مالاوي تستخدم التكنولوجيا المتنقِّلة لتعزيز الأمن المائي

في العاصمة المالاوية مثلاً، تتفاوت مستويات المعيشة وتتنامى الهجرة الجماعية بسبب تَبِعات تغيُّر المناخ. ففي المناطق شبه الحضرية حيث يعيش ثلثُ المالاويين، تفتقر منازل كثيرة للمياه الجارية، لذا يتردّد سكان هذه المناطق على أكشاك خاصة تبيعهم الماء النظيف، مقابل مبالغ يدفعونها للعامل الذي يدير عملية البيع خلال مدةٍ محددةٍ لا تتجاوز 6 ساعات يومياً على فترتَين، صباحية ومسائية.

شارك هذا المحتوى

ضمن مقاربة حكومية لقضية الفقر المائيّ في مالاوي، أطلق مجلس المياه في العاصمة سلسلة من الأكشاك الأوتوماتيكية التي تبيع مياه الشرب للمواطنين عبر بطاقة ذكية من دون عمالٍ أو طوابير مزدحمةٍ أو ساعات انتظارٍ طويلة.

تعدّ القارة الإفريقية الأغنى من حيث الموارد، بيد أنّ شعوبها تعاني الجوع لأنّها فقيرة جداً بالمورِد الأهم، وهو الماء العذب، الذي تحوَّل إلى تحدٍّ جماعيٍّ يفرض الحاجةَ إلى المعرفة والابتكار والتعاون بين مختلف الدول الإفريقية.

في العاصمة المالاوية مثلاً، تتفاوت مستويات المعيشة وتتنامى الهجرة الجماعية بسبب تَبِعات تغيُّر المناخ. ففي المناطق شبه الحضرية حيث يعيش ثلثُ المالاويين، تفتقر منازل كثيرة للمياه الجارية، لذا يتردّد سكان هذه المناطق على أكشاك خاصة تبيعهم الماء النظيف، مقابل مبالغ يدفعونها للعامل الذي يدير عملية البيع خلال مدةٍ محددةٍ لا تتجاوز 6 ساعات يومياً على فترتَين، صباحية ومسائية.

بصورةٍ طبيعيّة، أدّى هذا إلى حالة من الازدحام الذي ازدادت خطورتُه مع تفشّي جائحة كوفيد-19. أما ما زادَ المشهد تعقيداً، فهو صعوبةُ الالتزام بإجراءات النظافة الوقائية. ورغم أنّ دولاراً أمريكياً واحداً يكفي لشراء أكثر من 800 لترٍ من مياه الشرب، إلا أن سعرَ اللتر الواحد – بما يعادل كواشا واحدة (العملة المحلية) – إلى جانب مشقّة الحصول عليه وفسادِ المسؤولين عن توزيعِه أحياناً، كلُّها تجعل اتّباعَ تعليمات غسل اليدين المستمر تحدّياً حقيقياً يواجه أبناء تلك البيئات.

أمام هذه المخاوف، استغلّ مجلس ليلونغوي للمياه الدعمَ الحكوميَّ والتمويلَ الإضافيّ الذي قدّمه البنك الدوليّ وعدة جهاتٍ أخرى للتوسُّع في إجراءات الاستجابة للجائحة، فتعاونَ مع شركة (جي إس إم إيه) متعددة الجنسيات لإطلاق برنامجِ المياه والصرف الصحيّ، وضمَّنَه مشروعَ “إي مادزي” أي “الماء إلكترونياً”.

يقوم الفريق التنفيذيّ بتركيب أكشاكٍ حديثة تعمل وفق أنظمة مؤتمتة بالكامل، تتيح للسكان الوصول إلى المياه في أي وقت، والتزوُّد بها عبر بطاقة إلكترونية. ولتشغيل هذه الأكشاك، طوَّر المجلس نظاماً لإدارة العملية، حيث يتم تحميله في وحدة التوزيع فتبقى متصلةً بجهاز إلكترونيّ.

