كوريا تسعى إلى مواكبة السباق العالمي نحو السيارات ذاتية القيادة

للّحاق بالركب العالمي لتكنولوجيا السيارات ذاتية القيادة، بل وصدارتِه، وضعت العاصمة الكورية سيؤول رؤيتها للعام 2030، والتي تسعى لإنشاء بيئةٍ مؤاتيةٍ لنشر هذه المركبات على امتداد البلاد.

شارك هذا المحتوى

للّحاق بالركب العالمي لتكنولوجيا السيارات ذاتية القيادة، بل وصدارتِه، وضعت العاصمة الكورية سيؤول رؤيتها للعام 2030، والتي تسعى لإنشاء بيئةٍ مؤاتيةٍ لنشر هذه المركبات على امتداد البلاد.

بعد أن قدّمت التكنولوجيا ثورتها الجديدة في مجال النقل، المتمثّلة بالسيارات ذاتية القيادة، انطلق سباقٌ عالميُّ لتبنّي هذه التقنية. وفي حين حققت بعض الدول كالولايات المتحدة والصين أسبقيّةً في هذا المسعى، فإنّ هذه المركبات لم تتجاوز عملياً بعدُ مرحلةَ الاختبارات والتجارب.

جزءٌ من هذه المرحلة يتعلّق بتصحيح المفاهيم المغلوطة والمنقوصة لدى الناس، لا سيما في غياب تعريفٍ واضحٍ مُجمَع عليه. وبينما يشير اسم “السيارات ذاتية القيادة” غالباً إلى سيارات تتمتع باستقلالية تامة، فالمسألةُ أعقدُ من ذلك بقليل، إذ تحدّد جمعية مهندسي السيارات 6 مستويات من أتمتة القيادة، بدءاً بـ”اليدويّة بالكامل”، وحتى “الذاتيّة بالكامل”، وبينهما تأتي السيارات ذات التقنيات الآلية الخاصة بالفرامل وضبط السرعة وغيرها.

بمفاهيم اليوم، تعمل السيارات ذاتية القيادة بتكامل عتادٍ صلبٍ وآخر مرن، فهي تحتوي أجهزة استشعار وكاميرات تراقب المحيطَ والأجسام القريبة وإشارات المرور واللافتات ونبضات الضوء والمسافات، وتُدار بمعالِجات قوية وخوارزمياتٍ معقّدة وأنظم تعلّم آليّ، وتعالج هذه العناصر المدخلات الحسية لتوجّه السيارة وتحدد سرعتها وتجنِّبها أي حواجز.

وحيث تشير التوقّعات إلى أنّ قيمة هذه الصناعة في السوق الكورية ستبلغ تريليون دولار في العام 2030، لا بدّ من اختبارات مكثّفة وبنية تحتية مرحّبة لهذه التقنيات. ولهذا، أعلنت حكومة سيؤول التعاون مع شركة “هيونداي” لبناء منطقة قيادة لاختبار المركبات ذاتية القيادة ضمن الواقع الافتراضيّ، كجزء من مشروع إنشاء نظام النقل الذكي التعاونيّ.

ستعتمد التجربة على أجهزة محاكاة مستوردة تصل قيمتُها إلى 160 ألف دولار للجهاز الواحد، وستستخدم توأماً رقمياً يتيح خريطة تفصيليّة ثلاثية الأبعاد تحاكي ظروف الموقع ببناه التحتية وشوارعه وحالة الطقس وحركة الناس، على أن تتوسع هذه الخريطة لتشمل مناطق أخرى من العاصمة.

أواخر العام 2021، منحت وزارة الأراضي والبنية التحتية والنقل تصريحاً يسمح لمنطقة “سانغوم دونغ” المزدحمة باستضافة تجربة “الرحلة الآلية”، حيث يمكن للعملاء استخدام تطبيق ذكي ليطلبوا سيارة أجرة ذاتية القيادة من المستوى الرابع تُقِلُّهم إلى وجهاتهم، بوجود سائق لضمان السلامة في حالات الطوارئ. وبعدها، ستنطلق 4 سيارات أخرى تغطي منطقتَين تجاريتَين منفصلتَين. وقد عملت “هيونداي” على تطوير هذه السيارات داخلياً، ووظّفت خبرتها في بناء رؤية شاملة، وعملت مع الحكومة لإنشاء نظامٍ قادر على ربط إشارات المرور بالمركبات، وجمعت البيانات التي تغطّي عامين من الاختبارات.

لإدخال تحسين حقيقي على التكنولوجيا، وإشراك الناس في جمع البيانات، قرر المطوِّرون إتاحة الجهاز للعامة والقطاع الخاص والكيانات الحكومية والأوساط الأكاديمية، بحيث يمكن لأيّ راغبٍ تجربتُه ومشاركة ملاحظاته.

ووفقاً لرؤية 2030، خصصت حكومة سيؤول 125 مليون دولار أمريكيّ لإنشاء البنى التحتية المواتية لـ300 مركبة ذاتية القيادة بحلول العام 2026، حيث ستقدّم هذه المركبات خدمات مأجورة لنقل الركاب والبضائع، وستتوسّع إلى 3 مناطق جديدة قبل العام 2024، على أن يتم السماح ببيع هذه المركبات للمواطنين في العام 2027. وتشمل البنى التحتية خرائط دقيقة للطرق ومنصة مفتوحة تتيح التحديثَ الفوريّ للبيانات في حالات الطوارئ.

