توظيف البيانات لفهم تأثير الجائحة على شوارع لندن الكبرى

ألقت جائحة كوفيد 19، حتى بعد انحسارها، بظلالها على الواقعين الاقتصادي والاجتماعي في لندن، وكذلك على عادات السكان وسلوكياتهم.

شارك هذا المحتوى

ألقت جائحة كوفيد 19، حتى بعد انحسارها، بظلالها على الواقعين الاقتصادي والاجتماعي في لندن، وكذلك على عادات السكان وسلوكياتهم. ولفهم الواقع الجديد ما بعد الجائحة، أطلقت سلطة لندن الكبرى خدمةً لجمع البيانات وتحليلِها، بغية مساعدة صنَاع القرار على إعادة الحياة إلى المناطق الرئيسية.

ربما لم تنتهِ جائحة كوفيد-19، لكنّ أنظار العالم توجَّهت إلى ما بعدها. فالتحدّيات التي ستحملها مرحلة ما بعد الأزمة لن تكون بأسهلَ من الأزمةِ نفسِها، لا سيما في المدن الكبرى حيث تسعى الحكومات لإنعاش المراكز الاجتماعية والاقتصادية.

في لندن، تحاول السلطات تجديد هذه المواقع وتسريع تعافيها، وهذا يتطلّب فهمَ المشهد في الشوارع الرئيسية بعد إجراءات تخفيف الإغلاق، وتحديدَ المناطق التي استطاعت الاستجابة سريعاً أو عجزت عن ذلك، ورصدَ مستويات الإقبال والحركة والإنفاق. وهنا، تبرز تحدّيات كالثغرات الوظيفية والنقص الحاد في البيانات المهمة وعدم ضمان شفافية المعلومات المتاحة. عادةً ما تقوم كلُّ منطقة إدارية بالتفاوض مباشرة مع مورِّدي البيانات أو تكليف جهاتٍ استشاريةٍ بجمع البيانات وتحليلِها وتقديم تقارير بالنتائج، لكنَّ هذه الخطوات مرتفعة التكلفة ولا تقدِّم نظرةً شاملةً عمّا يجري على الأرض.

لهذا، سَعَت سلطة لندن الكبرى إلى التعاون وبناء القدرات المحلية واتخاذ القرار القائم على معطياتٍ حقيقية. ومن مبنى قاعة المدينة (مقرّ عمدة لندن)، تعاونت البلدية مع المجالس المحلية في 21 منطقةً لإطلاق خدمة جديدة حملت اسم “بيانات الشوارع الكبرى”.

تهدف الخدمة لتمكين سلطات كلّ حيّ من الوصول إلى بيانات 600 من شوارع لندن الكبرى و200 من نقاطِها الحيوية، لتحليلها عبرَ أداةٍ مصمَّمة خصيصاً لاستكشاف البيانات، إلى جانب مراجعتها بشكلِها الأوليّ للحصول على تحليلاتٍ أكثرَ تفصيلاً وتلبيةً للمتطلّبات.

قام فريق “لندن في 24 ساعة” بشراء بيانات الحركة من شركة “أو تو”، وقد غطّت هذه البيانات مناطق رئيسيةً متفاوتةَ الأحجام، تضمُّ كلٌّ منها قرابة 10 آلاف مقيم، فأظهرت أعداد الأشخاص الموجودين في المنطقة خلال ساعةٍ معينة، مقسَّمين إلى 3 فئات، وهي “المقيم”، حيث يُنظر إلى الموقع الذي قضى فيه الفرد معظم الأمسيات خلال آخر شهرٍ مُسجَّل، و”العامل”، الذي يُحدَّد بناء على الموقع الذي قضى فيه معظم ساعات عمله خلال فبراير من العام 2020، و”الزائر”، وتشمل الأشخاص الذين يقضون قرابة 30 دقيقة في الموقع. أما بيانات الإنفاق، فتم شراؤها من شركة “ماستر كارد”، وتقسيمُها إلى فئتَي الشوارع الرئيسية ومراكز البلدات، وتناولت أعداد العمليات التجارية وإجمالي الإنفاق. كما تم جمع بياناتٍ تتناول المواقف والسلوكيات العامة إزاء تفشي الجائحة، عبر إجراء استطلاعٍ يطرح الأسئلةَ نفسَها كلّ أسبوع ويرصد تغيُّرَ الشعور العام.

