زراعة العشب البحري لاحتجاز ثاني أكسيد الكربون في إنجلترا

لاستعادة الموائل الطبيعية للعشب البحري التي تمثّل أحد أهم وسائل احتجاز وتخزين الكربون في المملكة المتحدة، يعمل العديد من الشركاء والمتطوعين ضمن مشروع طموح لنقل بذور هذه الأعشاب ورعايتها مخبرياً تمهيداً لزراعتها في قاع البحر.

شارك هذا المحتوى

لاستعادة الموائل الطبيعية للعشب البحري التي تمثّل أحد أهم وسائل احتجاز وتخزين الكربون في المملكة المتحدة، يعمل العديد من الشركاء والمتطوعين ضمن مشروع طموح لنقل بذور هذه الأعشاب ورعايتها مخبرياً تمهيداً لزراعتها في قاع البحر.

تمتدّ الأعشاب البحرية على طول السواحل، حيث تلعب أدواراً بيئية وبيولوجية بالغة الأهمية، فهي مصدر غذائيّ للعديد من الأنواع الحية البحرية، وموطنٌ لأنواع أخرى كسلاحف البحر، كما أنّها تحمي السواحل عبر تهدئة اندفاع الأمواج، وتنقّي مياه البحار والمحيطات من العناصر الملوِّثة التي ينتجها النشاط البشري.

في حين لا تشغل الأعشاب أكثر من 0.2% من قاع البحر، فهي تنفرد بـ10% من قدرة المحيط على التقاط الكربون وتخزينه في التربة على عمقٍ قد يصل إلى 6 أمتار، حيث يمكن أن يبقى مخزّناً لآلاف السنين، ضمن ما يسمى بـ”الكربون الأزرق”، وهي تتميز بسرعتها في تحقيق ذلك، والتي تفوق سرعةَ الغابات المطيرة الاستوائية بـ35 ضعفاً. كما تعمل هذه الأعشاب على ضبط معدّلات حموضة مياه المحيط، وخفضِها بنسبة قد تصل إلى 30%، فتعدِّل بذلك الحمضية الناتجة عن امتصاص المحيط للكربون من الغلاف الجوي، والتي قد تدمّر الأصداف.

وقد تم إدراج النظم البيئية للكربون الأزرق في الاعتبارات الوطنية الإنكليزية للإيفاء بالتزامات اتفاقية باريس للمناخ، لكنّ هذا لا ينفي كونَها واحدة من النظم البيئية الأكثر عرضة للخطر في العالم، بعد أن خسر الكوكب قرابة 29% منها، وما يزال يخسر ما يعادل 1.5% كلّ عام.

ولأنّ استعادة الأعشاب البحرية عمل كثيف ومعقّد، تعوِّل حكومة المملكة المتحدة على الشراكات والمتطوعين لإطلاق أكبر مشاريعها في هذا المجال، والذي خصصت له 2.5 مليون جنيه إسترليني مُقدّمة من برنامج “الحياة في الاتحاد الأوروبي”، وشركة “إنجلترا الطبيعية”، وهي مستشار الحكومة لشؤون البيئة، بالتعاون مع جمعية الحفاظ على البيئة البحرية، وصندوق حماية المحيطات، ومجلس مدينة “بليموث” التي ستستعيد 4 هكتارات من الأعشاب البحرية.

ويعد سبب اهتمام حكومة المملكة المتحدة بإنعاش مواطن العشب البحري إلى تقلص مساحاتها في المملكة، حيث أن الأبحاث تشير بشكلٍ قاطعٍ إلى أنّ السواحل الوطنية الممتدة لـ18 ألف كيلومتر قد خسرت ما لا يقلّ عن 44% من الأعشاب البحرية منذ العام 1963، مع تسارع كبيرٍ خلال العقود الأربعة الأخيرة، فيما تشير تقديرات أخرى إلى أنّ المملكة قد تكون فقدت 92% من أعشابها نتيجة عوامل عديدة كالتلوث والأنشطة البشرية من الصناعة وصيد الأسماك والإرساء المتكرر للقوارب السياحية، إذ يتلف الأخيرُ سُعَفَ الأعشاب وجذورَها، حتى أنّ سحبَ المرساة غالباً ما يؤدي إلى اقتلاعها. واقع الأمر أنّ هذه الحقائق منذرة بالخطر بالنسبة للمملكة، فغاباتها المطيرة محدودة، وهي تعتمد على المستنقعات والأعشاب البحرية وأشجار المانغروف في التقاط 2% من الكربون سنوياً.

يركز مشروع المملكة المتحدة الجديد على علاج الحياة البحرية واحتواء آثار التآكل المؤثرة على قاع البحر، وسيعمل على مدار 4 سنوات، لإنقاذ قاع المحيط في 5 مناطق محمية خاصة جنوبي البلاد، عبر أخذ بذور الأعشاب البحرية من مروجِها الحية تحت الماء وإعادة زراعتها في المختبر ليتم بعد ذلك نقلها إلى المواطن الطبيعية.

انطلقت المرحلة الأولى من المشروع في العام 2019، صوبَ هدف جمع مليونٍ من الأعشاب البحرية بأيدي متطوعين، فهذه الأعشاب هي النبات المزهر الوحيد القادر على العيش في المياه المالحة والقابل للتلقيح أثناء الغمر، وهي تتشابه مع النباتات البرية من حيث الجذور والبذور.

