كيف تبدو المدن، إذا ما حُصِّنَت تماماً ضد الفيضانات؟

يزداد هذا الخطر جسامةً بسبب أسلوب التوسُّع الحَضَريّ الذي راد مع بداية الثورة الصناعية، فمع بدء انتشار السيارات قبل قرنٍ ونيّف، امتدّت الأسطح المرصوفة فوق الأراضي الترابية التي يُفترض أن تتشرّب مياه الأمطار لتحملَها إلى الأنهار والبحيرات. وهكذا، فُرشت المدن بطبقة إسفلت كتيمة تنزلق المياه فوقَها وصولاً إلى شبكات الصرف. وعند هطول أمطار غزيرة تفوق قدرة استيعاب أنظمة الصرف، يحدث دوماً أن تُسدَّ هذه الشبكات ليرتفع منسوب المياه مسبِّباً الفيضانات التي تودي بحياة المئات كلّ عام، خاصةً وأنّ 40% من سكان العالم يعيشون على مسافة لا تتجاوز 100 كيلومترٍ من السواحل.

شارك هذا المحتوى

بعدما فرضَ التطور الحضريّ وتغيُّر المناخ نقلةً نوعية في فِكر مخططي المدن، قدّمت عدة دول تجارب رائدة لحماية المدن وسكانها من الفيضانات، كاستراتيجية التكيف مع الموارد المائية الأسترالية، والشوارع الأمريكية الصديقة للبيئة، والمدن الإسفنجية الصينية، وصولاً إلى آخر الابتكارات في كوريا الجنوبية، وهو المدينة العائمة. 

لأنّ نشأة الحضارة ارتبطت بموارد المياه، تواجه المدن أبداً المخاطر المرتبطة بالمياه، سواء شحت منسوباتها أم وفرت. وفي حين تقاسي شعوبٌ بأكملها الجفاف، تجد دول كثيرة نفسَها أمام خطر الفيضانات التي تهدّد الأرواح والبنى التحتية والممتلكات.

يزداد هذا الخطر جسامةً بسبب أسلوب التوسُّع الحَضَريّ الذي راد مع بداية الثورة الصناعية، فمع بدء انتشار السيارات قبل قرنٍ ونيّف، امتدّت الأسطح المرصوفة فوق الأراضي الترابية التي يُفترض أن تتشرّب مياه الأمطار لتحملَها إلى الأنهار والبحيرات. وهكذا، فُرشت المدن بطبقة إسفلت كتيمة تنزلق المياه فوقَها وصولاً إلى شبكات الصرف. وعند هطول أمطار غزيرة تفوق قدرة استيعاب أنظمة الصرف، يحدث دوماً أن تُسدَّ هذه الشبكات ليرتفع منسوب المياه مسبِّباً الفيضانات التي تودي بحياة المئات كلّ عام، خاصةً وأنّ 40% من سكان العالم يعيشون على مسافة لا تتجاوز 100 كيلومترٍ من السواحل.

مع تغيُّر المناخ، ازداد تواترُ هذه الظاهرة وشدَّتُها، حتى باتت اليوم تهدّد 103 مدن حول العالم، وفقاً لدراسة استقصائية أجرتها منظمة “CDP” الغير ربحيّة لتوثيق انبعاثات الكربون.