وعبرَ تقنية تحديد الهوية بموجات الراديو، يقوم المستخدمون بنقر زرٍّ خاصٍّ وتحديد الكمية المطلوبة لتبدأ الوحدة بملء الماء تلقائياً، وحال الانتهاء، يخصم النظام الكمية التي تم ملؤها من رصيد البطاقة الذكية مسبقة الدفع. وقد تم دمج هذه البطاقات ضمن منصات الدفع النقديّ التي يستطيع المواطنون تحميلَها بسهولة على هواتفهم المحمولة، والتي تتيح لهم تسديد تكاليف المياه لأفراد عائلتهم الأكبر سناً أو غير المعتادين على التقنيات الحديثة.

ولمتابعة أداء هذه الأكشاك، تم ربطُها جميعاً بخادمٍ يجمع بياناتِها وينقلها مباشرة إلى الفريق التنفيذيّ في مجلس المياه الذي يدير أفرادُه العملَ على مدار الساعة معتمدين على لوحة معلوماتٍ سهلة الاستخدام ومتصلةٍ بشبكة الإنترنت.

كان المشروع قد شهد بدايةً خجولة بـ4 أكشاكٍ، لكنّ تفشّي فيروس كورونا أجبر السلطات على البدء الفوريّ بإنشاء مئة كشكٍ آخر في مواقع متفرِّقة من العاصمة بكلفة لا تتجاوز 42 ألف دولار للكشك الواحد. وستتركّز مجملُها في المناطق الأكثر ازدحاماً والأشدّ احتياجاً، كالمواقع القريبة من المدارس والمرافق الصحية والمرورية أو نقاط التجمُّع، كما ستتوسَّع المبادرة أكثر لتصلَ إلى بقية المدن المالاوية، ومنها إلى دول إفريقية أخرى.

اشتمل المشروع على نشرِ نقاطٍ خاصةٍ لغسل الأيدي في الأماكن العامة، بالإضافة إلى العمل لتعزيز ممارسات النظافة الشخصية، عبر إطلاق الحملات التوعوية والفِرَق التدريبية لمساعدة السكان على تبنّي عادة غسل اليدين. كما خُصِّص جزء من التمويل لتأمين المعدّات الوقائية للطواقم العاملة في الخطوط الأمامية.

ومن الجدير بالذكر أنّ حكومة مالاوي تولي اهتماماً كبيراً لمسألة المياه والنظافة منذ مطلع الألفية، وقد حقّقت تقدُّماً ملحوظاً وريادةً في هذا المجال رغم كونِها واحدةً من أصغر البلدان الإفريقية وأقلِّها نمواً. لكنّ ذلك لم يكن وليدَ المحاولة الأولى، فقد سبق أن جرّبت سلطات مالاوي تنظيم عمليات توزيع المياه عبر تطبيقات الهاتف المحمول، لكنّ ذلك لم يحقق النتائج المرجوّة.

قد يكون من البديهيّ أن يواجه مشروعٌ عالي التقنية كهذا بعض التحديات قبل أن تألفه المجتمعات شبه الحَضَرية والريفيّة وتجيدَ التعامل معه، وقد أدرك مجلس المياه هذا مبكراً، فقدّم التدريبات للسكان المحليين، إلّا أنّ الوقت ما يزال مبكّراً على الحكم بمدى فاعلية هذه التدريبات في تقريبِ هذه التقنية من الفئة المستهدَفة. لذا، تظل مسألة الاستدامة المستقبلية أكبر التحديات.

أما التحدي الثاني، فيتمثّل في فقدان الكثيرين لمصادر دخلهم، حيث ألغت التقنية الحاجةَ إلى عمال الأكشاك، وهو ما ينبغي أخذُه بعين الاعتبار عند وضع التقييم النهائيّ للمشروع.

