“محطات الوقت المستقطع” كعقوبة للسائقين المسرعين في إستونيا

وعلى مدار 10 سنوات، لم تتمكن جهود السلطات الإستونية من تحقيق انخفاضٍ حقيقيٍّ في عدد حوادث المرور المصحوبة بإصاباتٍ بشرية، مما دفع فريق العمل الحكومي للابتكار واستخدام منهجية "التفكير التصميمي" (Design Thinking) للتصدي لهذا التحدي وفقَ رؤيةٍ تضع سلامة أفراد المجتمع في محور اهتمامها. وقد شُكِّلَ لتنفيذ هذه الرؤية فريقٌ من خلفياتٍ علميةٍ متنوعة كالأنثروبولوجيا الاجتماعية وتصميم السياسات والسلوك الاجتماعي، إلى جانب الخبرات المرورية والتكنولوجية.
Generic speeding cars in futuristic city. This is 3D generated image. Vehicles are brandless and entirely made up models not based on any real brand.

شارك هذا المحتوى

بعدما توصّلت السلطات الإستونية إلى أن زيادة السرعة أثناء القيادة تعتبر من التحديات الرئيسية لقطاع النقل، طوّر الفريق الحكومي للابتكار توجهاً جديداً للحد من السرعة على الطرقات وذلك باستخدام الوقت المستقطع كعقوبة للمسرعين بدلاً من تحرير المخالفات المالية، في تجربة لرصد تأثير المخالفة باستخدام الوقت على السائقين ومدي تقبل أفراد المجتمع لها.

لقد كشفت الدراسات أن حوادث السير الناجمة عن السرعة الزائدة تودي بحياة أكثر من مليون شخص سنوياً حول العالم، وهذا ينطبق حتى على الدول الأوروبية ذات القوانين المرورية الصارمة. ولذلك، تسعى الحكومات إلى مضاعفة الجهود لزيادة التوعية المرورية والرقابة على حركة السير. ووفقاً لدراسةٍ أجراها المجلس الأوروبي لسلامة النقل، فإنه في حال تم خفض متوسط السرعة في أوروبا بمقدار كيلومترٍ واحدٍ في الساعة، فإن هذا سيساعد على إنقاذ حياة 2100 شخصٍ سنوياً.

وعلى مدار 10 سنوات، لم تتمكن جهود السلطات الإستونية من تحقيق انخفاضٍ حقيقيٍّ في عدد حوادث المرور المصحوبة بإصاباتٍ بشرية، مما دفع فريق العمل الحكومي للابتكار واستخدام منهجية “التفكير التصميمي” (Design Thinking) للتصدي لهذا التحدي وفقَ رؤيةٍ تضع سلامة أفراد المجتمع في محور اهتمامها. وقد شُكِّلَ لتنفيذ هذه الرؤية فريقٌ من خلفياتٍ علميةٍ متنوعة كالأنثروبولوجيا الاجتماعية وتصميم السياسات والسلوك الاجتماعي، إلى جانب الخبرات المرورية والتكنولوجية.

انطلق العمل بتحليل الثقافة المرورية في إستونيا من خلال تعريف السرعة ونظرة المجتمع للتنقّل وتبريره لسلوكيات وخيارات السائقين، كما تم إجراء مقابلاتٍ استهدفت سائقين من خلفيات متنوعة لتكوين رؤية واضحة للتحدي، فوجد الفريق أن تجاوز السرعة المحددة داخل المدن أو على الطرق السريعة عُرفٌ مقبولٌ اجتماعياً، بل وطبيعيٌّ إلى درجةٍ جعلت التقيد بالسرعات المسموح بها أمراً مُستهجناً، ناهيك عن أن القيادة بسرعاتٍ أقلّ تُعدُّ عرقلةً لحركة المرور. كما تبيّنَ أنّ الغرامات المرورية لا تحدِث الأثر المطلوب على سلوك السائقين، وفقاً للسائقين أنفسِهم، الذين يرونها ضريبةً للطرقات. وكان الأمر الذي لفت انتباه فريق العمل هو اعتراف السائقين بانزعاجهم من الوقت الضائع أثناء الانتظار لتحرير المخالفة أو في زيارة أقسام الشرطة لاستعادة رخص القيادة.