لهذا، يعمل الكثير من المهندسين والعلماء والمبتكرين على تحويل المياه من خطر إلى مورِد، وبناء المقاومة في وجه الكوارث الطبيعية. ففي بعض الحالات، تأتي هذه الكوارث متداخلةً ومتراكبةً، كما في أستراليا التي شهدت خلال 5 سنوات أسوأ موجة جفاف في تاريخها، تَلاها موسم حرائق الغابات، ومن ثم سلسلة من الفيضانات غير المسبوقة، ما دفعها لإعادة التفكير بتصميم مدنِها على المستويين الجزئيّ والكليّ. ولا يقتصر هذا على الحماية، بل ويشمل إعادة الاستخدام الصحي للمياه. وهذا ما تجسّده استراتيجية “المدينة المتكيّفة” مع المياه، وهو مفهوم تمكين المياه ليكون دورها إيجابياً لا مدمِّراً، حيث تسعى وزارة البيئة والأراضي والمياه والتخطيط مع عدة شركاء إلى تقديم نموذج للاستدامة البيئية والحيوية والابتكار في حيِّ “فيشرمينز بيند”، وذلك عبر جملة من حلول الإدارة المتكاملة للمياه، من إنشاء محطة لإعادة تدوير المياه، وشبكة الأنابيب الثالثة لضمان الأمن المائيّ، إلى ترشيد استهلاك مياه الشرب، واستخدام الطبقات الرملية الاصطناعية، وحتى توسيع الحدائق والأسطح الخضراء والخزانات الذكية. بهذا، يمكن جمع مياه الأمطار واستخدامُها لاحقاً في الري أو التكييف.

وقد برزت تجارب أخرى تستحق الدراسة، كتجربة مدينة شيكاغو الأمريكية التي تحتضن إحدى أكبر شبكات الشوارع المُعبّدة الممتدة لحوالي 3 آلاف كيلومتر. حيث اختارت السلطات شارعَ بيلسن ليكون مساحةً صديقة للبيئة ومثالاً على البنى التحتية المستدامة، باستثمار 15 مليون دولار سُخِّرَت لتطوير تقنيات بيئية متطورة كالأحواض غير العميقة التي تصرّف المياه الملوّثة، والإسمنت المتأثر بالضوء والذي يعمل على خفض مستويات الضباب الدخاني عبر عمليات كيميائية. وفحين تهطل الأمطار، تنتقل عبر الأرصفة إلى الصخور المسامية حيث تتولّى الميكروبات تنقيتَها، لتغذّي النباتات المحيطة، أو ليتم ترشيحُها عبر الرمال العميقة، لتواصلَ رحلتَها إلى بحيرة ميشيغان.

على الناصية الأخرى، نقلت الصينُ المفهومَ إلى مستوى جديد كلياً، بابتكارها 16 نسخةً من “المدن الإسفنجية” التي تمتصّ مياه الأمطار وتخزِّنُها لأيام الجفاف، والتي ظهرت عقب فيضانات بكين في العام 2012. يقوم هذا المفهوم على الاستغناءِ عمّا يُعرف بـ “البنية التحتية الرمادية” من سدود وأنابيب وشبكات تصريف، ومنحِ المياه المساحة والوقت الكافيين للتغلغل عبر التربة. بعبارةٍ أخرى، بدلاً من التدفّق السريع للمياه عبر القنوات المائية، تقدّم لها المدن الإسفنجية جداول متعرِّجة دون جدران خرسانية لتنساب ببطءٍ إلى عمق الأرض، مع مساحة إضافية لاستيعاب كميات أكبر في حالات الفيضانات الشديدة. وبعد 30 تجربةً ناجحة، قررت الحكومة المركزية الصينية إلزامَ المدن كافةً بتطبيق هذا المفهوم، على أمل تحويل 80% منها إلى مدنٍ إسفنجية بحلول العام 2030.

وبالقرب من الصين، تخطو كوريا الجنوبية خطوة ثوريةً في العمل المناخيّ، وذلك بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية وشركة “أوشينكس”، حيث أعلنت مدينة بوسان عن تصميم نموذجٍ مبدئيٍّ لأول مدينة عائمة مستدامة في العالم تمتدّ على مساحة 6.3 هكتار، وتتسع ل12 ألف شخص يمكنهم التنقل بين أحيائها الثلاثة التي صُمِّمَ كلٌّ منها لغرضٍ معين. ستكون هذه الأحياء منصاتٍ عائمةً تربطُها جسورٌ خاصة قادرةٌ على استيعاب أكثر من 17 منصةً أخرى بأبنيةً منخفضة وذات شرفات، إضافة إلى ألواحٍ كهروضوئية لتوليد الطاقة ومشاتل للنباتات، بحيث يمكن توسيعُها أو اختصارُها مع الوقت وفقاً للاحتياج.