تقارن الأداة البيانات من شارعٍ محدّد، كما تقارِن بين عدة شوارع متشابهةٍ إحصائياً في مناطق متفرِّقة من لندن، حيث تستطيع برمجياتها تحديدَ الشوارع الرئيسية تلقائياً، قبل أن تقوم برسمها بيانياً لمقارنة نشاط كلٍّ منها. وتبني البرمجيات فهرساً لكلِّ منطقةٍ يضمُّ 6 أنواع شائعة من المواقع، وهي متاجر البيع بالتجزئة والترفيه، ومتاجر البقالة والصيدليات، والحدائق العامة، ومحطات النقل، وأماكن العمل، والمجمَّعات السكنية.

على سبيل المثال، استعرض أحد الرسوم البيانية معدّلات الإنفاق على التسوُّق من متاجر التجزئة وارتياد المطاعم في طريقٍ رئيسي يُعرف باسم “كامبر ويل”، حيث يقارن الرسم بين هذه المعدَّلات في عام الجائحة، والعامَين السابق والتالي، وقد أظهرت المعطيات ارتفاعاً حاداً في معدّلات التسوق في مرحلة ما قبل الإغلاق العام، وهو ما حدث نتيجة الذعر من فقدان المواد الأساسية. بعدئذٍ، شهدَ الإنفاق ارتفاعاً خجولاً قبيل شهر أغسطس، تلاه ارتفاعان طفيفان آخران قبل تطبيق قرارَي الإغلاق الثاني والثالث. وبمجرد انتهاء فترات الإغلاق، تشير المعطيات إلى أنّ النشاط الاقتصادي تعافى سريعاً في هذا الشارع، كما تبيِّن إنفاقاً أعلى من العادي على سِلَع متاجر البيع بالتجزئة ووجبات المطاعم، وقد يكون هذا مرتبطاً بازدياد توجُّه العمل من المنزل، فما قبل الجائحة، كانت معدّلات إقبال المقيمين على التسوّق منخفضةً خلال ساعات العمل النموذجية.

 كما تُظهر الخرائط الحرارية أنّ الحياة الاجتماعية لم تَعُد إلى سابق عهدها بعدُ في هذا الشارع، حيث ظلّ معدل إقبال الزوار أقلّ من المتوسط مقارنةً بما قبل الجائحة، حيث كان يبلغ ذروتَه بعد ظهر يوم الخميس.

يقدِّم هذا الشارع نموذجاً ممتازاً، فكثافة الحركة فيه متقاربةٌ بين ساعات النهار المختلفة، وكذلك بين أيام الأسبوع، حيث يبلغ النشاطُ ذروتَه يوم السبت، وهو بهذا شبيهٌ بالكثير من الشوارع اللندنية الكبرى.

لتفادي أيّة تحدّيات تتعلق بالخصوصية، اعتمدت السلطات على البيانات الشاملة ومحجوبة المصدر بشكلٍ لا يسمح بتتبُّع الأفراد أو الشركات أو تحديدِ هويَّتِهم، إذ تستخدم الخدمة نظاماً يحصي الأشخاص الموجودين من لقطات كاميرات المراقبة. ولجأت إلى بيانات نظام التذاكر الخاص بخدمة النقل لتكوين صورة عامةٍ عن مستويات الإقبال وتغيُّرها. كما حرصت على ألا تكون هذه البيانات مفتوحة، بل ينحصر الوصول إليها بالجهات المعنية والشركاء في سلطة لندن الكبرى.

ولأنّ أداة استكشاف البيانات قد صُمِّمَت داخلياً من دون الاستعانة بخبرات خارجية، فهي ستتطلّب متابعة دائمةً لإدخال التعديلات والتحديثات التي سيستكشفها الفريق بعد تكوين فهمٍ أفضل لاحتياجات المستخدمِين.

