تعزيز قطاع السياحة في فيتنام عبر التحول الرقمي

يعتمد جزء كبير من اقتصاد فيتنام على إيرادات قطاع السياحة التي تعرضت لخسائر فادحة بسبب جائحة كوفيد-19، خصوصاً بعد الانخفاض الكبير في عدد الرحلات الدولية، حيث انخفضت بنسبة 80% في أكتوبر 2020 مقارنة بنفس الفترة الزمنية من العام السابق. وبالرغم من أن معدلات الطيران الدولي بدأت تستعيد نشاطها مؤخراً، قد تحتاج فيتنام أن تجد حلولاً مبتكرةً لإنعاش اقتصادها السياحي حتى تعود إلى ما كانت عليه قبل الجائحة.

شارك هذا المحتوى

توجهت فيتنام في الفترة الأخيرة نحو اعتماد عدّة برامج جديدة لتطوير السياحة الريفية والثقافية عبر توظيف مختلف الابتكارات التكنولوجية، حيث تهدف من خلال هذا التوجه إلى تحويل قطاعها السياحي إلى اقتصادٍ رائدٍ، يجذب الزوار، ويحسّن دخل أبناء الأرياف، ويحافظ على الهوية الثقافية، عبر تقديم الجولات الافتراضية وتأسيس قاعدة بيانات رقمية لموارد فيتنام الطبيعية والثقافية.

يعتمد جزء كبير من اقتصاد فيتنام على إيرادات قطاع السياحة التي تعرضت لخسائر فادحة بسبب جائحة كوفيد-19، خصوصاً بعد الانخفاض الكبير في عدد الرحلات الدولية، حيث انخفضت بنسبة 80% في أكتوبر 2020 مقارنة بنفس الفترة الزمنية من العام السابق. وبالرغم من أن معدلات الطيران الدولي بدأت تستعيد نشاطها مؤخراً، قد تحتاج فيتنام أن تجد حلولاً مبتكرةً لإنعاش اقتصادها السياحي حتى تعود إلى ما كانت عليه قبل الجائحة. وقامت الحكومة الفيتنامية لتحقيق هذا المسعى بالتركيز على تعزيز السياحة الريفية والثقافية من خلال اعتماد الحلول الرقمية، حيث كانت هذه الجهود متوافقةً مع رؤية فيتنام لأن تصبح من أفضل 50 دولة في مؤشر تنمية تكنولوجيا المعلومات بحلول العام 2025، وتأمل بالنهوض بالاقتصاد الرقميّ لزيادة تمثيله في الناتج المحلي الإجمالي للبلاد من 5% إلى أكثر من 30% بحلول العام 2030.

تشكِّل السياحة الريفية أو الزراعية جزءاً مهماً من الاقتصاد المحلي في فيتنام. وعلى امتداد البلاد، ينتشر حوالي 365 موقعاً للسياحة الريفية، مع أكثر من 2000 قريةٍ تضم الحِرَف التقليدية التي تجذب السوّاح بالعادة. وبناءً على هذا، أطلقت الحكومة في العام 2021 برنامجاً بعنوان “تحديث التنمية الريفية”، يهدف لتطوير قطاع السياحة الريفية وفق خطة تمتدّ حتى العام 2025 وبالاعتماد على تسهيل التحول الرقمي في الأرياف.

ولتوظيف التكنولوجيا في تطوير قطاع السياحة، قامت الحكومة الفيتنامية بتبني عدة مشاريع ومبادرات رقمية تهدف إلى تعزيز السياحة الريفية، تم الترويج لها عبر الإنترنت في تعاون جمع بين وزارة الزراعة والتنمية الريفية وزارة الثقافة والرياضة والسياحة. حيث أطلقت الحكومة منتجات إلكترونية لجذب السياح كالجولات الافتراضية في المواقع الطبيعية المميزة في فيتنام؛ وانطلقت العام الماضي أول جولةٍ منها في منقطة الشمال الغربيّ، وضمّت مجموعةً من الصور بزاوية 360 درجة بتقنية الواقع الافتراضيّ تستعرض مواقع الجذب السياحيّ في مقاطعة “موك تشاو”، وهي الموقع السياحيّ الوطنيّ الذي توفِّر مرافقه الخدمية إطلالاتٍ خلابة للزوار. 

