“سيج بارك”: مدينة تشاركية نموذجية في السويد

هل يمكن للجيران أن يتقبّلوا فكرة التشارك في مطابخهم، وسياراتهم، وغرف استقبالهم، وغيرها من السلع والخدمات كما يتشاركون في مرآب وقوف السيارات، أو حوض السباحة، أو صالة التمارين الرياضية في بناياتهم؟

شارك هذا المحتوى

هل يمكن للجيران أن يتقبّلوا فكرة التشارك في مطابخهم، وسياراتهم، وغرف استقبالهم، وغيرها من السلع والخدمات كما يتشاركون في مرآب وقوف السيارات، أو حوض السباحة، أو صالة التمارين الرياضية في بناياتهم؟ هذا ما تراهن عليه السويد التي تتبنّى برنامجاً رائداً يحمل اسم “المدن التشاركية السويدية”، ويسعى إلى اختبار تطبيق الاقتصاد التشاركي في المدن بشكل مدروس وشفاف بهدف تحقيق عدة أهداف تنموية.

تعدّ حديقة “سيج بارك” (Sege Park) في مدينة مالمو السويدية، نموذجاً جديداً للتنمية الحضرية المستدامة والبيئية، بعد أن اختيرت لتستضيف واحدة من منصات اختبار برنامج “المدن التشاركية”، إلى جانب العاصمة ستوكهولم، وغوتنبرغ، وأوميو. وقد اختيرت مالمو، عاصمة محافظة سكانيا السويدية الواقعة في أقصى جنوب السويد على بحر البلطيق، لتستضيف واحدةً من المنصات الأربع المعدّة لاختبار تنفيذ هذا البرنامج.

تعتبر مدينة مالمو ثالث أكبر مدن السويد من حيث عدد السكان، إذ يزيد عدد سكانها عن 340 ألف نسمة، منهم أكثر من 135 ألف نسمة من أصول أجنبية، وحوالي 100 ألف نسمة ممّن ولدوا خارج السويد، وهي معطيات تضفي على التجربة التشاركية في هذه المدينة طابعاً خاصاً، بحيث تقع قضايا الاندماج على رأس جدول أعمال المدينة، إلى جانب قضايا الاستدامة، والاقتصاد التشاركي، والزراعة الحضرية.

كانت “سيج بارك” في الماضي حديقة لمستشفى قديم، ومستقبلاً تستعد لضم حي سكني حديث يشتمل على ما بين 800 و1000 منزل تحت برنامج “المدن التشاركية السويدية”، ومن المخطط أن توفر الحدائق والمباني القائمة ظروفاً مواتية لبيئة معيشية جيدة، وأن تعتمد “سيج بارك” على إنتاج الطاقة المتجددة لتكون خالية من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، كأول مشروع تشهده مالمو يتم اعتماده لدى النظام الدولي لتقييم الاستدامة CEEQUAL.

ولهذا الغرض، تتعاون بلدية مالمو مع المطورين العقاريين وشركات البناء والجهات المعنية الأخرى التي تستثمر في المنطقة، لتطوير أشكال جديدة من نماذج الإسكان والأعمال. ويتمثل الجانب المبتكر في منصة اختبار مالمو في التخطيط المسبق لدمج الاقتصاد التشاركي كجزء أساسي في هيكل العقارات. وعملياً يعني هذا أن تصاميم مساكن “سيج بارك” وبنيتها التحتية تأخذ في الاعتبار فلسفة الاقتصاد التشاركي سلفاً كجزء من عمليتي التخطيط والتطوير. ويتضمن هذا مثلاً أن تنتقل وظائف معيشية معينة إلى خارج المنازل الخاصة، كغرف غسيل الملابس وورش العمل ومناطق التجمّع، وجعلها عامة أو شبه عامة ليتم مشاركتها بين السكان. ويعمل مخططو المدينة من بلدية مالمو مع المطورين العقاريين وشركات البناء المحلية على دراسة الخيارات المتاحة، بعد أن أصبحت منصة الاختبار منبراً يتناقش فيه المعنيون بالمشروع ويتفاوضون بشفافية مع بعضهم البعض حول كيفية إنشاء منطقة تشاركية ومستدامة.

وإضافةً إلى الطابع التشاركي لهذه التجربة، ستكون “سيج بارك” بمثابة منصة تجريبية لحلول الإسكان الذكية والصديقة للبيئة في المستقبل، إذ أنّ الاستدامة والاقتصاد التشاركي وزراعة الفاكهة والخضروات محلياً هي بعض نقاط التركيز الرئيسية للمشروع. وعملياً سيتم الحفاظ على المساحات الخضراء، وستتاح الفرصة لكل من يريد من السكان، أن يزرع الفواكه والخضروات بنفسه. كما سيكون من السهل في هذه البيئة فصل النفايات لإعادة استخدامها وإعادة تدويرها. وسيتم تزويد المنطقة بالطاقة من مصادر متجددة ونظيفة كألواح الطاقة الشمسية. وسيتم جمع مياه الأمطار وإعادة استخدامها.

