“مختبر التجارب”: فنلندا تعيد ابتكار نظامها التعليمي

هل ستتمكن أنظمة التعليم الرسمية من نفض غبار البيروقراطية والتجاوب مع مستلزمات التعليم المستقبلي؟

شارك هذا المحتوى

هل ستتمكن أنظمة التعليم الرسمية من نفض غبار البيروقراطية والتجاوب مع مستلزمات التعليم المستقبلي؟ من المرجح أن تزداد أعداد الطلاب في أنظمة التعليم الرسمية بشكل غير مسبوق عالمياً وذلك تلازماً مع تنامي اقتصادات الدول وسهولة الوصول إلى المعرفة. ونتيجة لذلك تواجه أنظمة التعليم برمتها منعطفاً هاماً اليوم سيحدد مستوى نجاحها واستمرارها. لعل أكثر ما يحد من مرونة المؤسسات التعليمية اليوم هو القيود التي تفرضها البيروقراطية والوسائل التقليدية للتعليم. ولذلك تعمل بعض الحكومات اليوم، ومنها الحكومة الفنلندية، على استدراك مخاطر ركود أنظمة التعليم الرسمية على الكوادر الشابة ومستقبل الابتكار في الدولة. 

يحتل نظام التربية والتعليم الفنلندي مكانة عالية في العالم. لكنّه يتعرض لضغوط تدفعه إلى إعادة ابتكار نفسه. وتعود تلك الضغوط إلى وجود تحديات ومعوِّقات في العملية التعليمية الحالية تحتاج إلى حلول مبتكرة. وهو ما مهّد لإنشاء “مختبر التجارب” الذي يعمل على ترسيخ ثقافة اجراء التجارب كمفهوم تفاعلي، بين مختلف المعنيين بالنظام التربوي، يسهّل طرح مناهج جديدة بالتدريج، تتوقّف على نتائج تلك التي سبقتها. وأبرز التحديات التي يواجهها النظام التعليمي والتربوي الفنلندي في عالم يزداد تعقيداً هي:

  1. الصعوبة التي تجدها المؤسسات التربوية والبلديات الفنلندية في تحقيق رؤية لمناهج وطنية تتمحور حول المتعلّم وتزيد من اعتمادها على مهارات التلاميذ المعرفية والاجتماعية والتكنولوجية.
  2. الاستفادة من إمكانات العصر الرقمي بغية تحقيق المساواة في التعليم.
  3. تحسين التفاعل وتبادل الآراء بين التوجيه على المستوى الوطني العام والتنفيذ على المستوى المحلي عبر خلق مساحات لاختبار الحلول محلياً ومشاركة النتائج.
  4. تمكين المعلمين كميسّري دور الأهل والبلديات وسعاة تغيير وتفعيل هذا الدور.

ومن هذا المنطلق جاءت فكرة “مختبر التجارب” وهو أول محاولة على نطاق وطني في فنلندا لتطبيق مفهوم الابتكار التكيفي الذي يسهّل تأقلم جميع المعنيين بقطاع التعليم مع بيئة تشغيلية سريعة التغير. ولإنجاح المحاولة، تضافرت جهود الوكالة الوطنية الفنلندية للتربية والتعليم (EDUFI) مع المعنيين من جميع المستويات التربوية من مديري المدراس والمعلّمين وحتى التلاميذ وعائلاتهم والبلديات، فضلاً عن مؤثرين ومبدعين، وجهات علمية كمراكز أبحاث ومعاهد ساهمت في وضع المعايير لتشغيل المختبر وتحليل الاستجابات والآراء والنتائج، إفساحاً في المجال أمام تطوير المشروع وحسن تنفيذه وضمان جدواه.

لا يتحقق مشروع بهذه الأهمية المجتمعية بعصا سحرية، فعملية التنفيذ تجري على مراحل، يتوقّف الانتقال إليها على نتائج المرحلة السابقة، لما يُبذل في كل منها من جهود لبناء القدرات بشكل منهجي، وتمكين المعلمين كصناع للتغيير، فضلاً عن دعم عملية التعلّم على جميع مستويات النظام.

