كوريا الجنوبية تطلق نظاماً لتقصي وتتبع الإصابات بكوفيد-19 في الوقت الفعلي

في ظل ارتفاع عدد الإصابات بجائحة كوفيد-19 في كوريا الجنوبية بمعدلات غير مسبوقة، سارعت الحكومة إلى تطوير نظام لتقصي وجمع البيانات المرتبطة بالإصابات في الوقت الفعلي بهدف احتواء الجائحة، مع الحفاظ على سير الأنشطة الاقتصادية والمعيشية اليومية.

شارك هذا المحتوى

في ظل ارتفاع عدد الإصابات بجائحة كوفيد-19 في كوريا الجنوبية بمعدلات غير مسبوقة، سارعت الحكومة إلى تطوير نظام لتقصي وجمع البيانات المرتبطة بالإصابات في الوقت الفعلي بهدف احتواء الجائحة، مع الحفاظ على سير الأنشطة الاقتصادية والمعيشية اليومية.

تعاملت كوريا الجنوبية مع جائحة كوفيد-19 بطريقة مختلفة. فهي لم تفرض إجراءات مشددة مثل إغلاق المدارس والمتاجر أو إعلان حظر التجول، بل اعتمدت على سلسلة إجراءات وقائية، وحملات توعية، وعزل ذاتي، وتباعد اجتماعي، ومقابلات هاتفية، وفحوصات مكثفة، مع عزل الإصابات غير الشديدة في مرافق خاصة غير المستشفيات، وغيرها من إجراءات معتدلة ضمن ما أصبح يعرف باسم “الحجر الصحي الكوري” (K-quarantine)، الذي جرى اعتماده تجنباً لعمليات الإغلاق التي تشل الأنشطة الاقتصادية وتحد من حرية السكان. وأثبتت هذه السياسة الهادفة إلى تحقيق توازن بين التعافي الاقتصادي واحتواء جائحة كوفيد-19، نجاحها في الحد من تفشي الوباء خلال العام 2020. لكن الارتفاعات الحادة في الإصابات التي سجلت في العام 2021 شكلت تحدياً كبيراً أمام هذه المنهجية، مما دفع كوريا الجنوبية إلى اللجوء إلى التكنولوجيا بحثاً عن الحل المناسب.

ولذلك، فقد تم تصميمُ نظامٍ أطلق عليه اسم “نظام التقصي الوبائي” (Epidemiological Investigation System)، لكي يساعد المسؤولين على التتبّع السريع لمسار تفشّي العدوى، لاتخاذ القرارات اللازمة في حينها، وذلك من خلال التحليل السريع للبيانات الواردة إلى النظام من أجهزة التتبع مثل الهاتف النقال بشكل آني. أدى هذا الابتكار إلى تقليل الفترة التي تتطلبها عملية التقصي الوبائي، من 24 ساعة إلى نحو 10 دقائق، مما أسهم في احتواء تفشي الوباء في مراحله المبكرة.

تمت الاستعانة في عملية تطوير النظام بالتقنيات المتقدمة المتوفرة لدى حكومة كوريا الجنوبية، مثل تطبيقات الذكاء الاصطناعي المستخدمة في منصة “مركز بيانات المدينة الذكية” التي يتم تطويرها في العاصمة سيئول، والتي تتضمن في الأساس آليات للتعامل مع جائحة كوفيد-19. والعامل الآخر الذي مهد الطريق لتطوير نظام التقصي الوبائي هو عامل قانوني، حيث أنه عقب تفشي “متلازمة الشرق الأوسط التنفسية” (MERS) في كوريا في العام 2015 قامت السلطات التشريعية بسنّ قانون يسمح باستخدام المعلومات الشخصية في حالات الطوارئ.

وقد برزت أهمية هذا القانون في العام 2020 عندما بدأت جائحة كوفيد-19 بالانتشار، وأتاحت التقنيات الجديدة الفرصة أمام الحكومة لاستبدال العمل اليدوي البطيء المتمثل في تتبع الإصابات والحصول على المعلومات من خلال المقابلات الشخصية، بالأساليب الحديثة فائقة السرعة وعالية الدقة في تحليل البيانات التي يتم جمعها آلياً من الهواتف النقالة للمستخدمين، والتي تتطلب مراعاة قانون سرية المعلومات.

لكن على الرغم من التسهيلات التي وفرها القانون الجديد للجهات الحكومية لاستخدام المعلومات الشخصية، بقي التحدي قائماً من جهة الحصول على موافقة مستخدمي الهواتف المتحركة، حتى وإن كانت السلطات تنوي استخدام المعلومات فقط لأغراض متابعة الإصابات ورسم خريطة حية عن أماكن تفشي الجائحة، حيث أن الحكومة الكورية ملزمة قانوناً بعدم الإفصاح عن هوية الأشخاص المعنيين في البرنامج. ومن ناحية أخرى، فإن تطوير نظام الاستقصاء الوبائي في وقت قصير نسبياً كان تحدياً كبيراً بحد ذاته، خاصة في مجال المواءمة بين مختلف الأنظمة القائمة ذات الصلة، كما أنه يتطلب جهوداً عاجلة ومنسقة بين القطاعين الحكومي والخاص.