للاقتصاد التشاركي فوائد أخرى كذلك. وأحد الأمثلة على ذلك هو قدرته على جعل المعيشة ميسورة التكلفة على السكان. فبمقدور الأسر أن تعيش في مساحات أصغر بشكل مريح، بينما تتشارك بعض المعدات والوظائف خارج المنازل مثل السيارات والدراجات الهوائية والألعاب والكتب والأدوات الكهربائية وغيرها. ستُترجم هذه الخطة عملياً ضمن المشروع في تحويل العديد من المباني إلى منازل تكفي عدّة عائلات على شكل عقارات للإيجار. كما ستوجد مساحة مخصصة للشركات والخدمات الحكومية والتواصل الاجتماعي والأنشطة الخارجية والزراعة الحضرية، وكل ذلك بهدف إنشاء مدينة داخل مدينة وبمميزات مستحدثة في متناول يد جميع السكان.

ولكن يطرح هذا الابتكار المدني تحديات جديدة. فمثلاً، ثمة نقطة لم تحسمها مدينة مالمو بعد، تتعلق بعملية حوكمة حلول التشارك المبتكرة هذه. فآلية العمل ليست واضحة المعالم حتى الآن، كونها استندت إلى ثلاثة عوامل رئيسية: الإدارة الذاتية، والعمل التعاوني، وجهود المتطوعين، في حين ليس من الواضح تماماً ما هو النهج الذي ستعتمده بلدية مالمو في هذه التجربة في نهاية المطاف. لكن تبقى هذه التجربة المبتكرة نموذجاً واعداً في تطبيقات الاقتصاد التشاركي والتنمية المستدامة.

المراجع:

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

إدارة النفايات

الحكومات تسعى لحلول مبتكرة لإدارة النفايات الإلكترونية

ترى سنغافورة أن النفايات الإلكترونية تشكل خطراً على الصحة العامة بالدرجة الأولى، خاصة عند النظر في مساحة أراضيها الصغيرة التي لا تقبل المزيد من المكبات. وهي تنتج كمية كبيرة من النفايات الإلكترونية يبلغ حجمها قرابة 60 ألف طن متري في العام– أو ما يعادل استهلاك 70 هاتفاً خلوياً في العام لكل شخص في الدولة. لذا قررت سنغافورة التحول إلى الاقتصاد الدائري مع تطبيق نظام “المسؤولية الموسعة للمنتجين” (EPR) بالتعاون مع الفاعلين في صناعة الإلكترونيات من منتجين وبائعي تجزئة ومشغلي مرافق إعادة التدوير، ممّن يعملون على إنشاء مثل هذا النظام بما يتناسب مع احتياجات سنغافورة، ما يعني أن يتشارك هؤلاء الفاعلين في تحمل المسؤولية، وضمان إعادة تدوير النفايات الإلكترونية بطريقة مستدامة وصديقة للبيئة. 

البصمة الكربونية

استخدام أحدث تقنيات التخضير في أبنية الحكومة الفيدرالية الأمريكية

صوبَ هذه الغاية، أطلقت الإدارة برنامج “مساحة الاختبار الخضراء” وهو يمثِّل بيئةَ اختبارٍ لإثبات جدوى تقنيةٍ أو منتجٍ أو عمليةٍ ما لجعل الأبنية الفيدرالية أكثر اخضراراً، انطلاقاً من مبدأ أنّ نجاح هذه التجارب في المباني الفيدرالية يعني أنّها مؤهلة للنجاح في أي مكان مشابه.

وقع اختيار الفريق على 6 تقنياتٍ أمريكية الصنع لتجربتها في مجموعة من الأبنية، وذلك بهدف التحقق من خصائصها التقنية والتشغيلية وإمكانية نشرِها في المستقبل، وستُجرى التجارب ضمن معطياتٍ تحاكي ظروف العالم الحقيقي لتأكيد قدرة هذه التقنيات على الحدّ من التأثير البيئي لهذه المباني.

إدارة الكوارث

كوريا تتبنى حلولاً ذكية لتحسين خدمات الطوارئ

بدايةً، شرعَ فريق الحرائق والكوارث بتطوير منصة رقمية تجمع التقنيات المتقدِّمة كالبيانات الضخمة والذكاء الاصطناعيّ من جهة، مع أرشيف عمليات الطوارئ التي أُنجزت عبر سنوات من جهة أخرى، بما في ذلك المكالمات المسجّلة وجهود الإنقاذ وإعادة تأهيل المواقع المتضررة والمعلومات الميدانية وبيانات الوكالات ذات الصلة. سيمثِّل هذا الأرشيف بنيةً تحتيةً تكنولوجية للمنصة التي ستبصر النور في العام 2026، وستلتقي فيها أنظمة الاستجابة الميدانية المتنوِّعة، كما ستتصلُ بها شاشاتٌ مثبَّتة ضمن مركبات الطوارئ لتزويد الفريق بالمعلومات المباشرة أثناء توجُّهه إلى موقع الحالة الطارئة.