لذلك فكر فريق العمل في إمكانية استخدام الوقت كعقوبة بديلة، ليطلقَ تجربةً غير مسبوقةٍ حملت اسم “محطة الوقت المستقطَع”، حيث يتم إيقاف السائق عند تجاوزه لحدود السرعة، وفي حال لم تكن لديه مخالفات مرورية سابقة، يُعرض عليه خياران، إما دفعُ غرامة أو الانتظارُ على جانب الطريق لفترةٍ محددةٍ تتراوح بين 45 إلى 60 دقيقة حسب مقدار تجاوز السرعة.

للتحقق من مدى صلاحية الفكرة، أجرى الفريق تجربةً أوليةً ضمّت 400 مشارك. وفي البداية، تم تنفيذ التدخلات على طريق سريع بين مدينتي “رابلا” و”تالين”، حيث حُدِّدَت السرعة القصوى بـ90 كيلومتراً في الساعة. وقد فضّل 57% من السائقين الانتظار في محطات الوقت المستقطع على دفع الغرامة. كما تمت متابعة سرعات هؤلاء السائقين بعد مغادرتهم “محطة الوقت المستقطع”، وبعد اجتيازهم مسافة 3 كيلومترات ثم 9 كيلومترات، للتأكد من عدم إحداث العقوبة لتأثير معاكس، كأن يحاول السائق تعويض الوقت الضائع بزيادة السرعة مثلاً، وهو الأمر الذي لم يحدث، ثم استمرت المتابعة بالتحدث إلى السائقين هاتفياً لرصد ردة فعلهم.

وبالرغم من بساطة هذه الفكرة، فإن فريق العمل قد واجه تحديات عدّة. فقد استدعت هذه السياسة توظيف موارد بشرية كبيرة، بلغت 8 إلى 10 عناصر من شرطة المرور لكلّ 3 ساعات عمل، وهو ما يفرض تحدياً يتعلق باستغلال الكوادر ودفع أجورِها، لذلك، كان على الفريق في المرحلة الحالية الاكتفاءُ باستخدام الفكرة على فتراتٍ متقطِّعةٍ لزيادة الوعي بالسلامة المرورية. أما على المدى البعيد، فإمكانيات التوسع تبدو متاحةً عبر التكنولوجيا باستخدام الكاميرات وأتمتة المحطات، حيث يمكن تركيب لوحاتٍ إلكترونية على مداخل الوجهات الرئيسية للإبلاغ عن أرقام المركبات التي ينبغي إيقافُها.

كما أنّ الأطر القانونية الحالية لا تسمح بفرض العقوبات بشكل عشوائي، وهي تحتاج لدعمٍ مجتمعيٍّ ومنظورٍ قانوني وأخلاقيّ. وقد مثَّل كل هذا تحدياً أمام الفريق، مما أثر على قياس التأثير الحقيقي للعقوبة على سلوك السائقين، وذلك بسبب تعذُّرِ القيام بعمليات المراقبة اليومية لكلٍّ منهم.

وسيظل التحدي الأكبر هو تغييرَ العُرف الاجتماعي، وهو مسعى طويل وصعب يحتاج لسنوات من الجهود الموجَّهة، لكنّ ثقة المجتمع في التجربة هي ما حرص عليه الفريق، من خلال توزيع المنشورات الإعلامية قبل التجربة وخلالَها وبعدها، وشرحَ أُسسها وأسبابَها.

ولأنّها مجرد تجربةٍ أولية، فقد تركّزت الجهود على جمع البيانات ورصد ردود الأفعال المجتمعية، وليس على إحداث آثارٍ عميقةٍ على السلامة المرورية. وكان أهم آثارها تشجيع الشرطة الإستونية لاختبار أساليب مختلفةٍ قائمةٍ على فهمٍ أعمقَ للسلوك البشري. وحيث لا يمكن توقع تأثير إجراءات كهذه وتقبل المجتمع لها، فقد قدّم المشروع للقطاع الحكومي حالةً نموذجيةً تثبت فائدة تجربة السياسات الجديدة حتى في التدابير العقابية، وخاصةً بما صاحبها من تغطية إعلاميةٍ محلية ودولية أثارت أيضاً نقاشاتٍ مروريةً في المجتمع الإستونيّ الذي تلقّاها بإيجابية، لا سيما بمقارنتها بالغرامات المالية التي يراها مصدراً لميزانية الدولة.

