"مدن الدقيقة الواحدة": مشروع مبتكر لإعادة تخطيط شوارع السويد

"مدن الدقيقة الواحدة": مشروع مبتكر لإعادة تخطيط شوارع السويد

1 دقيقة قراءة
أطلقت السويد مشروع "مدن الدقيقة الواحدة" وهو مشروع تجريبي فريد من نوعه للحد من انبعاثات الغازات الدفيئة على مستوى كل شارع على حدة في المدينة، وذلك من خلال إعادة تصميم الوظائف التي تؤديها الشوارع بغرض تقليل اعتماد السكان على المركبات الخاصة ورفع نسبة استخدام الدراجات الهوائية والكهربائية، والاستفادة من المساحات الخالية أمام المنازل لإقامة الأنشطة المجتمعية وغيرها، فضلاً عن توسيع رقعة المساحات الخضراء.
شارك هذا المحتوى

أضف إلى المفضلة ♡ 0

أطلقت السويد مشروع "مدن الدقيقة الواحدة" وهو مشروع تجريبي فريد من نوعه للحد من انبعاثات الغازات الدفيئة على مستوى كل شارع على حدة في المدينة، وذلك من خلال إعادة تصميم الوظائف التي تؤديها الشوارع بغرض تقليل اعتماد السكان على المركبات الخاصة ورفع نسبة استخدام الدراجات الهوائية والكهربائية، والاستفادة من المساحات الخالية أمام المنازل لإقامة الأنشطة المجتمعية وغيرها، فضلاً عن توسيع رقعة المساحات الخضراء.

تركز الدول في تعاملها مع تغير المناخ على المدن الكبيرة ذات الكثافة السكانية العالية، وذلك كونها المصدر الرئيسي لانبعاثات الكربون الناتجة عن الأنشطة البشرية. وكانت بعض المدن ومنها باريس قد بدأت بتبني حلول تعتمد على التخطيط الحضري المبتكر على مستوى الأحياء السكنية، حيث طبقت في بعض أحيائها نموذج "مدينة الـ15 دقيقة"، الذي يدور حول اختصار المسافات التي يقطعها سكان حي ما للوصول إلى كل ما يحتاجونهم من أمور حياتهم اليومية دون الحاجة إلى استخدام المركبات الخاصة.

ولكن السويد قررت أن تمضي قدماً في هذا الاتجاه، حيث قامت وكالة الابتكار الحكومية السويدية "فينوفا" (Vinnova) بالتعاون مع المؤسسة الفكرية المتخصصة بالتصاميم الحضرية "آرك ديس" (ArkDes) بتطوير مشروع "مدن الدقيقة الواحدة" والذي تخطط السويد لتطبيقه في جميع مدنها بحلول العام 2030، بدءاً بالعاصمة ستوكهولم. وإن هذا المشروع سيسهم في تحقيق هدف السويد المتمثل في تحييد أثر الكربون بحلول العام 2045، والذي نص عليه القانون السويدي.

ولقد استوحى القائمون على هذا النموذج الجديد من مفهوم "مدن الـ15 دقيقة". ولكن على خلاف المشروع الفرنسي الذي يسعى إلى تحقيق نوع من اللامركزية في التخطيط الحضري وجعل كل حي مكتفياً ذاتياً – بحيث يمكن لكل فرد الحصول على مختلف احتياجاته اليومية من خلال السير أو ركوب الدراجة الهوائية لفترة لا تزيد عن 15 دقيقة – يسعى مشروع "مدن الدقيقة الواحدة" إلى تغيير المفهوم الشائع عن الشارع من كونه حيّزاً يقتصر استخدامه حصراً على التجول ووقوف السيارات، إلى جعله مجالاً حيويّاً يشكّل امتداداً للحياة اليومية للأسر القاطنة فيه. ويتم ذلك من خلال استبدال بعض أماكن وقوف السيارات بوحدات قابلة لإعادة التشكيل، مصنوعة من خشب الصنوبر، يمكن استخدامها كمقاعد للجلوس، أو كنقاط لشحن الدراجات الكهربائية أو كومواقف لها، أو في متنزهات وملاعب الأطفال، أو أية أغراض أخرى يرغب بها سكان الشارع أنفسهم.