فالتعلّم الجماعي لا يحدث عن طريق الصدفة. إنه يستدعي أدوات وطرق ومناهج. وفيه يُستخدم إجراء التجارب كوسيلة لتحسين التفاعل وتبادل الآراء من أجل توطيد الترابط بين الاستراتيجية والتنفيذ. ولذا، ينشر “مختبر التجارب”، ثقافة الاختبار واجراء التجارب ويستخدمها كوسيلة لتحسين العلاقة بين التوجيه على المستوى الاتحادي العام والتنفيذ على المستوى المحلي.

في خريف 2018، أطلقت النسخة الأولى للمختبر وضمّت فرقاً محلية من بلديات مختلفة من كل أنحاء فنلندا. وكانت مصمّمة لمعالجة الحاجة إلى التغيير على مستوى النظام من منظورين اثنين في آن معاً: بناء القدرات (المهارات والكفاءات والعقليات)، واستكشاف مناهج جديدة واختبارها وتطويرها.

وعملت الفرق على نطاق واسع من التحديات المحلية تتمثل في تطوير مناهج لتعزيز رفاهية التلاميذ أو مهاراتهم العاطفية الاجتماعية، إلى تعليم القدرات الرقمية من خلال اللهو والمرح، فضلاً عن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي لزيادة النشاط البدني للتلاميذ.

ولدت فكرة “مختبر التجارب” ومفهومه من سوء تقدير سابق لمدى المساحة والقدرة المتاحتين للابتكار والتجريب في الثقافة الحالية للمدارس والبلديات. فقبل المختبر، أطلق “مركز الابتكار” مشاريع ابتكارية وورش عمل مختلطة، جمع فيها معلمين ومهنيين من القطاع الاجتماعي لتحديد التحديات بشكل جماعي ووضع أفكار حول الحلول.

والدعم الحالي الذي تقدّمه وكالة “EDUFI”، على مستويات التدريب والتطوير المهني والتوجيه من خلال المعلومات، يبدو غير كافٍ. وقد أدى ارتباك المشهد التربوي العام وتقييد الابتكار وصعوبة نشر الممارسات السليمة، فضلاً عن الجمود في العملية الإنمائية، أدى كل ذلك إلى زيادة الحاجة إلى إيجاد مناهج جديدة للتنمية والتوجيه على المستوى الوطني الشامل. فتلبية الحاجات وحدها لا تكفي لتحقيق تحول في حوكمة التعليم وإدارته، لوجود صعوبة في إنشاء أنظمة حوكمة ديناميكية واستراتيجية ضرورية لإدارة الأنظمة المعقدة.

ومع ذلك، كانت هذه التدخلات تصل إلى حائط مسدود، كلّما دُفع المشاركون في ورش العمل إلى الانتقال من النقاشات إلى وضع نماذج أولية وتطبيقها في الواقع، وذلك لأن الانتقال من الفكرة إلى التطبيق لم يكن يحدث في شكل طبيعي وسلس. وهو الأمر الذي شكّل الحافز والدافع للتعاون بين منظمي التمويل والخبراء في الوكالة لتصميم “مختبر التجارب”، لتطوير وكالة “EDUFI” لجعلها “أكثر ملاءمة للتجربة”.

وكان لهذا المشروع أثراً كبيراً حيث عزز “مختبر التجارب” الابتكار التكيّفي في التعليم الفنلندي. فالقطاع، الذي يتناول آلية تنفيذ مشاريع تنموية تحكمها بيروقراطية جامدة، لم ينجح بعد في تمكين المعلمين ومسؤولي المدارس ليصبحوا مصممي حلول للتحديات المحلية، ويشكّلوا نماذج يحتذي بها التلاميذ، لناحية تعزيزها ثقافة التعلم بالمشاركة والتجريب والابتكار.

