"قرى ذكية" في النيجر للتغلب على تحديات تغير المناخ

"قرى ذكية" في النيجر للتغلب على تحديات تغير المناخ

1 دقيقة قراءة
ولتحقيق الأمن الغذائي في النيجر، احتاجت السلطات المعنية إلى الوصول إلى فهم معمّق حول التحديات المناخية المعقدة التي تهدد المنطقة. حيث تشير التقارير الدولية إلى أن ما بين 32-39% من تقلبات أحوال المحاصيل العالمية يسببها التغير المناخي، والذي يؤدي إلى اختلاف معدلات إنتاج المحاصيل الرئيسية السنوية كالذرة والأرز والقمح بما يقارب 2 إلى 22 مليون طن.
شارك هذا المحتوى

أضف إلى المفضلة ♡ 0

يتعرض قطاع الزراعة في منطقة غرب أفريقيا إلى تحديات بيئية عدّة ناجمة عن تغير المناخ تؤثر سلباً على خصوبة المناطق الزراعية فيها، وبالتالي على الأمن الغذائي في دول المنطقة. وبغية التغلب على تلك التحديات البيئية، تبنت حكومة النيجر بالتعاون مع بعض المنظمات الدولية حلاً مبتكراً يساهم في تمكين المزارعين من التكيف مع تغيرات المناخ عبر إنشاء ما يسمى "القرى الذكية مناخياً".

تنعم منطقة غرب أفريقيا بوفرة الموارد الطبيعية والبشرية، لكنّها مع ذلك تظل واحدة من أفقر الأقاليم في العالم؛ حيث يتعرض القطاع الزراعي فيها وخصوصاً في السنوات الأخيرة لتحديات عديدة ناتجة عن تغير المناخ. وتؤدي التقلبات المناخية الشديدة فيها، مثل الأمطار الغزيرة التي تعقبها موجات جفاف طويلة الأمد، إلى تجريد التربة من مغذياتها، وبالتالي تؤثر سلباً على خصوبتها وقدرتها على إنتاج المحاصيل. ولذلك ارتأت النيجر، وهي أحد دول إقليم غرب أفريقيا، ضرورة التوجه نحو نهج جديد ومبتكر للحفاظ على التنوع البيولوجي وتمكين صغار المزارعين من مواطنيها من زراعة الغذاء وتأمينه.

ولتحقيق الأمن الغذائي في النيجر، احتاجت السلطات المعنية إلى الوصول إلى فهم معمّق حول التحديات المناخية المعقدة التي تهدد المنطقة. حيث تشير التقارير الدولية إلى أن ما بين 32-39% من تقلبات أحوال المحاصيل العالمية يسببها التغير المناخي، والذي يؤدي إلى اختلاف معدلات إنتاج المحاصيل الرئيسية السنوية كالذرة والأرز والقمح بما يقارب 2 إلى 22 مليون طن. وفي الوقت نفسه، يساهم قطاع الزراعة الغذائية بنسبة 19-29% من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري العالمية. ويتمثل التحدي الأكبر كما لخصته منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو) أن الطلب العالمي على الأغذية سيرتفع بسبب التزايد السكاني وتغير أنماط الاستهلاك، بينما يتوقع الخبراء أن يشهد العالم انخفاض إنتاجية المحاصيل بمعدل 5% مع كل درجة مئوية تزيد عن المستويات الحالية. وتعتبر النيجر من الدول الأكثر عرضة للتحديات المناخية، حيث تغطي الصحراء ثلثي مساحتها وليس لديها منفذ بحري.

وقد دفعت هذه الظروف حكومة النيجر وبعض المنظمات الدولية المعنية إلى النظر في استخدام مبدأ "القرى الذكية مناخياً" (Climate Smart Villages) كحل لإعادة توجيه النظم الزراعية بحيث تدعم الأمن الغذائي في الدولة وتساهم في التصدي لتهديدات تغير المناخ. ومن هذا المنطلق، قام مركز "حصاد المستقبل" (CGIAR) بالتعاون مع السلطات المحلية بالنيجر باعتماد هذا النموذج واختبار عدد من الابتكارات التي تم تصميمها بالشراكة مع المجتمعات المحلية والسلطات المعنية لتتغلب على التحديات الناجمة عن تغير المناخ. وتكفّل القائمون على برنامج "تغير المناخ والزراعة والأمن الغذائي" CCAFS بإجراء الأبحاث ومراقبة نتائج الابتكارات التابعة للقرى الذكية مناخياً. وبناء على الأثر الإيجابي الذي حققته تلك المبادرة، تم تصميم برنامج على مستوى أوسع يمتد لفترة 7 سنوات وبميزانية 111 مليون دولار أمريكي من البنك الدولي لدعم القرى الذكية مناخياً في النيجر، حيث جاء هذا البرنامج متماشياً من مبادرة أوسع أطلقتها حكومة النيجر لزيادة إنتاجية الثروة الحيوانية والزراعية، وتمكين المزارعين والرعاة من الصمود أمام تغير المناخ وتهديد الأمن الغذائي.