تمكّنت سلطات لندن من جمعِ بياناتٍ أكثر شمولاً وأقلّ كلفة، وبناءِ أداة فعالةٍ لتحليلها من قِبَل غير المتخصصين، وإتاحةِ المجال للتعاون ومشاركة الرؤى والأفكار بين الجهات الفاعلة في المدينة، وتزويدِ المسؤولين المحليين بتقارير يمكن البناء عليها لاتخاذ القرار.

وعلى المدى البعيد، يهدف المشروع إلى بناء القدرات أكثر وتعزيز الثقة والاعتماد على البيانات في الحكومة المحلية.

المراجع:

https://smartlondon.medium.com/londons-new-high-streets-data-partnership-6fe6a22db9d

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

إدارة النفايات

الحكومات تسعى لحلول مبتكرة لإدارة النفايات الإلكترونية

ترى سنغافورة أن النفايات الإلكترونية تشكل خطراً على الصحة العامة بالدرجة الأولى، خاصة عند النظر في مساحة أراضيها الصغيرة التي لا تقبل المزيد من المكبات. وهي تنتج كمية كبيرة من النفايات الإلكترونية يبلغ حجمها قرابة 60 ألف طن متري في العام– أو ما يعادل استهلاك 70 هاتفاً خلوياً في العام لكل شخص في الدولة. لذا قررت سنغافورة التحول إلى الاقتصاد الدائري مع تطبيق نظام “المسؤولية الموسعة للمنتجين” (EPR) بالتعاون مع الفاعلين في صناعة الإلكترونيات من منتجين وبائعي تجزئة ومشغلي مرافق إعادة التدوير، ممّن يعملون على إنشاء مثل هذا النظام بما يتناسب مع احتياجات سنغافورة، ما يعني أن يتشارك هؤلاء الفاعلين في تحمل المسؤولية، وضمان إعادة تدوير النفايات الإلكترونية بطريقة مستدامة وصديقة للبيئة. 

البصمة الكربونية

استخدام أحدث تقنيات التخضير في أبنية الحكومة الفيدرالية الأمريكية

صوبَ هذه الغاية، أطلقت الإدارة برنامج “مساحة الاختبار الخضراء” وهو يمثِّل بيئةَ اختبارٍ لإثبات جدوى تقنيةٍ أو منتجٍ أو عمليةٍ ما لجعل الأبنية الفيدرالية أكثر اخضراراً، انطلاقاً من مبدأ أنّ نجاح هذه التجارب في المباني الفيدرالية يعني أنّها مؤهلة للنجاح في أي مكان مشابه.

وقع اختيار الفريق على 6 تقنياتٍ أمريكية الصنع لتجربتها في مجموعة من الأبنية، وذلك بهدف التحقق من خصائصها التقنية والتشغيلية وإمكانية نشرِها في المستقبل، وستُجرى التجارب ضمن معطياتٍ تحاكي ظروف العالم الحقيقي لتأكيد قدرة هذه التقنيات على الحدّ من التأثير البيئي لهذه المباني.

إدارة الكوارث

كوريا تتبنى حلولاً ذكية لتحسين خدمات الطوارئ

بدايةً، شرعَ فريق الحرائق والكوارث بتطوير منصة رقمية تجمع التقنيات المتقدِّمة كالبيانات الضخمة والذكاء الاصطناعيّ من جهة، مع أرشيف عمليات الطوارئ التي أُنجزت عبر سنوات من جهة أخرى، بما في ذلك المكالمات المسجّلة وجهود الإنقاذ وإعادة تأهيل المواقع المتضررة والمعلومات الميدانية وبيانات الوكالات ذات الصلة. سيمثِّل هذا الأرشيف بنيةً تحتيةً تكنولوجية للمنصة التي ستبصر النور في العام 2026، وستلتقي فيها أنظمة الاستجابة الميدانية المتنوِّعة، كما ستتصلُ بها شاشاتٌ مثبَّتة ضمن مركبات الطوارئ لتزويد الفريق بالمعلومات المباشرة أثناء توجُّهه إلى موقع الحالة الطارئة.