فيينا تبني منظومة نقل ذكية ومستدامة

في العاصمة النمساوية، فيينا، التي تحتل مكانةً شبه دائمةٍ بين أصلح مدن العالم للعيش، تبنّى مجلس المدينة مطلعَ العام الجاري خطةً أسماها "استراتيجية المدينة الذكية مناخياً"، والتي ستعمل على تأمين مستويات عالية لجودة الحياة لكلّ سكان فيينا عبر الابتكار الاجتماعيّ والتقنيّ في المجالات كافةً، والتأكيد على أهمية الحفاظ على الموارد إلى أقصى درجة. يعني هذا عدمَ الاكتفاء بالحدّ من انبعاثات الغازات الدفيئة، بل ومقاربة القضايا الاجتماعية بشكل يضمن الوصولَ العادل للحياد المناخيّ.

شارك هذا المحتوى

سعياً لتحقيق هدفها في بلوغ الحياد المناخي بحلول العام 2040، أقبلت فيينا على التنقّل الذكي، فأطلقت استراتيجية المدينة الذكية مناخياً، التي تتضمّن تعزيز النقل النشط والتحوّل إلى المركبات الكهربائية وتخضير الشوارع.

من منظورٍ تنمويّ، تلعب أنماط التنقّل الحضري ومنظوماتُه دوراً مفصلياً في التخطيط وتصميم السياسات. ففي عالمٍ تختلف فيه الفرص، لا بدّ من منهجياتٍ مرنةٍ وطرق تفكيرٍ جديدةٍ لتحقيق الاستدامة الحقيقية.

لا يمكن تحقيق هذا الهدف دون تغيير شكل النقل، حيث أنه ينفرد بـ27% من انبعاثات الغازات الدفيئة. واقع أكّدته تجربة العام 2020، حيث أفادت وكالة الطاقة الدولية بانخفاضٍ فاقَ 10% في المعدّلات العالمية لثاني أكسيد الكربون كنتيجةٍ لإجراءات الإغلاق التي صاحبت جائحة كوفيد-19. وكان يمكن لهذه النسبة أن تكون أكبر لولا سيارات التوصيل التي كثّفت عملها خلال الجائحة بسبب الاعتماد المفرِط على التجارة عبر المناص الإلكترونية، خاصةً وأنّ مراكز التوزيع الرئيسية غالباً ما تقع على تخوم المدن. وبعد مضيّ أكثر من عامين، ها هي الأسواق العالمية تنتعش مجدداً. وفي المدن الكبرى، لا بدّ من إيجاد طرائقَ جديدةٍ لبناء منظومة نقلٍ نظيفة ومستدامة.

في العاصمة النمساوية، فيينا، التي تحتل مكانةً شبه دائمةٍ بين أصلح مدن العالم للعيش، تبنّى مجلس المدينة مطلعَ العام الجاري خطةً أسماها “استراتيجية المدينة الذكية مناخياً”، والتي ستعمل على تأمين مستويات عالية لجودة الحياة لكلّ سكان فيينا عبر الابتكار الاجتماعيّ والتقنيّ في المجالات كافةً، والتأكيد على أهمية الحفاظ على الموارد إلى أقصى درجة. يعني هذا عدمَ الاكتفاء بالحدّ من انبعاثات الغازات الدفيئة، بل ومقاربة القضايا الاجتماعية بشكل يضمن الوصولَ العادل للحياد المناخيّ.

ولأنّ النقل جزءٌ مهم من هذا الهدف، فقد ركّزت الاستراتيجية عليه، واختارت النقلَ الذكيّ الذي أسّس ثورة في نمط الحياة الحَضَري، حيث قررت السلطات استمرار الاعتماد على المواصلات العامة، والعمل على زيادتِه وإحداث تغييرٍ سلوكيٍّ لدى الناس يجعلهم أكثر مراعاةً للبيئة في أنماط تحرّكهم. وقد استطاعت فيينا جعلَ كلفة النقل العام 1 يورو يومياً، لتقدّم خياراً ميسوراً لسكانها. كما أطلقت نظام مشاركة الدراجات الهوائية قبل 15 عاماً، حتى أصبح سكّان العاصمة يقطعون ثلث رحلاتهم سيراً على الأقدام أو على الدراجة.

لهذا، أعلنت السلطات عزمَها مدّ أول طريق سريع للدراجات، حيث سيعمل المهندِسون خلال العامين المقبلين على إنشاء طريقٍ بطول 7 كيلومتراتٍ وعرض 4 أمتار محاطٍ بالمساحات الخضراء ولافتاتٍ تحمل شعار “بعيداً عن الأسفلت” وهي حملة لتشجيع الناس على استخدام وسائل التنقل النَّشط والصديقة للبيئة.

تتكامل هذه الجهود مع التقليل التدريجيّ لاستخدام الوقود الأحفوريّ وتوسيع خيارات التنقّل المشترك عبر منصة “فين موبيل” الإلكترونية التي تتيح مشاركة السيارات والرحلات التي يمكن الانضمام إليها، وخدمات النقل عند الطلب، والعثور على الدراجات المزودة بنظام تحديد المواقع العالميّ وإعادتِها إلى مواقفها. وتأتي بعض هذه الدراجات مرفقةً بمقاعد للأطفال الرضّع.

تحاول هيئة النقل في المدينة ترويج النقل النَّشط في المناطق ذات الطابع التاريخيّ والجماليّ، وأطلقت 18 نسخةً مما أسمته “الشوارع المميزة” بمساحات خضراء وإشارات مرور ذكية تتوقع حركة المشاة فتغيّر أضواءَها لاختصار وقت الانتظار، حتى أنّها أخلَتْها من السيارات لشهرٍ كامل لتقديم تجربةٍ مختلفةٍ عن حياة المدينة المزدحمة.