ولكن ما هي "القرى الذكية مناخياً" وكيف تساهم في التغلب على تغير المناخ في منطقة غرب أفريقيا؟ يمكن تعريف "القرى الذكية مناخياً" على أنها برنامج يهدف إلى تمكين المزارعين في دولة أو إقليم ما من التكيف مع أحوال الطقس الصعبة التي يتسبب بها تغير المناخ عبر مبادرات زراعية تم تجريبها مسبقاً وتستند إلى أسس علمية. تعتمد هذه القرى على مبدأ تسهيل إجراء البحوث التشاركية حول أنماط الزراعة المقاومة لتغير المناخ، لتساهم في إيجاد ظروف زراعية مناسبة، وجمع الأدلة المتعلقة بمدى فعالية المبادرات على أرض الواقع، وتسهيل التطوير المشترك للتقنيات والآليات المناسبة التي تتيح التوسع في نطاق الزراعة الذكية مناخياً. وتوجد عدّة مبادرات ذكية تحت مظلة "القرى الذكية مناخياً" كالتقنيات المتعلقة بالطقس، ومنها تنبؤات الأحوال الجوية والاستشارات الزراعية المبنية عليها، والممارسات المستدامة في الري مثل تجميع مياه الأمطار والري الاقتصادي والدقيق، وتقنيات تحسين جودة البذور بما في ذلك إنتاج سلالات بذور ملائمة للمناطق الجافة وإنشاء بنوك لإيداع البذور. 

ومن خلال الأدلة التي تم جمعها حول فاعلية هذه التجربة، اتضح أن هذه القرى تقدم وسائل مختلفة لدعم القرار المبني على أسس علمية لدى المجتمعات والسلطات المحلية بما يتعلق بالمسائل الزراعية. حيث تساعد أولاً في وضع خطط لاستغلال الأراضي الزراعية آخذة بعين الاعتبار الأحوال المناخية الحالية والتغيرات المناخية المستقبلية. كما تقدم الدعم الاستراتيجي للمزارعين وخصوصاً في الفترة السابقة لمواسم الزراعة معتمدة على أحدث الأبحاث العلمية والتنبؤات المناخية لكل عام. ويستفيد المزارعون أيضاً من الدعم التقني الهادف إلى بناء القدرات المحلية لقراءة أحوال الطقس في الوقت الحقيقي والوصول إلى معلومات حول تحسين تقنيات الري والطاقة والتسميد. وعلى مستوى السياسات، تكشف هذه القرى مَواطن الضعف في التشريعات المحلية وتقدم إرشادات عامة حول كيفية النهوض والتوسع بقطاع الزراعة الذكية مناخياً.

واجهت النيجر أثناء تنفيذ هذه المبادرة تحديات عدّة، تمثل أهمها في تأمين التمويل اللازم للمبادرة وتوصيل خدمات المعلومات المناخية إلى المناطق الزراعية النائية. واتضحت أثناء التنفيذ الحاجة إلى تدريب وتمكين القدرات المحلية في النيجر من أفراد ومؤسسات وطنية وصناع قرار، حيث عانى المزارعون بشكل خاص من صعوبة تبني التقنيات والممارسات الزراعية الذكية مناخياً بسبب صعوبة الوصول إليها، وضعف قدراتهم التقنية والمادية.

لقد أثبت نموذج "القرى الذكية مناخياً" فعاليته كبرنامج تشاركي بين المجتمعات الريفية والجهات المعنيّة والمنظمات الدولية لدعم الدول التي تواجه تحديات ناجمة عن تغير المناخ في قطاعها الزراعي. وتَبين للقائمين على تصميم وتنفيذ هذا النموذج قابليته للتوسع على نطاق أكبر ونشره في دول تعاني من تحديات بيئية مماثلة. حيث ساهم مبدأ "القرى الذكية مناخياً" في تعزيز الأمن الغذائي في النيجر وغيرها من الدول كبوركينا فاسو، وغانا، ومالي، والسنغال. وعلى صعيد آخر، أدت تلك القرى إلى تحسن دخل المزارعات النساء من خلال تطوير الأنشطة التي تراعي الفوارق بين الجنسين.