وإن هذا المشروع يخدم هدفاً مزدوجاً؛ فهو يساهم من جهة في الحد من تغير المناخ، ويساعد من جهة أخرى على توفير بيئة صحية ومستدامة تنبض بالحيوية والروابط الاجتماعية والثقافية بين سكان الشارع الواحد. كما يفتح المشروع قنوات جديدة للحوار والتواصل المباشر بين سلطات المدينة والجمهور لتحقيق المصلحة العامة، مما يجعل الجمهور شريكاً حقيقاً في عملية اتخاذ القرارات المتعلقة بمدينتهم.

وكانت جائحة كوفيد-19 عاملاً مسرّعاً في إطلاق المشروع، حيث يُجمع الخبراء على أن الحياة لن تعود كما كانت عليه قبل الجائحة، ويؤكدون على ضرورة الابتكار والتغيير على جميع الأصعدة في مرحلة ما بعد الجائحة. ولكن مشروع "مدن الدقيقة الواحدة" لا يخلو من التحديات، لأن مدن السويد لا تزال، مثلها مثل باقي مدن العالم، تعمل على تلبية احتياجات السكان اليومية في ظل القيود التي فرضتها الجائحة، مثل جمع النفايات وإبقاء المدارس مفتوحة وغيرها من الخدمات الضرورية، وهذا ما يجعلها تتردد في المشاركة أو توفير الموارد لمشروع لا ترى له مكاناً ضمن أولوياتها المباشرة حالياً.

وعلى صعيد آخر، تشكل الرسوم المستوفاة من مواقف السيارات مصدر دخل يساعد البلديات على تمويل خدماتها للسكان؛ والاستغناء عن موقفين أو أكثر في كل شارع في المدينة سيؤدي إلى خسائر في الإيرادات، وهو ما يطرح سؤالاً مشروعاً عن كيفية تعويض البلديات عن هذه الخسائر. هذا، فيما تشهد شوارع عديدةٌ مزيداً من الطلب على المواقف من قبل مالكي السيارات الذين سيصعب إقناعهم بأن البديل الذي يقدمه مشروع "مدن الدقيقة الواحدة" جدير بالتخلي عن مواقفهم.

ولكن ما يميز مشروع "مدن الدقيقة الواحدة" هو أنه قائم بالشراكة والتشاور مع الجمهور. فهو ينظّم ورش عمل لسكان الشارع يطرح خلالها الفكرة ويعرفهم على فوائدها، ويجيب على أسئلتهم، ثم يترك لهم القرار فيما يتعلق بعدد مواقف السيارات التي يودون الحفاظ عليها؛ كما يتيح لهم المشروع فرصة الاختيار بين وظائف المنصات أو الوحدات النمطية التي يرغبون في تركيبها في شارعهم والتي تخدم احتياجاتهم اليومية وتسهم في توفير بيئة مريحة في محيط منازلهم.

ووفقاً لردود الفعل الأولية لتركيب هذه الوحدات في شوارع ستوكهولم، فقد حظي المشروع بترحيبٍ من السكان، لكونه يتميز بدرجة عالية من الديناميكية والمرونة، فهو يأخذ بعين الاعتبار الآراء والاقتراحات التي تقدمها مختلف الأطراف، فضلاً عن البحوث التعاونية مع الجهات المعنية، لكي يستمر في التطور والتمتّع بأكبر قدر من الإجماع في مدن السويد، فيما أبدت العديد من الشركات والمؤسسات رغبتها بدعم المشروع.

ومن الجدير بالذكر أن المنصات التي ينشئها المشروع غير ثابتة، حيث يمكن تغيير مواقعها أو وظائفها تبعاً لمتطلبات سكان الشارع في مرحلة لاحقة، كما أنها قابلة لإعادة التصميم لتخدم أغراضاً جديدة وفق احتياجات كل شارع، وبالتالي يبقى المجال مفتوحاً للابتكار.

وترى وكالة "فينوفا" أن مشروع "مدن الدقيقة الواحدة" يشكّل بدايةَ تحوّلٍ في التخطيط الحضري والتفاعل بين المجتمعات المحلية لما بعد جائحة كوفيد-19، كما أنّ إطلاقه يتزامن مع مرحلة التعافي من الجائحة، لأن القيود التي فرضتها على التنقل، والتعميمات الرسمية بالبقاء في المنازل، تزيد من رغبة سكان المدن في إيجاد بدائل تتيح لهم ممارسة حياتهم اليومية في الظروف القاسية التي قد تفرضها الجوائح المستقبلية.

