كيف طوّرت سنغافورة أول توأم رقمي وطنيّ في العالم

لتحويل مساحتها الصغيرة إلى إمكانيات غير محدودة، بدأت سنغافورة بجمع البيانات لوضع خرائط ثلاثية الأبعاد عالية الدقة لكلّ ركنٍ من البلاد باستخدام تقنيات التصوير المتقدّمة والنمذجة القائمة على الذكاء الاصطناعيّ.

شارك هذا المحتوى

لتحويل مساحتها الصغيرة إلى إمكانيات غير محدودة، بدأت سنغافورة بجمع البيانات لوضع خرائط ثلاثية الأبعاد عالية الدقة لكلّ ركنٍ من البلاد باستخدام تقنيات التصوير المتقدّمة والنمذجة القائمة على الذكاء الاصطناعيّ.

يشيع وصف سنغافورة بالدولة ذات النموّ الشاقولي، حيث يتزايد عددُ سكّانِها بشكلٍ غير متناسبٍ مع مساحتها المحدودة، ما يجعلها صاحبة ثاني أعلى كثافةٍ سكانية في العالم، حيث تتزاحم الشقق والمكاتب في الأبنية الشاهقة والأقبية.

لكنّ هذا التصميم الفريد يتطلّب منهجياتٍ خاصةً في التخطيط، فالخرائط التقليدية ذات البُعدَين ستعجز لا محالة عن تمثيل هذه البيئة المعقّدة بشكلٍ فعال، نظراً لتداخل المساحتَين الجوية والسطحية مع المساحة تحت-الأرضية التي يندر أن تُقرَن بمعلوماتٍ شاملةٍ ودقيقةٍ أو دائمة التحديث. لذا، يصعب التعامل معها وتخطيط مشاريع البناء فيها، ناهيك عن الخطر الدائم المتمثِّل بإتلاف المرافق تحت-الأرضية أثناء أعمال الحفر.

أمام التحديات الكبيرة والاحتياجات المتزايدة التي يفرضها نمط الحياة المعاصر، ظهرت عدة مقارباتٍ ومن بينها تقنيةٌ ثوريةٌ تُعرف باسم التوأم الرقميّ، وهي عملية إنشاء نُسَخٍ أو تمثيلاتٍ افتراضيةٍ للعمليات والمكونات الحقيقية، لتوقّع آثار لأيّ تغييرات قد تطرأ عليها.

مستغلةً التطور التقني هذا لاجتياز عتبة التخطيط الحضري، تعاونت هيئة الأراضي السنغافورية مع عدة شركاء أبرزهم هيئة الطيران المدنيّ ومجلس المرافق العامة، وذلك لإنجاز أول توأمٍ رقميٍّ في العالم.

بالرغم من انتهاء سنغافورة من هذا المشروع الضخم مؤخراً، بدأ العمل عليه في العام 2014 منطلقاً من عنصرَين أساسيين هما البيانات والناس، ومتبنّياً مبدأ “التقاط المعلومة مرة ليستخدمها الكثيرون”. وعليه، انقسم المشروع إلى مرحلتَين، ركّزت المرحلة الأولى على وضع الإطار العام للخريطة، وذلك بجمع بيانات التضاريس المختلفة الطبيعية والحضرية باستخدام التصوير الجوي وتقنية تحديد المدى عن طريق الضوء (الليدار) التي تم تحميلُها على طائراتٍ ثابتة الأجنحة.

أما المرحلة الثانية، فكمّلت البيانات الجويةَ بأخرى أرضية، حيث تم تثبيت أجهزة المسح الليزريّ على المركبات لجمع بياناتٍ أكثر تفصيلاً ودقة. وقد شملت هذه المرحلة شبكة الطرق السنغافوريةَ التي تغطي 5500 كيلومتر، وتم خلالَها التقاطُ أكثر من 3 ملايين صورةٍ بانوراميةٍ و600 مليون نقطةً عبر أجهزة (الليدار) إلى جانب إنشاء نماذج مفصّلة ثلاثية الأبعاد لشبكة الطرق الكثيفة، وذلك باستخدام منصةٍ برمجيةٍ باسم “مايكرو ستيشن”، تُستخدم في المشاريع المعمارية والتخطيطية، وتحقق معدّل دقةٍ يبلغ 0.3 متر، فتوفّر 3 آلاف يوم عملٍ بما يترتّب عليها من تكاليف تشغيلية.

في العام 2017، انتهى إنشاء البيانات الجغرافية الأساسية التي شكّلت المسودة الأولى للخريطة. وقد أخذت البيانات صِيَغاً متعدّدة بمساحة تخزينٍ إجماليةٍ تفوق 50 تيرابايت، وأُضيفَت إليها بيانات هندسية وثنائية الأبعاد وصورٌ جُمعت من المؤسسات المختلفة، كما يجري حالياً نشرُ أجهزة الاستشعار في كلّ أنحاء سنغافورة لتزويد الخريطة بالبيانات الحية.

وقد قررت السلطات أن تكون هذه الخرائط بياناتٍ مجانيةً متاحة عبر منصةٍ إلكترونية، إذ يتم طرحُها على مراحل لتستفيد منها شرائح مختلفة من المستخدمين في احتياجات عملية وعلمية وأمنية وبيئية وغيرها، أياً كانت الأنظمة أو التطبيقات التي يستخدمها الأفراد أو المؤسسات، وبحيث تكون سهلة الاستخدام ليتسنّى لغير المختصين التكيُّف مع المنحنيات الدنيا للتعلّم التقنيّ. على سبيل المثال، يستخدم مخططو مدينة يوهوا المنصةَ لتصميم جسرٍ للمشاة ولمتابعة مشروع “البصمة الخضراء” الذي يغطي منطقةً مستدامةً توفّر موارد الطاقة والمياه وتعيد تدوير نفاياتها.

