فرنسا تطلق رادارات لضبط مخالفات التلوث السمعي

بغرض ضبط حركة المرور، تستخدم الحكومة ما يعرف بالرادارات الصوتية، إلا أنّها محدودة الفائدة لكون استخدامها محصور بفحص المركبات بعد توقيفها عند المخالفة. ولتحسين كفاءة العملية، أطلقت الحكومة تجربةً لاستخدام راداراتٍ صوتيةٍ جديدة ذات كفاءة أعلى تستطيع رصد المخالفات الصوتية الصادرة عن المركبات المتحركة.
An airplane flies past a newly installed "noise radar", a measuring device that can precisely measure and locate sounds from a moving vehicles as well as register their licence plates at Villeneuve-le-Roi, a town next to Paris airport Orly, France, August 30, 2019. REUTERS/Charles Platiau

شارك هذا المحتوى

في ظلِّ الآثار المَهولة التي يخلِّفها التلوث السمعيّ على الحياة العامة، أطلقت الحكومة الفرنسية مشروعاً لإطلاق رادارات حديثة تعمل على رصد التلوث السمعي الناتج عن المركبات التي تسير بسرعةٍ مفرطة ومخالفة سائقيها، ضمن تجربةٍ ستتم في عدة مجتمعاتٍ محلية تمهيداً لنشرِها على سائر الأراضي الفرنسية.

غالباً ما يكون الهدوء في المدن المزدحمة رفاهيةً يصعب الحصول عليها وقد ارتبطَت أنماط الحياة الحديثة بالتلوُّث السمعيِّ أو الضوضائيّ، لا سيما في المدن الكبرى، حيثُ يفرض حجم النسيج الحَضَريّ قدراً هائلاً من الضجيج، معظمُه ناتج عن أنشطةٍ بشريةٍ كحركة المرور.

وفي العاصمة الفرنسية باريس، التي تتصدر قائمة المدن الأوروبية الأكثر تلوثاً سمعياً، تظهر الاستطلاعاتُ أنّ الضجيج مصدرُ إزعاجٍ دائمٍ لمعظم السكان، الذين يرون فيه مشكلةً محليةً تؤثر سلباً على جودة الحياة قبل أن تكون سبباً للمخاوف الصحية. لكنَّ هذا لا ينفي أضرارَه الصحية الجسيمة، إذ تمتدُّ آثارُه وفقاً لمنظمة الصحة العالمية من الانزعاج وطنين الأذن إلى اضطرابات النوم ونقص تروية القلب وحتى الضعف الإدراكيّ لدى الأطفال.

وكانت منظمة “بروت باريف” (Bruitparif) قد أوضحت أنّ التلوث السمعي يتسبَّب بخفضِ متوسط عمر الفرد بما يُقدَّر بـ 11 شهراً. وهذا يعني إحصائياً أنّ 66 ألفَ عامٍ من الحياة الصحية تُسلَب من سكّان العاصمة الفرنسية، ومليوناً أخرى من مواطني أوروبا الغربية، ضمنِ معدَّلٍ سنويٍّ مصدرُه ضوضاء البنية التحتية للنقل، ناهيك عن أعبائه المالية الكبيرة على الحكومات والمجتمعات، إذ تقدِّر وزارة التحوُّل البيئي الفرنسية أن المجتمع الفرنسيَّ يهدر قرابة 147 مليار يورو سنوياً بسبب التلوث السمعي.

وبغرض ضبط حركة المرور، تستخدم الحكومة ما يعرف بالرادارات الصوتية، إلا أنّها محدودة الفائدة لكون استخدامها محصور بفحص المركبات بعد توقيفها عند المخالفة. ولتحسين كفاءة العملية، أطلقت الحكومة تجربةً لاستخدام راداراتٍ صوتيةٍ جديدة ذات كفاءة أعلى تستطيع رصد المخالفات الصوتية الصادرة عن المركبات المتحركة. 