 

المراجع:

https://www.bloomberg.com/news/features/2021-01-05/a-tiny-twist-on-street-design-the-one-minute-city

اشترك في منصة ابتكر لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والمساقات والأدوات والابتكارات الحكومية
قم بالتسجيل
أشترك في القائمة البريدية لمنصة ابتكر | كل أسبوع
القائمة البريدية للمبتكرين
نشارك أكثر من 20,000 مبتكر أسبوعياً نشرة أخبارية ترصد الابتكارات العالمية من كافة أنحاء العالم
Subscription Form (#8)
المزيد من ابتكر

دروس مستفادة من تجربة كيب تاون في تجنب أزمة المياه

تحرصُ المدن الكبرى على التخطيط والاستثمار لضمان توفير أهم مورد طبيعي لسكانها، وهو المياه، خاصة في ظل التحديات التي يفرضها تغير المناخ، الذي يؤثر سلباً على صعيدين. فهو يؤدي إلى شح المياه، وهو أيضاً يساهم في تعجيل التضخم السكاني بسبب الهجرة المتنامية لسكان القرى والأرياف نحو المدن، مع تراجع الظروف المناخية المناسبة التي تعتمد عليها الزراعة في بعض المناطق. في هذا السياق، تشكل مدينة كيب تاون حالة بارزة تستحق الدراسة في مواجهة هذا التحدي.

 · · 8 مايو 2024

نظم الإنذار المبكر: دروس من اليابان والصين لمواجهة الكوارث الطبيعية

في ظل الزيادة المتنامية في حدة ووتيرة الكوارث الطبيعية حول العالم خلال العقود الماضية، خاصة تلك المرتبطة مباشرة بتغير المناخ، أطلقت الأمم المتحدة في العام الماضي مبادرة "الإنذار المبكر للجميع" كإطار عمل لضمان حماية كل إنسان من خلال نشر نظم الإنذار المبكر بنهاية عام 2027. وبينما تتضافر الجهود لوضع الخطط وكيفية التعامل مع التحديات الكبيرة التي ستواجه هذه المبادرة، هناك تجارب مبتكرة ومتقدمة ثبت نجاحها في كل من اليابان والصين في هذا المجال، من شأنها المساهمة في تصميم استراتيجيات ونظم الإنذار المبكر حول العالم، ودعم مبادرة الأمم المتحدة بأفضل الممارسات.

 · · 8 مايو 2024

فرنسا تقدم علامة وطنية لمكافحة هدر الطعام

بدافع الالتزام البيئيّ والمسؤولية الاجتماعية، تسعى الحكومة الفرنسية لاحتواء ظاهرة هدر الغذاء عبر تثقيف المستهلكين بوصفهم مفتاح حلّ المعادلة، وسنّ قوانين تلزم المؤسسات بالتبرّع بالأغذية الفائضة، ومنح العلامة الوطنية للجهات التي تبذل جهداً أكثر تفانياً في رحلة مكافحة الهدر.

 · · 21 أبريل 2024

دروس في الاقتصاد الدائريّ نستقيها من التجربة الفنلندية

في سعيها للحد من استخدام الموارد الطبيعية وتحقيق الحياد المناخي بحلول العام 2035، انطلقت فنلندا في رحلة الاقتصاد الدائريّ بعد أن رسمت خريطة طريقٍ واضحةً تتعاون فيها القطاعات، وتنظِّمها سياساتٌ منفتحة، ويدعمها مجتمعٌ محليّ تتم تَنشِئَتُه على ثقافة الاستدامة.

 · · 29 يناير 2024

مدن توظف تحليل البيانات للتصدي لظاهرة التشرّد

بعد سنواتٍ من مكافحة ظاهرة التشرّد، بدأت بعض الحكومات المحلية في بريطانيا وأمريكا بالنظر إلى القضية من زاويةٍ مختلفة. وبدلاً من البحث عن المتشرّدين في الشوارع لنقلهم إلى الملاجئ، باتت تستخدم النمذجة وتحليلات البيانات للتنبّؤ بأولئك المُهدَّدين بالتشرّد ومساعدتهم قبل أن يخسروا أمانَهم.

 · · 29 يناير 2024
magnifiercrossmenuchevron-downarrow-right