كما تعمل السلطات المحلية على تطوير خريطة رقمية تجمع بيانات عن المناطق الريفية التي تجذب السواح ومقدمي الخدمات في تلك المناطق. ولكن تبين للجهات القائمة على التحول الرقمي أن العديد من أصحاب الأعمال السياحية في الريف يواجهون تحديات تعرقل من فرصة التوسع في مجال السياحة الريفية، حيث يفتقر العديد منهم إلى المهارات الرقمية الضرورية، كما يمكن أن يواجهوا صعوبة في الوصول إلى الخدمات الرقمية بسبب ضعف البنية التحتية وخصوصاً في المناطق النائية. وتمثل هذه التحديات مسائل هامة تحتاج إلى المعالجة السريعة قبل تحقيق رؤية فيتنام في قطاع السياحة الريفية.

وبالتزامن مع هذه المساعي، تروج الحكومة الفيتنامية أيضاً للإرث الثقافي للبلاد من خلال الحلول الرقمية، حيث أطلق المتحف الوطنيّ الفيتنامي عدداً من العروض الافتراضية الجديدة لجذب الزوار مع الحفاظ على إجراءات التباعد الاجتماعيّ. وقد عملت إدارة المتحف لسنوات على تطبيق الرقمنة للحفاظ على الإرث الثقافيّ، حيث قدّمت مؤخراً عرضاً تفاعلياً افتراضياً ثلاثيّ الأبعاد للكنوز الوطنية. وفي المتحف الوطنيّ للتاريخ، أجرى نادي المتطوعين الأبحاث لإطلاق جولة افتراضيةٍ عبر المتحف تشمل سرد المعلومات التاريخية مصحوبةً بالتقنيات الرقمية، إلى جانب تقديمهم لمئات المحاضرات التعليمية المجانية عبر الإنترنت، حيث أن بعض هذه البرامج التعليمية تتحول تدريجياً إلى نماذج ثابتةٍ للتدريس عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي.

كما سيتم تأسيس قاعدة بيانات وطنية للثروات الحضارية والثقافية المادّية التي يمتلكها 54 مجموعةً عرقيةً تضمّها فيتنام، مصحوبةً بالرسوم الخاصة بها، وذلك لتحقيق هدف 50% من القرى الحِرفية التقليدية المشاركة في سلسلة القيمة الخاصة بالسياحة الريفية بحلول العام 2025.

وفقاً لمراقبين، فإنَّ تحدياتٍ عدة ما زالت تواجه فيتنام، التي سيتعين عليها العمل أكثر لتبلغ المكانة المأمولة كقوةٍ رقمية، إذ كشفت التقارير نصف السنوية للأداء الاقتصادي في البلاد عن ضرورة تطوير قوةٍ عاملةٍ تمتلك المهارات الرقمية والقدرة على المواكبة، يكمِّلها قطاع خاص محليّ في مناخ عملٍ ديناميكيٍّ ومرن يجذب الاستثمارات ويؤمن الظروف المواتية للشركات الصغيرة لتكون جزءاً من الاقتصاد الرقميّ، إلى جانب تأمين الوصول الجيد والآمن للمعلومات، ما يعني تحديث البنية التحتية وتشجيع تطبيق التكنولوجيا الرقمية. لاجتياز هذه التحديات، يمكن بدايةً الاستفادة من المؤسسات التقنية الشهيرة لتأهيل الكوادر وإعدادها، كما ينبغي أن تطلق الحكومة المبادرات لجذب المواهب في مجالات التكنولوجيا الرقمية حول العالم.