بالمثل، أطلق مجلس المدينة مبادرةً لتقليل الاعتماد على شاحنات التوصيل عبر الاستفادة من مواقف الحافلات والترام خلال النهار واستخدامها كمراكز مؤقتة لتوزيع البضائع والبريد.

بالتزامن مع هذا، يعمل مجلس المدينة لوضع رؤية جديدة لشوارعها لتكون أكثر اخضراراً وأماناً، بحرارةٍ معتدلةٍ ومساحاتٍ مظلّلة تسمح بالتنقّل النشط، وتصميمٍ حساسٍ جنسانياً يستضيف شبكةً سريعة وفعّالة من وسائل النقل العام والمركبات البلدية كشاحنات القمامة وكاسحات الطرق وسيارات الطوارئ، إذ تشكّل كلُّها أسطولاً من 3 آلاف مركبة، ستحلّ محلّها أخرى كهربائية اعتباراً من العام 2025، حيث دخلت أول مجموعةٍ من شاحنات القمامة الذكية الخدمة، وهي عديمة الانبعاثات ومنخفضة الضوضاء.

بيدَ أنّ سوق المركبات الحديثة الصديقة للبيئة لا يقدّم بدائلَ لكلّ الاحتياجات، فلا نجد مركباتٍ كهربائيةً تقوم بجرف الثلوج أو إذابة الجليد أو غيرها من الخدمات الشتوية، ولن تكتمل تلك المشاريع الطموحة قبل توفّر هذه الخيارات. ناهيك عن تحدٍّ آخرَ يواجهها، فكلفة شاحنات النفايات الكهربائية تبلغ ضعفَ تلك التي تعمل بمحرّكات الاحتراق الداخليّ، أي بالوقود الاحفوري. بالتالي، فإنّ استبدالَ عدّة آلافٍ من المركبات سيستغرق وقتاً طويلاً، لكنّ وفورات الطاقة والوقت التي سيحقّقها ستعيدُ التوازن الاستثماريّ، وهذا هو الهدف البعيد الذي يعوِّل عليه مجلس المدينة.

ومن الجدير بالذكر أنّ بعض الظروف الاستثنائية تعوق تنفيذَ حلول أخرى عديدة، كما فعلت جائحة كوفيد-19 بتقييدها لوسائل النقل العام والمشترك التزاماً بإجراءات التباعد الاجتماعيّ، وكما قد يفعل أيّ وباءٍ مستقبليّ. بعبارةٍ أخرى، ينبغي وضع خططٍ بديلةٍ استعداداً للاحتمالات الأسوأ.

كما ينبغي لمخطّطات التنقّل النَّشط أن تراعي الفئات الأضعف كأصحاب الهمم وكبار السن، إضافةً إلى المخاطر الصحية المرتبطة بالأنشطة الخارجية، لا سيما خلال الصيف ومع ارتفاع درجات الحرارة. تحدّياتٌ تواجهها المدينة بالتخضير وتركيب رشاشات المياه للتبريد وإيجاد آليات تمويلٍ مصممةٍ وفقاً لطقس فيينا، إضافة إلى تطبيق “كولس فين” الذي يستعرض درجات الحرارة على خريطة رقمية ويوجّه المواطنين إلى المناطق الأنسب ويزوّدهم بتوقعات الطقس.

عبر نشر مراكز توزيع مؤقتة داخل المدن، يمكن لعمال التوصيل المحليين إنجاز عمليات التسليم بسهولة عبر المركبات الكهربائية أو الدراجات ما سيخفف من الانبعاثات إلى حدٍّ كبير، كما سيسمح التخضير لمساحات كبيرة من التربة بالتنفّس، ويحدّ من ظاهرة “تأثير الجزر الحراريّة” التي تنتج عن حبس الإسمنت للحرارة نهاراً ومن ثم إطلاقها ليلاً.

على طريق الدراجات السريع، سيحظى المشاة والدرّاجون بتجربة آمنة ستزيد الإقبال على أنماط النقل المستقبلية والمستدامة.

المراجع:

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

الاستدامة

روتردام تستخدم التكنولوجيا الذكية لإنقاذ المدينة من الغرق

لتحويل موقعها الجغرافيّ المحاذي للبحر إلى نقطة قوة، رسّخت مدينة روتردام الهولندية مكانتها كمختبرٍ للإدارة الذكية للمياه، حيث تدمج التكنولوجيا والتصميم الأخضر لتخضير أسطح بيوتها وتحويلها إلى حدائق في مواجهة مخاطر الفيضانات.

حلول التبريد

لندن تبتكر حلاً لخفض درجات الحرارة في شبكة قطارات الأنفاق

في أحد أكبر شبكات في العالم، تعمل حكومة المملكة المتحدة على مقاربة مشكلة متجذِّرة، وهي ارتفاع درجات الحرارة ضمن الأنفاق، إلى أن توصّلت مؤخراً إلى حلٍّ مبتكرٍ يضخّ الهواء البارد بأذكى استغلالٍ للمساحة وأقلّ قدرٍ من متطلباتٍ الصيانة، بينما تسعى لتأمين التمويل اللازم لنشره على مستوى وطنيّ.

إدارة الكوارث

بنغلادش تطلق منصة رقمية لتعزيز منظومة إدارة الكوارث

بهدف مواجهة تبعات الكوارث الطبيعية في واحدةٍ من أكثر بقاع العالم تعرَّضاً لها، تعمل حكومة بنغلادش على بناء المرونة عبر منصةٍ رقميةٍ توفّر البيانات المتعلّقة بالظواهر المناخية وتقيِّم المخاطر وتوجّه المعنيّين إلى الإجراءات اللازمة.