إنَّ الرادار الصوتيَّ ليس راداراً بالمعنى التقني، بل جهازَ مراقبةٍ أوتوماتيكياً ثابتاً أو متحرِّكاً، يتكون من كاميرا بزاوية 360 درجةٍ مصحوبةً بـ 4 ميكروفونات موزَّعةٍ بدقة لرصدِ الأصوات وتتبُّع درجاتِها واتجاهاتِها، وهي تستطيعُ تمييز المركبات التي تصدر أصواتاً مرتفعة وتقيس مستويات الديسيبل (وحدة قياس الضجيج) كلَّ عُشرٍ من الثانية، لتلتقط السائقين الذين يقودون مركباتٍ تم التلاعب بمحركاتها لتضخيم صوتها، أو الذين يقودون بسرعةٍ مفرطة. بعدئذٍ، تلتقط الكاميرا صورةً للوحة السيارة ومن ثم تحديد المخالفة المناسبة.

من المخطط أن تستمر التجربة لعامَين، وأن تنقسمَ إلى مرحلتَين وانطلقت المرحلة الأولى مطلعَ العام الجاري، وستنطوي على اختباراتٍ ستُجرى على الطرق ضمن ظروفٍ حقيقية، وعلى مستوى ضوضاءٍ يصل إلى 90 ديسيبل، حيث نُشِرَت الأجهزة الأولى على طريقٍ يتردد عليه سائقو الدراجات غربيَّ باريس. 

لن يتم خلالَ هذه المرحلة تحرير المخالفات، فالتجربة تهدف في المقام الأول إلى رصد مواضع الخلل في المنظومة وإصلاحِها. لذلك، ستكتفي السلطات بمراقبة السائقين وإعلامهم بالإجراءات الجديدة عبر حملةٍ خاصةٍ وشاخصاتٍ مرورية، مع استثناءاتٍ لبعض أنواع المركبات. وفي نهاية هذه المرحلة، سيتمكن الفريق التنفيذيُّ من تحديد الأسباب الرئيسية للضجيج في العاصمة استعداداً للمرحلة الثانية التي ستبدأ بمجرد تركيب كاميرات مراقبة السرعة، حيث سيواجه السائقون المخالِفون غراماتٍ قد تصل إلى 135 يورو.

تنطلق التجربة في 7 أقاليم اختيرَت من بين الوحدات الإدارية التي تطوَّعت للمشاركة. وقد راعت السلطات تنويع البيئات والمجتمعات المحلية التي ستشملها التجربة، فتضمنَّت مناطق حَضَريةً وهي “باريس” و”نيس” و”تولوز”، وأخرى شبه حَضَريةٍ مثل بلديات “برون” و”فيلنوف لو روي” و”رويل مالميزون”، وثالثةً ريفيةً خالصة، وهي بلدية “أوت فاليه دو شوفروز”. بيدَ أنّ الرادارات لن تغطي منطقةً بالكامل، بل ستنتشر في بعض المواقع المُحددة على الخريطة.

وللحدِّ من عدد السيارات ومواجهة تلوُّثِها السمعيِّ والبيئيّ على حدٍّ سواء في العاصمة، خفّضت سلطات باريس الحدّ الأقصى للسرعة المسموح بها إلى 30 كيلومتراً في الساعة، وبدأت تطبيقَ هذا القرار في حوالي 60% من شوارعِها بعد استثناء الطرق الدائرية الرئيسية والطرق السريعة. 

وقد برزت تساؤلاتٌ حول سبب اختيار طريقٍ يستخدمه الدرّاجون للتجربة الأولى، واحتجّ البعض على تركُّز التجربة الموسَّعة في الطرق الشائعة للدراجات النارية، فبيّن المسؤولون أنّ ذلك ليس مُتعمَّداً، وأنّ التجربة لا تستهدف أي فئة، بل تسعى لاتخاذ إجراءاتٍ صارمةٍ ضدَّ المركبات التي تصدر الضوضاء أياً كان نوعُها.

في السياق نفسِه، لم ينجُ تقييدُ الحدود القصوى للسرعة من الانتقادات، فكان ردُّ الحكومة بأن لجأت إلى إشراك المجتمعات المحلية في تحديد اتجاهات التجربة، حيث أجرت استطلاعاً أظهرَ أنّ 59% من سكان العاصمة يؤيدون القرارات الجديدة، وبيَّنت أنّ خطوتَها هذه تأتي تماشياً مع نداء منظمة الصحة العالمية الداعي لفرضِ قيودٍ صارمةٍ على السرعات في المدن.