وقد بدأت السياحة الإلكترونية تؤتي ثمارها، فخلال العام الماضي، تم تصنيف كهفَ “سون دونغ” في مقاطعة “كوانغ” كواحدٍ من أفضل الرحلات الافتراضية الطبيعية. والأهمّ من ذلك هو أنّ تطبيق هذه التقنية في المتاحف يتيح تلبية احتياجات الزوار في ظلِّ الواقع الجديد الذي فرضته جائحة كوفيد-19، كما يقدِّم وجهات النظر والتجارب الجديدة، حيث استفاد أكثر من 5000 طالب من الدروس المجانية بمن فيهم أطفال فيتناميون مغترِبون. 

ومن المتوقع أن يجذب التحول الرقميّ مزيداً من الزوار، ويسهِّل تحضيرهم لرحلاتهم، كما سيحسِّن تقديم الخدمات وفهمَ سلوكيات المتعاملين. بينما ستساهم التنمية الفعّالة للسياحة الريفية في تحويل اقتصاد فيتنام إلى قطاع رائد يعزز بناء منطقةٍ ريفيةٍ مستدامةٍ بطرازٍ جديد، وستساعد على إيجاد فرص عملٍ جديدةٍ وتحسين الدخل وتغيير الهيكل الاقتصادي الريفي، إلى جانب الحفاظ على القيم الثقافية التقليدية وحماية البيئة.

المراجع:

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

إنترنت الأشياء

سيؤول تنشر خدمات المدينة الذكية لتعزيز السلامة والرفاهية

في المنافسة الآسيوية، سبق لعاصمة كوريا الجنوبية أن احتضنت مبادراتٍ ذكية كما خلال جائحة كوفيد-19، حيث أعدّت السلطات، في محاولة منها للحفاظ على استمرار الخدمات مع إبقاء الاتصال البشريّ في حدوده الدنيا، أجهزةً ذكيةً تنجز مهام عديدةً آلياً ومن دون تلامس. بالنسبة لكبار السن، كانت هذه النقلة مفاجئةً، فواجهوا معوِّقاتٍ كثيرةً عند محاولة استخدام الأكشاك والأجهزة الرقمية، أشياء من قبيل حجم الخط في التطبيقات، أو إرشادات الاستخدام المُبهمة، أو صعوبة مواكبة هذه التطورات الرقمية المَهولة.

إندونيسيا

كيف تعمل إندونيسيا على تحسين الوضع الاقتصادي للمجتمعات الريفية

في إندونيسيا، لا يمكن للجميع الوصولُ إلى الإنترنت، فالدولة تفتقر للبنى التحتية وتعاني محدودية الخيارات السلكية واللاسلكية. وقد أشارت إحصائيات العام 2019 إلى وجود أكثر من 12 ألف قريةٍ تفتقر لإنترنت الجيل الرابع، و94 مليون راشدٍ إندونيسيّ عاجز عن استخدام الإنترنت، كما أنّ عدداً أكبرَ من السكان يفتقرون لخدمة الإنترنت الثابت عريض النطاق، فيما يعاني 60 إلى 70% من سكان شرق البلاد من تقلُّبات جودة الخدمة. والمؤشر الأهم هو أنّ 80% من هؤلاء يعيشون في الأرياف التي لا يمكن الوصول إليها عبر المترو، وتعتمد معظمُها على الأقمار الصناعية محدودة القدرة على معالجة البيانات.

الهند تستخدم الذكاء الاصطناعيّ لتعزيز سلامة الطُرُقات

وضعت الحكومة الهندية هدفَ تخفيض عدد الوفيات إلى النصف بحلول العام 2030، واستهلّت هذا المسعى بإطلاق مشروع باسم “الحلول الذكية للسلامة الطرقية عبر التكنولوجيا والهندسة”، والذي جاء حصيلة تعاون عدة شركاء، كمبادرة الذكاء الاصطناعيّ الهندية، والمعهد العالي لتكنولوجيا المعلومات بحيدر أباد، والمعهد المركزي لبحوث الطرق التابع لمجلس الأبحاث العلمية والصناعية، وشركاء من القطاع الخاص، والهيئة البلدية بمدينة “ناجبور”.