وقد شارك في عملية التطوير سبع جهات حكومية بالتعاون مع عدة شركات اتصالات، وشركات مختصة بتطوير نظم المعلومات، ومجموعة من الجهات المُصدرة لبطاقات الائتمان، بالإضافة إلى الهيئة القومية للسياسات. كما تم اطلاع الجمهور على سير المشروع من خلال أجهزة الإعلام لضمان الشفافية واستقطاب مشاركة العامة.

ويجدر بالذكر أن العديد من شركات الاتصالات والتكنولوجيا المشاركة قدمت خدماتها مجاناً لكلا المشروعين، المدينة الذكية في سيؤول ونظام التقصي الوبائي، تضامناً منها مع الجهود الحكومية، مما أحدث زخماً قوياً للدفع نحو إنجاز نظام التقصي الوبائي في أسرع وقت ممكن. وبالفعل، تم تطوير النظام – من مرحلة التخطيط والتنفيذ مروراً بالاختبار والتقييم – خلال فترة شهر واحد. وينجز النظام الجديد اليوم ما يقارب من الـ90% من عمليات التحقق الوبائي في مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها، والمتعلقة بحالات الإصابة المؤكدة، الأمر الذي زاد من سرعة عملية الاتصالات وتبادل المعلومات بين 28 جهة حكومية معنية بمكافحة الجائحة، وفي ذات الوقت خفّض النظام عبء العمل بشكل ملحوظ.

وكانت حماية الخصوصية ومنع سوء استخدام المعلومات الشخصية من أهم الجوانب التي خضعت لتدابير احترازية مشددة واختبارات دقيقة خلال عملية التطوير، وذلك لطمأنة السكان الذين سمحوا للنظام باستخدام معلوماتهم أنها تُستخدم بطريقة أخلاقية وآمنة. حيث جرى حفظ المعلومات الشخصية في قاعدة بيانات آمنة تم دعمها بأحدث التقنيات المضادة للاختراق. كما قامت “الهيئة الوطنية للاستخبارات” باختبار قاعدة البيانات من خلال إجراء عملية اختراق وهمية للتأكد من سلامة النظام ضد المخترقين. وإضافة إلى ذلك، تم حصر قائمة المخولين بالنفاذ إلى قاعدة البيانات بعدد صغير من المسؤولين، فضلاً عن توفير ملف غير قابل للحذف أو التعديل يحفظ تفاصيل كل عملية نفاذ إلى القاعدة، لضمان الاستخدام المسؤول لبياناتها.

وتؤكد المصادر الحكومية على نجاح نظام التقصي الوبائي في خفض مخاطر تفشي كوفيد-19، والحفاظ على السلامة العامة، ضمن بيئة تتميز بالشفافية في تبادل المعلومات حول المستجدات في تفشي الجائحة، ومشاركة المجتمع في صنع السياسات ذات الصلة. كما تعتزم كوريا الجنوبية توفير النظام لعدة دول أبدت رغبتها في تبنيه.

 

المراجع:

https://oecd-opsi.org/innovations/development-and-use-of-a-covid-19-epidemiological-investigation-system/

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

الاستدامة

روتردام تستخدم التكنولوجيا الذكية لإنقاذ المدينة من الغرق

لتحويل موقعها الجغرافيّ المحاذي للبحر إلى نقطة قوة، رسّخت مدينة روتردام الهولندية مكانتها كمختبرٍ للإدارة الذكية للمياه، حيث تدمج التكنولوجيا والتصميم الأخضر لتخضير أسطح بيوتها وتحويلها إلى حدائق في مواجهة مخاطر الفيضانات.

حلول التبريد

لندن تبتكر حلاً لخفض درجات الحرارة في شبكة قطارات الأنفاق

في أحد أكبر شبكات في العالم، تعمل حكومة المملكة المتحدة على مقاربة مشكلة متجذِّرة، وهي ارتفاع درجات الحرارة ضمن الأنفاق، إلى أن توصّلت مؤخراً إلى حلٍّ مبتكرٍ يضخّ الهواء البارد بأذكى استغلالٍ للمساحة وأقلّ قدرٍ من متطلباتٍ الصيانة، بينما تسعى لتأمين التمويل اللازم لنشره على مستوى وطنيّ.

إدارة الكوارث

بنغلادش تطلق منصة رقمية لتعزيز منظومة إدارة الكوارث

بهدف مواجهة تبعات الكوارث الطبيعية في واحدةٍ من أكثر بقاع العالم تعرَّضاً لها، تعمل حكومة بنغلادش على بناء المرونة عبر منصةٍ رقميةٍ توفّر البيانات المتعلّقة بالظواهر المناخية وتقيِّم المخاطر وتوجّه المعنيّين إلى الإجراءات اللازمة.