المراجع:

http://www.fao.org/3/CA2588EN/ca2588en.pdf#page=12

https://cgspace.cgiar.org/bitstream/handle/10568/79353/CSV%20Brochure%202016.pdf

اشترك في منصة ابتكر لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والمساقات والأدوات والابتكارات الحكومية
قم بالتسجيل
أشترك في القائمة البريدية لمنصة ابتكر | كل أسبوع
القائمة البريدية للمبتكرين
نشارك أكثر من 20,000 مبتكر أسبوعياً نشرة أخبارية ترصد الابتكارات العالمية من كافة أنحاء العالم
Subscription Form (#8)
المزيد من ابتكر

دروس مستفادة من تجربة كيب تاون في تجنب أزمة المياه

تحرصُ المدن الكبرى على التخطيط والاستثمار لضمان توفير أهم مورد طبيعي لسكانها، وهو المياه، خاصة في ظل التحديات التي يفرضها تغير المناخ، الذي يؤثر سلباً على صعيدين. فهو يؤدي إلى شح المياه، وهو أيضاً يساهم في تعجيل التضخم السكاني بسبب الهجرة المتنامية لسكان القرى والأرياف نحو المدن، مع تراجع الظروف المناخية المناسبة التي تعتمد عليها الزراعة في بعض المناطق. في هذا السياق، تشكل مدينة كيب تاون حالة بارزة تستحق الدراسة في مواجهة هذا التحدي.

 · · 8 مايو 2024

نظم الإنذار المبكر: دروس من اليابان والصين لمواجهة الكوارث الطبيعية

في ظل الزيادة المتنامية في حدة ووتيرة الكوارث الطبيعية حول العالم خلال العقود الماضية، خاصة تلك المرتبطة مباشرة بتغير المناخ، أطلقت الأمم المتحدة في العام الماضي مبادرة "الإنذار المبكر للجميع" كإطار عمل لضمان حماية كل إنسان من خلال نشر نظم الإنذار المبكر بنهاية عام 2027. وبينما تتضافر الجهود لوضع الخطط وكيفية التعامل مع التحديات الكبيرة التي ستواجه هذه المبادرة، هناك تجارب مبتكرة ومتقدمة ثبت نجاحها في كل من اليابان والصين في هذا المجال، من شأنها المساهمة في تصميم استراتيجيات ونظم الإنذار المبكر حول العالم، ودعم مبادرة الأمم المتحدة بأفضل الممارسات.

 · · 8 مايو 2024

فرنسا تقدم علامة وطنية لمكافحة هدر الطعام

بدافع الالتزام البيئيّ والمسؤولية الاجتماعية، تسعى الحكومة الفرنسية لاحتواء ظاهرة هدر الغذاء عبر تثقيف المستهلكين بوصفهم مفتاح حلّ المعادلة، وسنّ قوانين تلزم المؤسسات بالتبرّع بالأغذية الفائضة، ومنح العلامة الوطنية للجهات التي تبذل جهداً أكثر تفانياً في رحلة مكافحة الهدر.

 · · 21 أبريل 2024

دروس في الاقتصاد الدائريّ نستقيها من التجربة الفنلندية

في سعيها للحد من استخدام الموارد الطبيعية وتحقيق الحياد المناخي بحلول العام 2035، انطلقت فنلندا في رحلة الاقتصاد الدائريّ بعد أن رسمت خريطة طريقٍ واضحةً تتعاون فيها القطاعات، وتنظِّمها سياساتٌ منفتحة، ويدعمها مجتمعٌ محليّ تتم تَنشِئَتُه على ثقافة الاستدامة.

 · · 29 يناير 2024

مدن توظف تحليل البيانات للتصدي لظاهرة التشرّد

بعد سنواتٍ من مكافحة ظاهرة التشرّد، بدأت بعض الحكومات المحلية في بريطانيا وأمريكا بالنظر إلى القضية من زاويةٍ مختلفة. وبدلاً من البحث عن المتشرّدين في الشوارع لنقلهم إلى الملاجئ، باتت تستخدم النمذجة وتحليلات البيانات للتنبّؤ بأولئك المُهدَّدين بالتشرّد ومساعدتهم قبل أن يخسروا أمانَهم.

 · · 29 يناير 2024
magnifiercrossmenuchevron-downarrow-right