أما تشغيلياً، فلقد شكَّك البعض في قدرة الجهاز على التعامل مع ظروفٍ معقَّدةٍ مثل تحديدِ المركبة المخالفة أثناء مرور العديد منها من نقطةٍ واحدةٍ في الوقت نفسِه، أو عزلِ الظروف الفيزيائية المؤثرة على شدة الصوت مثل القرب من الأسطح العاكسة الصلبة، فهي تتسبب بتردد صدى الأصوات على الجدران أو الأنفاق أو الشاحنات الكبيرة المارّة بالقرب منها. هذه الأسئلةُ وغيرُها تشير إلى أنّ هامش الخطأ قد يكون كبيراً، وأنّ النظام قد يحرِّر مخالفاتٍ جائرةً بحقِّ السائقين.

وتأمل الحكومة الفرنسية أنّ هذه الخطوة ستسهِّل رصدَ السلوكيات التي تزيد التلوث السمعي، وأنَّ تقييد الحدود القصوى المسموح بها للسرعة سيساهم في زيادةِ السلامة المرورية، وتوسيعِ المساحة المخصصة للدرّاجين، والحدِّ من الضوضاء وتبعاته الصحية والمساعدةِ في مواجهة تغيُّر المناخ.

ويبقى هدفُ التجربة تقييمَ كلِّ هذه الآثار والتحديات لاتخاذ القرار بشأن سنِّ التشريعات اللازمة لنشر الابتكار على امتداد البلاد.

المراجع:

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

إنترنت الأشياء

سيؤول تنشر خدمات المدينة الذكية لتعزيز السلامة والرفاهية

في المنافسة الآسيوية، سبق لعاصمة كوريا الجنوبية أن احتضنت مبادراتٍ ذكية كما خلال جائحة كوفيد-19، حيث أعدّت السلطات، في محاولة منها للحفاظ على استمرار الخدمات مع إبقاء الاتصال البشريّ في حدوده الدنيا، أجهزةً ذكيةً تنجز مهام عديدةً آلياً ومن دون تلامس. بالنسبة لكبار السن، كانت هذه النقلة مفاجئةً، فواجهوا معوِّقاتٍ كثيرةً عند محاولة استخدام الأكشاك والأجهزة الرقمية، أشياء من قبيل حجم الخط في التطبيقات، أو إرشادات الاستخدام المُبهمة، أو صعوبة مواكبة هذه التطورات الرقمية المَهولة.

إندونيسيا

كيف تعمل إندونيسيا على تحسين الوضع الاقتصادي للمجتمعات الريفية

في إندونيسيا، لا يمكن للجميع الوصولُ إلى الإنترنت، فالدولة تفتقر للبنى التحتية وتعاني محدودية الخيارات السلكية واللاسلكية. وقد أشارت إحصائيات العام 2019 إلى وجود أكثر من 12 ألف قريةٍ تفتقر لإنترنت الجيل الرابع، و94 مليون راشدٍ إندونيسيّ عاجز عن استخدام الإنترنت، كما أنّ عدداً أكبرَ من السكان يفتقرون لخدمة الإنترنت الثابت عريض النطاق، فيما يعاني 60 إلى 70% من سكان شرق البلاد من تقلُّبات جودة الخدمة. والمؤشر الأهم هو أنّ 80% من هؤلاء يعيشون في الأرياف التي لا يمكن الوصول إليها عبر المترو، وتعتمد معظمُها على الأقمار الصناعية محدودة القدرة على معالجة البيانات.

الهند تستخدم الذكاء الاصطناعيّ لتعزيز سلامة الطُرُقات

وضعت الحكومة الهندية هدفَ تخفيض عدد الوفيات إلى النصف بحلول العام 2030، واستهلّت هذا المسعى بإطلاق مشروع باسم “الحلول الذكية للسلامة الطرقية عبر التكنولوجيا والهندسة”، والذي جاء حصيلة تعاون عدة شركاء، كمبادرة الذكاء الاصطناعيّ الهندية، والمعهد العالي لتكنولوجيا المعلومات بحيدر أباد، والمعهد المركزي لبحوث الطرق التابع لمجلس الأبحاث العلمية والصناعية، وشركاء من القطاع الخاص، والهيئة البلدية بمدينة “ناجبور”.