توظيف الذكاء الاصطناعي في بلجيكا للتصدي للتلوث الصوتي

حددت بلدية جينك مصادر الضجيج العالي الناجم عن حركة السير بالعوادم المعدلة للمركبات والدراجات النارية بالدرجة الأولى، فضلاً عن بعض أنظمة محركات المركبات، والقيادة المتهورة، وأنظمة الصوت في المركبات. لكن للحصول على بيانات كمية يمكن الاعتماد عليها في اتخاذ القرارات للحد من الضجيج، تعاقدت البلدية مع شركة "نوكيا" لاختبار منصة رقمية ذكية طورتها الشركة مع مجموعة من شركات التكنولوجيا.

شارك هذا المحتوى

ضمن إطار الشراكة بين القطاع الحكوميّ والخاص، أطلقت مدينة “جينك” البلجيكية مشروعاً تجريبياً يعتمد على الذكاء الاصطناعي لقياس معدلات الضجيج الصادر عن حركة السير في الشوارع المكتظة، بهدف معالجة مشكلة التلوث الصوتي الذي أصبح يشكل مصدراً للشكاوى المتزايدة من سكان المدينة وزوارها. 

يشكل التلوث الصوتي أو الضوضائي في المدن أحد التحديات الصحية والاجتماعية والاقتصادية كما تسبب ضرراً على صحة وسلامة الإنسان البدنية والنفسية. حيث تشير الدراسات الأكاديمية إلى أن تعرض الإنسان للضجيج الصادر عن حركة السير لفترات طويلة، خاصة في الليل، يسبب أرقاً وتقطعاً في النوم، وهذا بدوره يرفع مستويات الهرمون المسبب للتوتر وما يسمى بـ”الإجهاد التأكسدي”، وهما عاملان يسببان خللاً في عمل الأوعية الدموية وارتفاعاً في ضغط الدم، الأمر الذي يزيد من احتمالية الإصابة بأمراض القلب. إضافة إلى ذلك، تحذر “منظمة الصحة العالمية” (WHO) من مجموعة من الأمراض والاضطرابات الصحية الأخرى المرتبطة مباشرة بضجيج المركبات، مثل طنين الأذن، وضعف السمع، وتراجع في القدرة على التعلم والتركيز، وشعور عام بالتوتر. 

ومن ناحيتها، حددت بلدية جينك مصادر الضجيج العالي الناجم عن حركة السير بالعوادم المعدلة للمركبات والدراجات النارية بالدرجة الأولى، فضلاً عن بعض أنظمة محركات المركبات، والقيادة المتهورة، وأنظمة الصوت في المركبات. لكن للحصول على بيانات كمية يمكن الاعتماد عليها في اتخاذ القرارات للحد من الضجيج، تعاقدت البلدية مع شركة “نوكيا” لاختبار منصة رقمية ذكية طورتها الشركة مع مجموعة من شركات التكنولوجيا.

فتم تركيب منصة “تحليل المشهد” (Scene Analytics) من “نوكيا” في أحد الشوارع الرئيسية في المدينة، ويجري العمل حالياً على اختبار فعاليتها على أرض الواقع. وقد جرى تصميم هذه المنصة في إطار تقنية “إنترنت الأشياء”، فهي مرتبطة بشبكة من أجهزة الاستشعار التي تشمل ميكروفونات وكاميرات مثبتة في مواقع محددة في الشارع، كما أنها متصلة بالجهة الحكومية المعنية لتزويدها مباشرة بالبيانات. 

وعند تزايد شدة صوت أي مركبة عن حدّ معين، تبدأ الميكروفونات والكاميرات آلياً بتسجيل الحدث، وتقوم منصة “تحليل المشهد” بقياس وتحليل الصوت اعتماداً على خوارزمية خاصة قائمة على احتساب درجة ارتفاع الصوت، وتسجيل رقم المركبة من خلال تقنية التعرف الآلي على لوحة الأرقام (ANPR)، ثم تقوم المنصة بإرسال جميع البيانات إلى الدائرة المعنية لتكوين صورة واضحة مبنية على معلومات كمية موثوقة عن تفاصيل ومصدر الحدث، لكي يتم النظر في اتخاذ السياسات المناسبة وتطوير الخطط للحد من مصادر الضجيج على مستوى المدينة. 

تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي التي يتم اختبارها في “جينك”، تشمل أيضاً ما يسمى بتقنيات “رؤية الحاسوب” (computer vision) القادرة على التعرف آلياً على محتوى الصور ومقاطع الفيديو وتحليلها والتنبيه بالمخاطر، ويمكنها التعامل مع آلاف الصور والأفلام وبثها للمسؤولين في الوقت الفعلي. 

ويذكر أن حركة السير في “جينك” تعد مرتفعة نظراً لكونها مدينة صناعية، ولكن هذا الوضع ليس محدوداً بالمدينة فقط. حيث تفيد منظمة الصحة العالمية بأن نحو 113 مليون شخص من سكان المنطقة الاقتصادية الأوروبية يتعرضون ليلاً ونهاراً للتلوث الصوتي الناجم عن حركة السير في الشوارع بمستوى يزيد عن 55 ديسيبل، وهو الحد الأدنى لظهور الآثار السلبية للضجيج، بينما يبلغ عدد سكان المنطقة الذين يتعرضون لمستوى ضجيج يفوق 65 ديسيبل نحو 36 مليون. وتوصي منظمة الصحة العالمية، والتي تصنف التلوث الصوتي بأنه أكثر العوامل البيئية ضرراً بالإنسان في أوروبا بعد تلوث الهواء، بألّا يتجاوز مستوى الضجيج 30 ديسيبل لضمان نوم هادئ وسليم للمواطنين.

ومن هذا المنطق، يعقد مجلس بلدية “جينك” آمالاً كبيرة على نجاح التجربة، كما يرى أن التكنولوجيا بشكل عام قادرة على توفير حلول لعدة تحديات تواجه المدن الذكية. وكانت بلجيكا قد أجرت تجارب سابقة في مدن أخرى لمحاولة إيجاد حلول مناسبة لمسألة ضجيج حركة السير، ولكن مدينة “جينك” هي الأولى في الاستعانة بالذكاء الاصطناعي. وهناك العديد من المبادرات التي أطلقتها دول أوروبية أخرى تسعى إلى إيجاد حلول مماثلة. ففي فرنسا، على سبيل المثال، قدّرت دراسة حديثة أن التكلفة الاجتماعية الناجمة عن التلوث الصوتي في البلاد تبلغ ما يقارب 156 مليار يورو (177 مليار دولار) سنوياً. بنت الدراسة تقديراتها على مختلف جوانب الحياة المتأثرة بالضجيج، مثل الصحة العامة، واضطرابات النوم والتراجع في الإنتاجية، وانخفاض قيمة العقارات في المناطق التي تشهد تصاعداً في مستوى الضجيج، وتراجع القدرة على التعلم والتركيز، وغيرها. 

كما تجدر الإشارة إلى نتائج إحدى الدراسات التي قامت بها مدينة روتردام في هولندا للحد من ضجيج حركة السير، والتي كشفت عن أن الأشخاص الذين كانوا السبب في 6000 مخالفة أو تجاوز لحدود ضجيج المركبات لم يتجاوز عددهم المئة – ما يعني أن مشكلة ضجيج المركبات يمكن حصرها بفئة صغيرة من السكان وهذا ساعد السلطات على تحديد سبل معالجة المسألة بشكل أكثر كفاءة.

وضمن الجهود المبذولة للحد من ضجيج حركة السير في أوروبا، تعمل السويد على اختبار نظام يقوم بإرسال إشارة صوتية عبر مذياع المركبات القريبة، تنبه سائقيها عند مرور مركبات الإسعاف أو تلك الخاصة بإطفاء الحرائق أو مركبات الشرطة، وذلك بغية خفض صوت صفارات الإنذار في الشوارع.