المسألة المهمة التي استطاعت الفكرة مقاربتَها هي المساواة في العقوبة، حيث أن قيمة الغرامة التي تقدر بـ60 يورو قد تختلف من شخصٍ لآخر حسب حالته المادية، ولكن تظلّ للدقائق الـ60 نفس القيمة في حياة أيّ إنسان.

بينما يجري العمل على متابعة حالة الطرق وسلوك السائقين بعد التجربة مباشرةً وعلى المدى الطويل، تسعى وزارة العدل اليوم لتعديل التشريعات، عقب تقديم لجنة الشؤون القانونية لمشروع قانونٍ لجعلِ وقت الانتظار شكلاً من أشكال العقوبة، ما سيتيح تطوير الفكرة وتقييمها ونشرها في بلدانٍ أخرى.

المراجع:

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

إدارة النفايات

الحكومات تسعى لحلول مبتكرة لإدارة النفايات الإلكترونية

ترى سنغافورة أن النفايات الإلكترونية تشكل خطراً على الصحة العامة بالدرجة الأولى، خاصة عند النظر في مساحة أراضيها الصغيرة التي لا تقبل المزيد من المكبات. وهي تنتج كمية كبيرة من النفايات الإلكترونية يبلغ حجمها قرابة 60 ألف طن متري في العام– أو ما يعادل استهلاك 70 هاتفاً خلوياً في العام لكل شخص في الدولة. لذا قررت سنغافورة التحول إلى الاقتصاد الدائري مع تطبيق نظام “المسؤولية الموسعة للمنتجين” (EPR) بالتعاون مع الفاعلين في صناعة الإلكترونيات من منتجين وبائعي تجزئة ومشغلي مرافق إعادة التدوير، ممّن يعملون على إنشاء مثل هذا النظام بما يتناسب مع احتياجات سنغافورة، ما يعني أن يتشارك هؤلاء الفاعلين في تحمل المسؤولية، وضمان إعادة تدوير النفايات الإلكترونية بطريقة مستدامة وصديقة للبيئة. 

البصمة الكربونية

استخدام أحدث تقنيات التخضير في أبنية الحكومة الفيدرالية الأمريكية

صوبَ هذه الغاية، أطلقت الإدارة برنامج “مساحة الاختبار الخضراء” وهو يمثِّل بيئةَ اختبارٍ لإثبات جدوى تقنيةٍ أو منتجٍ أو عمليةٍ ما لجعل الأبنية الفيدرالية أكثر اخضراراً، انطلاقاً من مبدأ أنّ نجاح هذه التجارب في المباني الفيدرالية يعني أنّها مؤهلة للنجاح في أي مكان مشابه.

وقع اختيار الفريق على 6 تقنياتٍ أمريكية الصنع لتجربتها في مجموعة من الأبنية، وذلك بهدف التحقق من خصائصها التقنية والتشغيلية وإمكانية نشرِها في المستقبل، وستُجرى التجارب ضمن معطياتٍ تحاكي ظروف العالم الحقيقي لتأكيد قدرة هذه التقنيات على الحدّ من التأثير البيئي لهذه المباني.

إدارة الكوارث

كوريا تتبنى حلولاً ذكية لتحسين خدمات الطوارئ

بدايةً، شرعَ فريق الحرائق والكوارث بتطوير منصة رقمية تجمع التقنيات المتقدِّمة كالبيانات الضخمة والذكاء الاصطناعيّ من جهة، مع أرشيف عمليات الطوارئ التي أُنجزت عبر سنوات من جهة أخرى، بما في ذلك المكالمات المسجّلة وجهود الإنقاذ وإعادة تأهيل المواقع المتضررة والمعلومات الميدانية وبيانات الوكالات ذات الصلة. سيمثِّل هذا الأرشيف بنيةً تحتيةً تكنولوجية للمنصة التي ستبصر النور في العام 2026، وستلتقي فيها أنظمة الاستجابة الميدانية المتنوِّعة، كما ستتصلُ بها شاشاتٌ مثبَّتة ضمن مركبات الطوارئ لتزويد الفريق بالمعلومات المباشرة أثناء توجُّهه إلى موقع الحالة الطارئة.