كما تقتضي الخطة جعلَ الحافلات ذاتية القيادة وسيلةً أساسيةً للنقل العام اعتباراً من العام 2026، حيث أُطلقت حافلتان ذاتيتا القيادة للمرحلة التجريبية ستقطعان مسافة حوالي 5 كيلومترات 24 مرة يومياً، على أن يزداد تبنّي هذه الحافلات تدريجياً العام المقبل. فيما ستدخِل البلديّة نظاماً ذكياً لخدمات الدوريات والتنظيف، وستبدأ التشغيل التجريبي لجرافات الثلوج ذاتية القيادة في العام الذي يليه.

لكنّ نشرَ هذه المركبات على نطاق واسع سيواجه عدة تحديات، أولُها اللوائح الصارمة التي – مهما حُدِّثَت – يصعب أن تواكب التقدم التكنولوجيّ المتسارع. ورغم أنّ وزارة النقل كانت أول من وضع معايير سلامة للمستوى الثالث من السيارات ذاتية القيادة، والتي جاءت نتاج مشاورات مطوّلة مع الجهات المعنية، ما زالت تواجه المهمة نفسَها مجدداً، لكنّها تركز هذه المرة على تعديل حدود السرعة المسموح بها لهذه السيارات، بحيث تصبح أكثر ملاءَمةً لمتطلباتها. إذ ترى السلطات في هذه التقنية دافعاً للنمو المستقبليّ، كما أنّ المستوى الثالث منها ليس مؤتمتاً بالكامل، بل يقوم بـ”رصد البيئة المحيطة” واتخاذ قرارات من مستوى تجاوز مركبة أخرى بطيئة، لكنه يظل بحاجة إلى وجود سائق لتولّي القيادة عند الضرورة.

وهنا يبرز تحدٍّ آخر مرتبطٌ بالرفض المجتمعيّ والتساؤلات الأخلاقية وردود الأفعال الحادة التي قد يبديها الرافضون لهذه التقنية في حال تسبُّبِها بحوادث. واقعٌ يستدعي إشراك الجمهور في اتخاذ القرارات.

كما تواجه كوريا صعوبات تتعلق بالبيانات الموحّدة، فالتجارب تشمل 220 مركبةً فقط، لم تعبر سوى 720 ألف كيلومتر في 14 منطقة، وهذا غير كافٍ لجمع بيانات وافية والبناء عليها، ما يجعل كوريا متأخرة عن المنافسين الدوليين، خاصةً بالنظر إلى الجدل الدائر حول خصوصية البيانات والأمن السيبرانيّ، وهما عنصران لا بدّ من توافرهما لحشد دعم العامة.

بمجرد اجتياز هذه التحديات، من شأن المركبات ذاتية القيادة تقليل عدد حوادث الطرق المرتبطة بأخطاء بشرية، ما يعني إنقاذ الأرواح والممتلكات.

تأمل السلطات الكورية أنّ هذه التقنية ستخفف العبء عن العاملين في القطاع الحكوميّ من سائقين وموظّفين وعمال نظافة وغيرهم، لكنّ الهدف الأبعد هو إيجاد بيئة آمنة لهذه التقنية عبر الاستثمار الاستباقيّ وجعل سيؤول “مدينة منفتحة أمام التجارب”.

المراجع:

https://cities-today.com/seoul-launches-virtual-reality-pilot-for-autonomous-vehicles/

https://www.synopsys.com/automotive/what-is-autonomous-car.html

https://www.brookings.edu/blog/techtank/2015/05/21/what-is-a-driverless-car/

https://pulsenews.co.kr/view.php?sc=30800018&year=2022&no=469413

https://www.koreatimes.co.kr/www/nation/2022/07/281_323572.html?fa

https://www.hyundai.com/worldwide/en/company/newsroom/hyundai-motor-group-to-pilot-autonomous-car-hailing-roboride-service-in-seoul%E2%80%99s-bustling-gangnam-district-0000016845

https://www.koreatimes.co.kr/www/tech/2022/08/129_334345.html

https://theconversation.com/autonomous-cars-five-reasons-they-still-arent-on-our-roads-143316

https://www.brookings.edu/blog/techtank/2015/05/21/what-is-a-driverless-car/

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

الاستدامة

روتردام تستخدم التكنولوجيا الذكية لإنقاذ المدينة من الغرق

لتحويل موقعها الجغرافيّ المحاذي للبحر إلى نقطة قوة، رسّخت مدينة روتردام الهولندية مكانتها كمختبرٍ للإدارة الذكية للمياه، حيث تدمج التكنولوجيا والتصميم الأخضر لتخضير أسطح بيوتها وتحويلها إلى حدائق في مواجهة مخاطر الفيضانات.

حلول التبريد

لندن تبتكر حلاً لخفض درجات الحرارة في شبكة قطارات الأنفاق

في أحد أكبر شبكات في العالم، تعمل حكومة المملكة المتحدة على مقاربة مشكلة متجذِّرة، وهي ارتفاع درجات الحرارة ضمن الأنفاق، إلى أن توصّلت مؤخراً إلى حلٍّ مبتكرٍ يضخّ الهواء البارد بأذكى استغلالٍ للمساحة وأقلّ قدرٍ من متطلباتٍ الصيانة، بينما تسعى لتأمين التمويل اللازم لنشره على مستوى وطنيّ.

إدارة الكوارث

بنغلادش تطلق منصة رقمية لتعزيز منظومة إدارة الكوارث

بهدف مواجهة تبعات الكوارث الطبيعية في واحدةٍ من أكثر بقاع العالم تعرَّضاً لها، تعمل حكومة بنغلادش على بناء المرونة عبر منصةٍ رقميةٍ توفّر البيانات المتعلّقة بالظواهر المناخية وتقيِّم المخاطر وتوجّه المعنيّين إلى الإجراءات اللازمة.