبناءهم إلى المدارس في طريقهم إلى العمل، أو يمرُّون بمجمَّع تسوق في طريق العودة إلى المنزل.

لجمع هذه المعلومات، يتلقى النموذج بياناتٍ من 130 ألف طريق وما يفوق 51 ألف نقطةٍ حيويةٍ في العاصمة، وتضمُّ هذه البيانات المُحدَّثةُ باستمرارٍ حركةَ المركبات الخاصة والعامة والشاحنات والمشاة، وتميز بين 12 نوعاً مختلفاً من مستخدمي الطرقات، من الشبّاب والمسنّين ومستخدمي السيارات وغيرهم، وذلك ضمن العاصمة وفي نقاطٍ أخرى من مقاطعة هارجو. كما يضمُّ النموذج شبكة الطرق ووتيرة حركة المرور ونتائج الاستبيانات التي شارك فيها أبناء المجتمع المحليّ خلال السنوات الخمس الماضية.

بعد تأسيس هذه النماذج، سيتم الاعتماد عليها في التخطيط وإدارة حركة المرور وتحديث شبكة النقل العام والتخطيط الحَضَريّ. ولا ينتهي دور النموذج بإجراء مسحٍ لمشروعٍ بعينه، بل يتعدّى ذلك ليكون أداةً تحليليةً داخليةً يمكن استخدامُها على المدى البعيد لتقييم ما تحقِّقُه استثمارات البنى التحتية الرئيسية من جدوى وأثرٍ على حركة المرور.

بعبارةٍ أخرى، فإن مهمة النموذج هي العثور على إجاباتٍ لأسئلةٍ ملحّة، كأسباب حدوث الازدحام في موقع ما، أو كيفية تخفيف الأثر السلبيّ لأعمال الطرق على حركة المرور، أو الوسيلة المُثلى لإتمام أعمال الطرق الوطنية الرئيسية المحيطة بالمدينة دون التأثير على حياة المواطنين داخلَها؛ فيتيح النموذج مثلاً إجراء محاكاةٍ لحركة المرور، ومن خلالها، يمكن للسلطات الاطلاعُ على سعة الشوارع ومدى اعتماد السكان عليها، أو على أداء شبكة النقل العام، لاتخاذ القرارات بتوسيع الشوارع أو مدِّ طرقاتٍ جديدةٍ أو زيادة عدد الحافلات أو غيرها.

بالإضافة لهذا، ففي حال توقف حركة السير على أحد الطرق الرئيسية أو إغلاقِه مؤقتاً، يمكن للنموذج الرقميِّ المساعدةُ في التنبؤ بالنتائج والتغييرات التي قد تطرأ على الطرق الرئيسية الأخرى. بهذا، يكون بالإمكان توجيه المواطنين عبر تطبيقات الهواتف الذكية.

وعبر دمج البيانات الحية، يمكن تحسين الاستجابة للحالات الطارئة إلى حدٍّ كبير. ففي حالة وقوع حادثةٍ ما، تساعد الأنظمة الذكية في تحديد أسرع طريقٍ إلى موقع الحادثة، وفي برمجة إشارات المرور لتثبيت الضوء الأخضر للسماح بمرور فِرَق الاستجابة الأولية بسرعةٍ وأمان.

وهكذا تترسَّخ تالين تدريجياً كنموذجٍ للمدينة الذكية، بعد رحلة تحولٍ رقميٍّ اعتمدت على 3 ركائز، وهي إمكانيةُ الوصول والتشغيل البيني وسهولةُ الاستخدام. إذ استطاعت إستونيا التغلّب على العوامل التاريخية والجغرافية بعد مغادرتها الاتحاد السوفييتي مطلعَ التسعينيات.

بتعدادٍ سكانيٍّ بالكاد يفوق مليوناً وثلاثمائة ألف نسمة، وجدت السلطات الإستونية أنّ ترسيخ التكنولوجيا ليس ممكناً إن لم يتبنّاها الجميع، وأنّ الفئة المستهدفة هي مصدر القرار الحقيقيّ. لذا، وانطلاقاً من العاصمة، بدأ إدخال البنى التحتية اللازمة في المدارس ثم الجهات الحكومية ثم لكافة أفراد المجتمع، مع التركيز على النقل ونشر نقاط الاتصال في جميع الأماكن العامة، وفي البيئات الريفية والحَضَرية. واليوم، يتلقّى جميع مواطني إستونيا الوصفات الطبية عبر الإنترنت، وتتمتع كلُّ مدارسها بالاتصال بالشبكة بالعالمية، بينما يستطيع 30% من السكان التصويت إلكترونياً. وفي العام  2001قدّمت الحكومة برنامج “إكس رود” لتسهيل الاتصال بين مختلف قواعد البيانات المفتوحة التابعة للجهات الحكومية.