يجدر القول في النهاية أن المنصات الرقمية الذكية التي تجمع بين تقنيات مختلفة، مثل تلك التي يتم اختبارها في مدينة “جينك”، تفتح آفاقاً واسعة لاستخدامات متعددة، سواء في المرافق وقطاعات الخدمات العامة في المناطق السكنية أو الصناعية، وهي توفر للمدن الذكية حلولاً مرنة، مستدامة، وقابلة للتوسع في مواجهة العديد من التحديات. 

المراجع:

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

إدارة النفايات

الحكومات تسعى لحلول مبتكرة لإدارة النفايات الإلكترونية

ترى سنغافورة أن النفايات الإلكترونية تشكل خطراً على الصحة العامة بالدرجة الأولى، خاصة عند النظر في مساحة أراضيها الصغيرة التي لا تقبل المزيد من المكبات. وهي تنتج كمية كبيرة من النفايات الإلكترونية يبلغ حجمها قرابة 60 ألف طن متري في العام– أو ما يعادل استهلاك 70 هاتفاً خلوياً في العام لكل شخص في الدولة. لذا قررت سنغافورة التحول إلى الاقتصاد الدائري مع تطبيق نظام “المسؤولية الموسعة للمنتجين” (EPR) بالتعاون مع الفاعلين في صناعة الإلكترونيات من منتجين وبائعي تجزئة ومشغلي مرافق إعادة التدوير، ممّن يعملون على إنشاء مثل هذا النظام بما يتناسب مع احتياجات سنغافورة، ما يعني أن يتشارك هؤلاء الفاعلين في تحمل المسؤولية، وضمان إعادة تدوير النفايات الإلكترونية بطريقة مستدامة وصديقة للبيئة. 

البصمة الكربونية

استخدام أحدث تقنيات التخضير في أبنية الحكومة الفيدرالية الأمريكية

صوبَ هذه الغاية، أطلقت الإدارة برنامج “مساحة الاختبار الخضراء” وهو يمثِّل بيئةَ اختبارٍ لإثبات جدوى تقنيةٍ أو منتجٍ أو عمليةٍ ما لجعل الأبنية الفيدرالية أكثر اخضراراً، انطلاقاً من مبدأ أنّ نجاح هذه التجارب في المباني الفيدرالية يعني أنّها مؤهلة للنجاح في أي مكان مشابه.

وقع اختيار الفريق على 6 تقنياتٍ أمريكية الصنع لتجربتها في مجموعة من الأبنية، وذلك بهدف التحقق من خصائصها التقنية والتشغيلية وإمكانية نشرِها في المستقبل، وستُجرى التجارب ضمن معطياتٍ تحاكي ظروف العالم الحقيقي لتأكيد قدرة هذه التقنيات على الحدّ من التأثير البيئي لهذه المباني.

إدارة الكوارث

كوريا تتبنى حلولاً ذكية لتحسين خدمات الطوارئ

بدايةً، شرعَ فريق الحرائق والكوارث بتطوير منصة رقمية تجمع التقنيات المتقدِّمة كالبيانات الضخمة والذكاء الاصطناعيّ من جهة، مع أرشيف عمليات الطوارئ التي أُنجزت عبر سنوات من جهة أخرى، بما في ذلك المكالمات المسجّلة وجهود الإنقاذ وإعادة تأهيل المواقع المتضررة والمعلومات الميدانية وبيانات الوكالات ذات الصلة. سيمثِّل هذا الأرشيف بنيةً تحتيةً تكنولوجية للمنصة التي ستبصر النور في العام 2026، وستلتقي فيها أنظمة الاستجابة الميدانية المتنوِّعة، كما ستتصلُ بها شاشاتٌ مثبَّتة ضمن مركبات الطوارئ لتزويد الفريق بالمعلومات المباشرة أثناء توجُّهه إلى موقع الحالة الطارئة.