سنغافورة تستعين بالذكاء الاصطناعي لتحسين خدمات الطوارئ

لأن الوقت عاملٌ حاسم في تقديم النجدة، تعمل عدة جهات وجامعات سنغافورية على توظيف الذكاء الاصطناعيّ في تسجيل مكالمات الطوارئ وتحليل محتواها لتسريع الاستجابة وزيادة كفاءة خدمات الطوارئ.

شارك هذا المحتوى

لأن الوقت عاملٌ حاسم في تقديم النجدة، تعمل عدة جهات وجامعات سنغافورية على توظيف الذكاء الاصطناعيّ في تسجيل مكالمات الطوارئ وتحليل محتواها لتسريع الاستجابة وزيادة كفاءة خدمات الطوارئ.

تتلقى فِرَق الاستجابة في سنغافورة قرابة 200 ألف مكالمةٍ سنوياً، وفي كلِّ مكالمةٍ منها، يمكن لثانية واحدة أن تحدِّد مصير إنسانٍ يحتاج المساعدة. تفاصيل كثيرةٌ تدخل في رسم هذا المشهد، منها مدى جاهزية طواقم الاستجابة وامتلاكهم للمعدّات اللازمة وسرعةِ عملهم. لكنّ كلّ ذلك يتوقف أولاً على دقة المعلومات التي يتلقّونها من المتصلين كإجابات على أسئلتهم، والتي تحدد مسارَ عملية التدخل بالكامل.

لا بدّ، في مجتمعٍ متعدِّد الأعراق، من أخذ اختلافات السكان وتنوُّعِهم في الحسبان عند تصميم الخدمات الحديثة، وذلك لتقديم تجارب مرتبطةٍ بحياة الناس وقادرة على تحقيق تكافؤ الفرص بين المستخدمين. فالسنغافوريون يتحدّثون عدة لغاتٍ ولهجات، منها اللغة “الإنجلافورية” وهي الإنجليزية بلكنةٍ سنغافوريةٍ تندمج فيها لغتا الماندرين والماليزية. وتقوم طبيعة هذه اللغة على التبديل بين العبارات الفريدة للغات التي تكوِّنها. واقع الأمر أنّ برامج التعرف على الكلام وبرامج الاستجابة الأوتوماتيكية تعجز عن فهم الكثير من هذه اللغات.

أسست السلطات برنامج الذكاء الاصطناعي السنغافوريّ لتأهيل المواهب المحلية وقيادة الابتكارات في مجال الذكاء الاصطناعيّ بهدف خدمة المصلحة العامة. وقد تعاونت هيئة قوات الدفاع المدني السنغافورية وهيئات حكومية أخرى من ضمنها جامعتان، لتوظيف التكنولوجيا الحديثة في تحسين خدمات الطوارئ. فطوّرت برنامجاً جديداً يستطيع التعرف على اللغات المحكية التي يتداولها العامّة.

يقوم البرنامج، إلى جانب تسجيل كلّ مكالمةٍ يتلقّاها المستجيبون في الزمن الحقيقي، بالتفريغ النَصّي لهذه المكالمات، فيستخرج المعلومات الأهم مثل موقع الإصابة وسببِها ودرجة خطورتِها. وما يميِّز هذا البرنامج هو إمكانية التعامل مع مختلف اللغات واللهجات، بخلاف النُسَخ السابقة التي تستطيع تحليل الكلام بالإنجليزية القياسية فقط، كما أنّ دقّته في التفريغ النَصّي لمكالمات الطوارئ قاربت الـ90%.

لتصميم البرنامج، جمع الباحثون أكثر من ألف ساعةٍ من نماذج المكالمات المسجَّلة من سنغافورة وبينانغ (حيث تتشارك لغاتٌ مختلفةٌ تشكيلَ اللهجة المحكية)، إلى جانب تسجيلاتٍ لسنغافوريين يتحدّثون لهجاتهم المحكية عبر الإذاعات وموقع “يوتيوب” وتطبيق “ساوند كلاود”. في المرحلة التالية، عملت فرقٌ متخصصة على تفريغ هذه التسجيلات يدوياً. وأخيراً، تم إدخال النسختَين إلى النظام ليستخدمَ تقنية التعلُّم العميق في بناء ارتباطٍ بين الكلام المنطوق والنص المكتوب. بالمحصّلة، استطاع النظام تعلُّمَ ما يقارب 40 ألف كلمةٍ إنجليزيةٍ ومثلها بلغة الماندرين.

وقد خصص برنامج الذكاء الاصطناعيّ التابع لمؤسسة الأبحاث الوطنية تمويلاً بقيمة 1.25 مليون دولار لإنشاء مختبرٍ متخصِّصٍ في تحليل الكلام المنطوق، بقيادة باحثين من جامعة سنغافورة الوطنية وجامعة نانيانغ التكنولوجية. في المختبر، تم استخدام تقنية التعلُّم العميق التي تنتج خوارزمياتٍ تحاكي المسارات العصبية للدماغ البشريّ لمساعدة الحواسيب على أداء مهام جديدة وتحليل البيانات.

وعلى نطاق أوسع، يمكن لهيئة قوات الدفاع المدنيّ إجراء تحليلاتٍ للنصوص والبيانات التي يجمعُها البرنامج، وذلك لتحديد أوقات ذروة الاحتياج لخدمات الطوارئ وأماكنها. على سبيل المثال، اعتمدت الهيئة على المعطيات الدقيقة التي حصلت عليها من عمليات الاستجابة السابقة لاختيار مواقع لتوزيع سيارات إسعافٍ ثابتةٍ مع طواقم متأهِّبة للمساعدة في النقاط الحيوية خلال فترتَي الذروة الصباحية والمسائية.