على اختلافها، تركز هذه الابتكارات على هدف أساسي وهو تمكين المناطق الحضرية من التكيف مع المياه وتجنب أخطارها. فعبر تطبيق أفضل استراتيجيات إدارة المياه، سيحقق المشروع الأسترالي تنمية أكبر، ويحسّن المقاومة في وجه تغير المناخ، ويعزّز التنوع البيولوجيّ، ويقلّل التلوث الناجم عن جريان مياه الأمطار.

بدورها، استطاعت سلطات شيكاغو تحويل شارع متهالك إلى معرضٍ للتقنيات البيئية المتطوّرة، وشاركت تجربتها ضمن دليلٍ حمل اسم “الشارع الأخضر”، واستعرضَ الممارسات الإدارية المثلى ونماذج للمشاريع التجريبية السابقة.

أما المدن الإسفنجية، فتسمح بتفادي مخاطر الأمطار الغزيرة، والحفاظ عليها لفترات الجفاف في الوقت نفسِه، كما أنّها تستهلك طاقة وموارد أقلّ بكثير من طرق التصريف التقليدية، وتخفف العبء عن مرافق معالجة المياه. ومن شأن هذه الفكرة – إذا ما طُبِّقَت في أماكن أخرى من العالم – أن تساعد في مكافحة الفيضانات، وامتصاص غاز ثاني أكسيد الكربون، وإنعاش النُّظم البيئية بأحيائها المختلفة، وتوسيع المساحات الخضراء.

المراجع:

  • https://environment.transportation.org/case_study/chicagos-green-alley-program/
  • https://www.chicago.gov/dam/city/depts/cdot/Green_Alley_Handbook_2010.pdf
  • https://www.theguardian.com/cities/2017/sep/25/what-flood-proof-city-china-dhaka-houston?utm_source=pocket_rec
  • https://www.nature.com/articles/d41586-022-02214-9
  • https://unhabitat.org/un-habitat-and-partners-unveil-oceanix-busan-the-worlds-first-prototype-floating-city
  • https://www.fishermansbend.vic.gov.au/media/fishermans-bend-water-sensitive-city-strategy
  • https://www.euronews.com/green/2021/11/15/china-s-sponge-cities-are-a-revolutionary-rethink-to-prevent-flooding
  • https://www.theguardian.com/cities/2017/sep/25/what-flood-proof-city-china-dhaka-houston?utm_source=pocket_rec

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

الاستدامة

روتردام تستخدم التكنولوجيا الذكية لإنقاذ المدينة من الغرق

لتحويل موقعها الجغرافيّ المحاذي للبحر إلى نقطة قوة، رسّخت مدينة روتردام الهولندية مكانتها كمختبرٍ للإدارة الذكية للمياه، حيث تدمج التكنولوجيا والتصميم الأخضر لتخضير أسطح بيوتها وتحويلها إلى حدائق في مواجهة مخاطر الفيضانات.

حلول التبريد

لندن تبتكر حلاً لخفض درجات الحرارة في شبكة قطارات الأنفاق

في أحد أكبر شبكات في العالم، تعمل حكومة المملكة المتحدة على مقاربة مشكلة متجذِّرة، وهي ارتفاع درجات الحرارة ضمن الأنفاق، إلى أن توصّلت مؤخراً إلى حلٍّ مبتكرٍ يضخّ الهواء البارد بأذكى استغلالٍ للمساحة وأقلّ قدرٍ من متطلباتٍ الصيانة، بينما تسعى لتأمين التمويل اللازم لنشره على مستوى وطنيّ.

إدارة الكوارث

بنغلادش تطلق منصة رقمية لتعزيز منظومة إدارة الكوارث

بهدف مواجهة تبعات الكوارث الطبيعية في واحدةٍ من أكثر بقاع العالم تعرَّضاً لها، تعمل حكومة بنغلادش على بناء المرونة عبر منصةٍ رقميةٍ توفّر البيانات المتعلّقة بالظواهر المناخية وتقيِّم المخاطر وتوجّه المعنيّين إلى الإجراءات اللازمة.