لكن هذا الأمر لم يحل دون الشروع فعلياً بتنفيذ النسخة التالية لــ”مختبر التجارب”. ويتمثل التحدي الحالي في تقييم وتحديد جوانب العملية برمتها التي يمكن تنفيذها على نطاق أوسع في قطاع التربية والتعليم. وقد شكّلت النسخة الأولى للبرنامج واحة اختبار لا تقدر بثمن لمقاربات ومناهج جديدة، ولكن الوكالة غير واثقة حالياً من جدوى تطبيق جميع أوجه التجربة على نطاق واسع، فقد يكون من السهل استنساخ بعض جوانبها على الصعيد الوطني، وأما بعضها الآخر، مثل التوجيه المركّز، فيمكن أن يُرجأ إلى مرحلة لاحقة.

المراجع

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

إدارة النفايات

الحكومات تسعى لحلول مبتكرة لإدارة النفايات الإلكترونية

ترى سنغافورة أن النفايات الإلكترونية تشكل خطراً على الصحة العامة بالدرجة الأولى، خاصة عند النظر في مساحة أراضيها الصغيرة التي لا تقبل المزيد من المكبات. وهي تنتج كمية كبيرة من النفايات الإلكترونية يبلغ حجمها قرابة 60 ألف طن متري في العام– أو ما يعادل استهلاك 70 هاتفاً خلوياً في العام لكل شخص في الدولة. لذا قررت سنغافورة التحول إلى الاقتصاد الدائري مع تطبيق نظام “المسؤولية الموسعة للمنتجين” (EPR) بالتعاون مع الفاعلين في صناعة الإلكترونيات من منتجين وبائعي تجزئة ومشغلي مرافق إعادة التدوير، ممّن يعملون على إنشاء مثل هذا النظام بما يتناسب مع احتياجات سنغافورة، ما يعني أن يتشارك هؤلاء الفاعلين في تحمل المسؤولية، وضمان إعادة تدوير النفايات الإلكترونية بطريقة مستدامة وصديقة للبيئة. 

البصمة الكربونية

استخدام أحدث تقنيات التخضير في أبنية الحكومة الفيدرالية الأمريكية

صوبَ هذه الغاية، أطلقت الإدارة برنامج “مساحة الاختبار الخضراء” وهو يمثِّل بيئةَ اختبارٍ لإثبات جدوى تقنيةٍ أو منتجٍ أو عمليةٍ ما لجعل الأبنية الفيدرالية أكثر اخضراراً، انطلاقاً من مبدأ أنّ نجاح هذه التجارب في المباني الفيدرالية يعني أنّها مؤهلة للنجاح في أي مكان مشابه.

وقع اختيار الفريق على 6 تقنياتٍ أمريكية الصنع لتجربتها في مجموعة من الأبنية، وذلك بهدف التحقق من خصائصها التقنية والتشغيلية وإمكانية نشرِها في المستقبل، وستُجرى التجارب ضمن معطياتٍ تحاكي ظروف العالم الحقيقي لتأكيد قدرة هذه التقنيات على الحدّ من التأثير البيئي لهذه المباني.

إدارة الكوارث

كوريا تتبنى حلولاً ذكية لتحسين خدمات الطوارئ

بدايةً، شرعَ فريق الحرائق والكوارث بتطوير منصة رقمية تجمع التقنيات المتقدِّمة كالبيانات الضخمة والذكاء الاصطناعيّ من جهة، مع أرشيف عمليات الطوارئ التي أُنجزت عبر سنوات من جهة أخرى، بما في ذلك المكالمات المسجّلة وجهود الإنقاذ وإعادة تأهيل المواقع المتضررة والمعلومات الميدانية وبيانات الوكالات ذات الصلة. سيمثِّل هذا الأرشيف بنيةً تحتيةً تكنولوجية للمنصة التي ستبصر النور في العام 2026، وستلتقي فيها أنظمة الاستجابة الميدانية المتنوِّعة، كما ستتصلُ بها شاشاتٌ مثبَّتة ضمن مركبات الطوارئ لتزويد الفريق بالمعلومات المباشرة أثناء توجُّهه إلى موقع الحالة الطارئة.