ومن خلال هذا الابتكار انضمت سنغافورة إلى ركب الدول الساعية لإدماج الذكاء الاصطناعي في عمليات الاستجابة للطوارئ. ففي تجربة مشابهة، يستخدِم المستجيبون في كوبنهاغن برنامجاً يحدِّد أعراض السكتة القلبية عبر الهاتف برصد أنماط التواصل اللفظية وغير اللفظية كنبرة الصوت ووتيرة التنفس. وهذا تقدُّم مهم، فكلّ دقيقة تأخيرٍ في إسعاف المصاب تقلل فرصة نجاته بنسبة 7 إلى 10%. أما في السويد، فيجري اختبار نظامٍ آخر لتسريع عمليات الإنقاذ البحريّة والجويّة.

علاوة على ذلك، تستخدم الحكومة السنغافورية الذكاء الاصطناعيّ في مجالات التوظيف وكشف محاولات الاحتيال لنيل الدعم، وتسعى حالياً لمشاركة القطاعات المختلفة في بناء القدرات في ميدان الذكاء الاصطناعيّ. ولتكون الخدمات متنوِّعةً بقدر تنوُّع السكان، يستخدم مكتب الدولة الذكية والحكومة الرقمية مجموعة معايير تفصِّل المبادئ الرقمية وأساسيات تصميم الخدمات التي تراعي مختلف الفئات ككبار السن، حيث طوَّر لهم الفريق زراً شخصياً للاستخدام في حالات الطوارئ، فهم في السيناريوهات الطبيعية يحاولون تنبيه أفراد الأسرة أو الموجودين على مقربة منهم أولاً. ومن الجدير بالذكر أنّ دولاً عدةً سلكت هذا النهج، مثل نيوزيلندا التي تعمل لتمكين أصحاب الهمم من الوصول إلى المواقع الإلكترونية للمنظمات الحكومية، أو جورجيا التي استعانت بمترجمي لغة الإشارة ومكالمات الفيديو للاستجابة لحالات الطوارئ لدى الصمّ والبكم.

كما يعمل مكتب الدولة الذكية مع هيئة النقل البري للتنبؤ بكيفية تأثير تغيير خطوط سير الحافلات على الركاب باستخدام البيانات المتاحة. إذ تسمح هذه الأداة التحليلية بتخطيط الرحلات بشكلٍ أسرع وأفضل ومنع حدوث الاضطرابات في المواصلات العامة.

ما يزال نظام التفريغ النَصّي غير متاحٍ للاستخدام التجاريّ، لكنّه يتفوّق على الخيارات المتوفرة في الأسواق، حيث تنوي السلطات دراسة آثاره وتحدّياته لتقييم إمكانية استخدامِه على نطاق وطنيّ ضمن الخطة الحكومية لتقديم خدماتٍ رقميةٍ سهلةٍ وقابلةٍ للاستخدام ويمكن الوصول إليها بسهولة.

توفِّر هذه التقنيات الوقت الذي تحتاجه طواقم الاستجابة للتدخل، ما يعني تقديم أداءٍ أفضل وتوظيف الموارد بكفاءة أكبر على المدى الطويل.

المراجع:

https://govinsider.asia/innovation/how-singapore-uses-ai-to-improve-emergency-services-laurence-liew-ai-singapore/

https://www.straitstimes.com/singapore/scdf-turns-to-artificial-intelligence-to-help-emergency-call-dispatchers

https://govinsider.asia/security/singapore-scdf-use-ai-for-singlish-995-calls/

https://www.ship-technology.com/analysis/mayday-mayday-answering-emergency-calls-with-help-from-ai/

https://www.theverge.com/2018/4/25/17278994/ai-cardiac-arrest-corti-emergency-call-response

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

الاستدامة

روتردام تستخدم التكنولوجيا الذكية لإنقاذ المدينة من الغرق

لتحويل موقعها الجغرافيّ المحاذي للبحر إلى نقطة قوة، رسّخت مدينة روتردام الهولندية مكانتها كمختبرٍ للإدارة الذكية للمياه، حيث تدمج التكنولوجيا والتصميم الأخضر لتخضير أسطح بيوتها وتحويلها إلى حدائق في مواجهة مخاطر الفيضانات.

حلول التبريد

لندن تبتكر حلاً لخفض درجات الحرارة في شبكة قطارات الأنفاق

في أحد أكبر شبكات في العالم، تعمل حكومة المملكة المتحدة على مقاربة مشكلة متجذِّرة، وهي ارتفاع درجات الحرارة ضمن الأنفاق، إلى أن توصّلت مؤخراً إلى حلٍّ مبتكرٍ يضخّ الهواء البارد بأذكى استغلالٍ للمساحة وأقلّ قدرٍ من متطلباتٍ الصيانة، بينما تسعى لتأمين التمويل اللازم لنشره على مستوى وطنيّ.

إدارة الكوارث

بنغلادش تطلق منصة رقمية لتعزيز منظومة إدارة الكوارث

بهدف مواجهة تبعات الكوارث الطبيعية في واحدةٍ من أكثر بقاع العالم تعرَّضاً لها، تعمل حكومة بنغلادش على بناء المرونة عبر منصةٍ رقميةٍ توفّر البيانات المتعلّقة بالظواهر المناخية وتقيِّم المخاطر وتوجّه المعنيّين إلى الإجراءات اللازمة.