بدايةً، يتم جمع البذور من أحواض الأعشاب البحرية في “سولينت”، ثم تخضع للرعاية في حوض الأحياء البحرية الوطنيّ، ضمن قسمٍ أُعدَّ خصيصاً لهذا الغرض، بحيث يمتدّ لـ36 متر مربّع، وتتدفّق فيه المياه بسرعة، وهو مزوّد بإضاءة خاصة مضبوطة تماماً.

في المرحلة التالية، يتم خلطُ البذور بالرمل، ووضعُها في أكياس قماشية مصنوعة من مصادر صديقة للبيئة وقابلة للتحلل، ثم زراعتُها عبر قاع الأعشاب البحرية جنوبيّ ويلز، وهي من المناطق التي اختفت فيها الأعشاب تماماً، لكنّ جودة المياه فيها قد تحسّنت مؤخراً ما يجعلها مؤهلة لإعادة استضافة الأعشاب البحرية. يحمل كلُّ كيسٍ 30 إلى 50 بذرة، وتتم زراعتُه بعد تعبئته بمدة قصيرة، حيث يُلقى به في أنبوب بطول 4 أمتار، ليستقرّ في القاع، يليهُ كيسٌ آخر يُلقى به بعد ثانيةٍ واحدة، فيستقرّ على بعد 50 سنتيمتراً، وذلك لإعطاء مسافةٍ كافيةٍ للنباتات لتنمو وتمتدّ جذورُها.

ولئلا تذهب هذه الجهود سدى، يعمل الشركاء على إجراء المسوح والدراسات لفهم كيفية تأثير الأنشطة البشرية على الأعشاب، إلى جانب رسم الخرائط لأحواض الأعشاب البحرية لإرشاد السياح والصيادين وغيرهم. كما يتم إجراء تجارب لأنظمة الإرساء المتقدّمة، والتي تم تصميمُها لتضمنَ أقلّ قدرٍ من الاحتكاك بقاع البحر، حيث يمكن وسمُ مناطق الأعشاب البحرية لمنع إرساء القوارب فيها وإرشاد مالكيها إلى المواقع المناسبة. وتتضمّن هذه الأنظمة مراسٍ متطوِّرةً ذات تأثير محدود على قاع البحر، عبر سلاسل مطاطية لولبية الشكل تشغل مساحة صغيرة ولا تقتلع الأعشاب كالسلاسل الحديدية وتثبت القوارب في الوقت نفسِه.

مطلع العام 2022، كانت جهود المتطوعين قد أثمرت عن زراعة حوالي 70 ألف كيس بذورٍ تغطي 3.5 هكتار من قاع البحر، ما سيوفّر موطناً مهماً للحياة البحرية، ومصدراً للغذاء، وداعماً للبيئة والمناخ.

في الوقت الراهن، يخطط الشركاء لمشاركة التجربة خارجَ حدود المملكة ونقلها إلى المنظمات البيئية عير أوروبا للمساهمة في تحقيق أهداف اتفاقية باريس للمناخ.

المراجع:

https://www.unep.org/news-and-stories/story/seagrass-secret-weapon-fight-against-global-heating

https://www.gov.uk/government/news/englands-largest-ever-seagrass-planting-hits-new-milestone–2

https://saveourseabed.co.uk/protecting-our-seabed/restoration/

https://www.theguardian.com/environment/2021/nov/05/seagrass-meadows-could-turn-tide-of-climate-crisis-aoe

https://www.thebluecarboninitiative.org/about-blue-carbon#ecosystems

https://www.gov.uk/government/news/england-s-largest-seagrass-restoration-continues-in-plymouth-sound

https://www.innovationnewsnetwork.com/seed-bags-planted-restore-seagrass-meadows-uk/19378/
https://saveourseabed.co.uk/news-blogs/

https://www.weforum.org/agenda/2021/04/the-ocean-is-losing-its-seagrass-here-s-why-we-need-to-preserve-it/

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

الاستدامة

روتردام تستخدم التكنولوجيا الذكية لإنقاذ المدينة من الغرق

لتحويل موقعها الجغرافيّ المحاذي للبحر إلى نقطة قوة، رسّخت مدينة روتردام الهولندية مكانتها كمختبرٍ للإدارة الذكية للمياه، حيث تدمج التكنولوجيا والتصميم الأخضر لتخضير أسطح بيوتها وتحويلها إلى حدائق في مواجهة مخاطر الفيضانات.

حلول التبريد

لندن تبتكر حلاً لخفض درجات الحرارة في شبكة قطارات الأنفاق

في أحد أكبر شبكات في العالم، تعمل حكومة المملكة المتحدة على مقاربة مشكلة متجذِّرة، وهي ارتفاع درجات الحرارة ضمن الأنفاق، إلى أن توصّلت مؤخراً إلى حلٍّ مبتكرٍ يضخّ الهواء البارد بأذكى استغلالٍ للمساحة وأقلّ قدرٍ من متطلباتٍ الصيانة، بينما تسعى لتأمين التمويل اللازم لنشره على مستوى وطنيّ.

إدارة الكوارث

بنغلادش تطلق منصة رقمية لتعزيز منظومة إدارة الكوارث

بهدف مواجهة تبعات الكوارث الطبيعية في واحدةٍ من أكثر بقاع العالم تعرَّضاً لها، تعمل حكومة بنغلادش على بناء المرونة عبر منصةٍ رقميةٍ توفّر البيانات المتعلّقة بالظواهر المناخية وتقيِّم المخاطر وتوجّه المعنيّين إلى الإجراءات اللازمة.