لكنّ بعض التحديات واجهت تقدّم هذه التقنيات وعرقلت الترابط بين قواعد البيانات، حيث تمتنع العديد من الشركات عن مشاركة بياناتها لأسباب تتعلق بالخصوصية ومعايير المنافسة والتوافق التشغيلي، إلى جانب مخاوف الأمن السيبرانيّ والتشكيك بالاستخدام الأخلاقي للبيانات. وهي مخاوف عالمية، تتطلب مواجهتُها جهداً جماعياً من المواطنين والشركات والحكومات.

أما نموذج النقل الرقميّ، فسيساهم في التنبؤ باحتياجات السكان المختلفة والتحديات التي تواجه منظومة النقل وتحليلِ أسبابِها، لاتخاذ القرارات الأكثر ملاءَمةً، والتي تخدم التنمية الشاملة للمدينة، وكذلك توقُّع آثارِها، وهذا يعني زيادةَ كفاءة التخطيط للمستقبل.

المراجع:

https://www.tallinn.ee/eng/Uudis-Tallinn-to-adopt-a-digital-transport-model?filter_otsing_uudis_rubriik_id=386

https://www.sum4all.org/data/files/policymakingfordatasharing_pagebypage_030921.pdf

https://www.theagilityeffect.com/en/case/the-three-pillars-of-the-digital-transformation-in-tallinn/

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

إدارة النفايات

الحكومات تسعى لحلول مبتكرة لإدارة النفايات الإلكترونية

ترى سنغافورة أن النفايات الإلكترونية تشكل خطراً على الصحة العامة بالدرجة الأولى، خاصة عند النظر في مساحة أراضيها الصغيرة التي لا تقبل المزيد من المكبات. وهي تنتج كمية كبيرة من النفايات الإلكترونية يبلغ حجمها قرابة 60 ألف طن متري في العام– أو ما يعادل استهلاك 70 هاتفاً خلوياً في العام لكل شخص في الدولة. لذا قررت سنغافورة التحول إلى الاقتصاد الدائري مع تطبيق نظام “المسؤولية الموسعة للمنتجين” (EPR) بالتعاون مع الفاعلين في صناعة الإلكترونيات من منتجين وبائعي تجزئة ومشغلي مرافق إعادة التدوير، ممّن يعملون على إنشاء مثل هذا النظام بما يتناسب مع احتياجات سنغافورة، ما يعني أن يتشارك هؤلاء الفاعلين في تحمل المسؤولية، وضمان إعادة تدوير النفايات الإلكترونية بطريقة مستدامة وصديقة للبيئة. 

البصمة الكربونية

استخدام أحدث تقنيات التخضير في أبنية الحكومة الفيدرالية الأمريكية

صوبَ هذه الغاية، أطلقت الإدارة برنامج “مساحة الاختبار الخضراء” وهو يمثِّل بيئةَ اختبارٍ لإثبات جدوى تقنيةٍ أو منتجٍ أو عمليةٍ ما لجعل الأبنية الفيدرالية أكثر اخضراراً، انطلاقاً من مبدأ أنّ نجاح هذه التجارب في المباني الفيدرالية يعني أنّها مؤهلة للنجاح في أي مكان مشابه.

وقع اختيار الفريق على 6 تقنياتٍ أمريكية الصنع لتجربتها في مجموعة من الأبنية، وذلك بهدف التحقق من خصائصها التقنية والتشغيلية وإمكانية نشرِها في المستقبل، وستُجرى التجارب ضمن معطياتٍ تحاكي ظروف العالم الحقيقي لتأكيد قدرة هذه التقنيات على الحدّ من التأثير البيئي لهذه المباني.

إدارة الكوارث

كوريا تتبنى حلولاً ذكية لتحسين خدمات الطوارئ

بدايةً، شرعَ فريق الحرائق والكوارث بتطوير منصة رقمية تجمع التقنيات المتقدِّمة كالبيانات الضخمة والذكاء الاصطناعيّ من جهة، مع أرشيف عمليات الطوارئ التي أُنجزت عبر سنوات من جهة أخرى، بما في ذلك المكالمات المسجّلة وجهود الإنقاذ وإعادة تأهيل المواقع المتضررة والمعلومات الميدانية وبيانات الوكالات ذات الصلة. سيمثِّل هذا الأرشيف بنيةً تحتيةً تكنولوجية للمنصة التي ستبصر النور في العام 2026، وستلتقي فيها أنظمة الاستجابة الميدانية المتنوِّعة، كما ستتصلُ بها شاشاتٌ مثبَّتة ضمن مركبات الطوارئ لتزويد الفريق بالمعلومات المباشرة أثناء توجُّهه إلى موقع الحالة الطارئة.