وفي المرحلة القادمة، سيتم إنشاء توأمٍ رقميٍّ تحت أرضيّ، وترقية خدمات الخرائط الذكية التي يستخدمها المواطنون.

قد يكون متوقّعاً أنّ هذا الكم الهائل من البيانات مختلفة الأشكال والصِّيَغ لن يكون مفيداً ما لم توجد طرائق فائقة التطور للتعامل معه وإدماجه في الوظائف الحكومية، وهذا أول تحديات المشروع، فلا بدّ من بنية تحتية معلوماتية متقدمة وميزانيةٍ سخيةٍ للاستخدام والصيانة والتحديث المنتظم للبيانات وإدماجها وفق معايير البيانات المفتوحة. ولهذا، أطلقت السلطات برنامج رسم الخرائط لضمان استمرار التمويل، وتبنّت استراتيجيةً وطنيةً للاستكشاف المستمر لحلول رسم الخرائط والنماذج القائمة على الذكاء الاصطناعيّ ليتمَ تحديث الخريطة الشاملة كلّ 5 سنوات وبيانات الشوارع كلّ سنتين.

كما لجأت هيئة الأراضي إلى حلولٍ برمجيةٍ مجانيةٍ مستخدمةٍ في الحوسبة السحابية لتسهيل مشاركة البيانات مع مستخدمين مختلفين، الذين يمثّلون تحدياً آخر، فهم سيحتاجون إلى الكثير من التدريب ليتمكنّوا من التعامل مع هذه التقنيات والبيانات المتقدّمة.

بمشاركة البيانات عبر الحكومة بكلّ كياناتها، ستحقق سنغافورة توفيراً كبيراً في جهود قواها العاملة، وستستفيد مؤسساتُها من الخرائط ثلاثية الأبعاد لدعم العمليات اليومية والتخطيط وإدارة المخاطر والفيضانات وسلامة الطيران وغيرها من التطبيقات.

كما ستساهم هذه النقلة في بناء الوعي لدى المواطنين ومساعدتهم على التواصل لتحسين حياة مجتمعاتهم، في حين ستستفيد منها الشركات الخاصة في تخطيط أعمالها وتحديد الاستثمارات المثلى لمواردها، وعلاوةً على ذلك، فهي ستمثّل مرجعاً بحثياً وأكاديمياً بالغ الأهمية تُبنى عليه الابتكارات المستقبلية.

الأهمّ هو أنّ هذه الخرائط ستقدّم بياناتٍ موثوقةً ودقيقةً ليعتمد عليها صناع السياسات في تخطيط مستقبل التنمية في البلاد، كما سيتم استخدامُها في التطبيقات المتعلقة بالأمن القوميّ والتنمية الحضرية واختبار الحلول المختلفة بأقلّ هامشٍ من المجازفة والتكيُّف مع تغيّر المناخ. وبهذا، ستكون إطاراً رقمياً للأمة الذكية التي تطمح سنغافورة في الوصول إليها.

المراجع:

https://www.geospatialworld.net/prime/case-study/national-mapping/virtual-singapore-building-a-3d-empowered-smart-nation/#:~:text=SLA%20employed%20multiple%20rapid%20mapping,the%20city%2Dstate%20of%20Singapore.
https://www.gim-international.com/content/article/singapore-s-journey-towards-a-nationwide-digital-twin
https://www.sla.gov.sg/

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

الاستدامة

روتردام تستخدم التكنولوجيا الذكية لإنقاذ المدينة من الغرق

لتحويل موقعها الجغرافيّ المحاذي للبحر إلى نقطة قوة، رسّخت مدينة روتردام الهولندية مكانتها كمختبرٍ للإدارة الذكية للمياه، حيث تدمج التكنولوجيا والتصميم الأخضر لتخضير أسطح بيوتها وتحويلها إلى حدائق في مواجهة مخاطر الفيضانات.

حلول التبريد

لندن تبتكر حلاً لخفض درجات الحرارة في شبكة قطارات الأنفاق

في أحد أكبر شبكات في العالم، تعمل حكومة المملكة المتحدة على مقاربة مشكلة متجذِّرة، وهي ارتفاع درجات الحرارة ضمن الأنفاق، إلى أن توصّلت مؤخراً إلى حلٍّ مبتكرٍ يضخّ الهواء البارد بأذكى استغلالٍ للمساحة وأقلّ قدرٍ من متطلباتٍ الصيانة، بينما تسعى لتأمين التمويل اللازم لنشره على مستوى وطنيّ.

إدارة الكوارث

بنغلادش تطلق منصة رقمية لتعزيز منظومة إدارة الكوارث

بهدف مواجهة تبعات الكوارث الطبيعية في واحدةٍ من أكثر بقاع العالم تعرَّضاً لها، تعمل حكومة بنغلادش على بناء المرونة عبر منصةٍ رقميةٍ توفّر البيانات المتعلّقة بالظواهر المناخية وتقيِّم المخاطر وتوجّه المعنيّين إلى الإجراءات اللازمة.