حتى الآن، سهَّلت هذه التكنولوجيا حصولَ قرابة 9 آلاف شخص على المياه في الأحياء المعرَّضة للخطر، واختصرت قرابة 65% من التكاليف بعد الاستغناء عن العامل المشرف وتخفيض كمية النفايات، كما أنّها قلّلت الاحتكاك والتعاملات النقديّة والازدحام مما ساهمَ في تقليل انتشار العدوى. والأهم، هو الحدّ من هدر المياه أثناء العملية التقليدية، ونقلُ المجتمعات الأضعف إلى واقعٍ مائيٍّ أكثر أماناً.

المراجع:

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

إدارة النفايات

الحكومات تسعى لحلول مبتكرة لإدارة النفايات الإلكترونية

ترى سنغافورة أن النفايات الإلكترونية تشكل خطراً على الصحة العامة بالدرجة الأولى، خاصة عند النظر في مساحة أراضيها الصغيرة التي لا تقبل المزيد من المكبات. وهي تنتج كمية كبيرة من النفايات الإلكترونية يبلغ حجمها قرابة 60 ألف طن متري في العام– أو ما يعادل استهلاك 70 هاتفاً خلوياً في العام لكل شخص في الدولة. لذا قررت سنغافورة التحول إلى الاقتصاد الدائري مع تطبيق نظام “المسؤولية الموسعة للمنتجين” (EPR) بالتعاون مع الفاعلين في صناعة الإلكترونيات من منتجين وبائعي تجزئة ومشغلي مرافق إعادة التدوير، ممّن يعملون على إنشاء مثل هذا النظام بما يتناسب مع احتياجات سنغافورة، ما يعني أن يتشارك هؤلاء الفاعلين في تحمل المسؤولية، وضمان إعادة تدوير النفايات الإلكترونية بطريقة مستدامة وصديقة للبيئة. 

البصمة الكربونية

استخدام أحدث تقنيات التخضير في أبنية الحكومة الفيدرالية الأمريكية

صوبَ هذه الغاية، أطلقت الإدارة برنامج “مساحة الاختبار الخضراء” وهو يمثِّل بيئةَ اختبارٍ لإثبات جدوى تقنيةٍ أو منتجٍ أو عمليةٍ ما لجعل الأبنية الفيدرالية أكثر اخضراراً، انطلاقاً من مبدأ أنّ نجاح هذه التجارب في المباني الفيدرالية يعني أنّها مؤهلة للنجاح في أي مكان مشابه.

وقع اختيار الفريق على 6 تقنياتٍ أمريكية الصنع لتجربتها في مجموعة من الأبنية، وذلك بهدف التحقق من خصائصها التقنية والتشغيلية وإمكانية نشرِها في المستقبل، وستُجرى التجارب ضمن معطياتٍ تحاكي ظروف العالم الحقيقي لتأكيد قدرة هذه التقنيات على الحدّ من التأثير البيئي لهذه المباني.

إدارة الكوارث

كوريا تتبنى حلولاً ذكية لتحسين خدمات الطوارئ

بدايةً، شرعَ فريق الحرائق والكوارث بتطوير منصة رقمية تجمع التقنيات المتقدِّمة كالبيانات الضخمة والذكاء الاصطناعيّ من جهة، مع أرشيف عمليات الطوارئ التي أُنجزت عبر سنوات من جهة أخرى، بما في ذلك المكالمات المسجّلة وجهود الإنقاذ وإعادة تأهيل المواقع المتضررة والمعلومات الميدانية وبيانات الوكالات ذات الصلة. سيمثِّل هذا الأرشيف بنيةً تحتيةً تكنولوجية للمنصة التي ستبصر النور في العام 2026، وستلتقي فيها أنظمة الاستجابة الميدانية المتنوِّعة، كما ستتصلُ بها شاشاتٌ مثبَّتة ضمن مركبات الطوارئ لتزويد الفريق بالمعلومات المباشرة أثناء توجُّهه إلى موقع الحالة الطارئة.