تعاون حكومي متعدد المستويات لحماية تورونتو من الفيضانات

بهدف حماية أكبر مدينة في كندا من أضرار الفيضانات الشديدة، تعمل حكومة تورونتو على إعادة تشكيل الأراضي في محيط الميناء، عبر تحويل مجرى النهر، واستعادة النظم البيئية، وبناء الأحياء الجديدة.

شارك هذا المحتوى

بهدف حماية أكبر مدينة في كندا من أضرار الفيضانات الشديدة، تعمل حكومة تورونتو على إعادة تشكيل الأراضي في محيط الميناء، عبر تحويل مجرى النهر، واستعادة النظم البيئية، وبناء الأحياء الجديدة.

لأنّ المدن تُبنى عادةً حول البحيرات والأنهار وقربَ الموانئ، فهي تواجه دوماً خطرَ الفيضانات الذي تحدِّدُ شِدَّتَه الظروفُ المناخية من أمطار وأعاصير وذوبان الجليد، لتتكاملَ مع التوسُّع الحَضَريَّ المتزايد.

قبل قرابة 75 عاماً، اجتاح إعصار “هازل” مدينة تورونتو الكندية، حيث استمرت الأمطار ليومٍ كامل مكوِّنة فيضاناً دمّر المنازل والطرق والبنى التحتية، وأودى بحياة 81 شخصاً وشرّد الآلاف. جاء تأثير الكارثة مضاعفاً نتيجة قرارٍ اتُخِذَ مطلع القرن العشرين، كان يهدف إلى تغيير المجاري الطبيعية لنهر “دون”، ما حوّل مصارف 40 ألف هكتار من المجمّعات المائية إلى بحيرة لا يتجاوز عرضُها 20 متراً. اليوم، لا يكفّ عدد سكان تورونتو عن النمو، ليتّسع معهم العمران وما يرافقه من تعبيدٍ للأراضي بالخرسانة والمواد الكتيمة التي تمنع تسرُّب مياه الأمطار إلى التربة. وقد بُنيَت منطقة الميناء بالكامل فوق الأراضي التي كانت يوماً المصبَّ الطبيعي للنهر، لتزيدَ خطرَ الفيضانات. وفي حال وقعت كارثة كإعصار “هازل” ثانيةً، فقد تسبّب أضراراً يمكن أن تصل إلى نحو مليار دولار.

أمام هذا الاحتمال، تبحث سلطات المدينة منذ سبعينات القرن الماضي عن تطوير وسائل لحماية سكانها، كان آخرها مشروع “أرض الميناء”، والذي يجمع كياناتٍ حكوميةً متعددة المستويات، أولُها “الواجهة المائية لتورونتو”، وهي هيئةٌ أسّستها حكومة كندا ومقاطعة أونتاريو ومدينة تورونتو بتمويلٍ مشترك لتُعنى بشؤون الواجهة البحرية، بالتشاور مع وزارة البنية التحتية في المقاطعة، والكيان الفيدراليّ المسؤول عن هذا القطاع، وهو “الهيئة الكندية للبنى التحتية”.

جاء المشروع بعد مسابقة تصميمٍ عالميةٍ ودراساتٍ مكثّفةٍ أجرتها “هيئة حماية تورونتو والمنطقة”، بهدف تحديد المناطق الأكثر عرضة للفيضانات، إلى جانب مشاوراتٍ مع آلاف المعنيين من السكان والناشطين والبيئيين والعاملين في مجال الإسكان الاجتماعيّ. وقد خَلُصَت هذه الجهود إلى أنّ قرابة 300 هكتار من المساحات الحَضَرية قد بُنيَت على أراضٍ كانت في السابق سهولاً فيضيةً خاصةً بنهر “دون”.

تستهدف الخطة الجديدة إدخال تحسينات على النظم البيئية، فمنسوب المياه في بحيرة “أونتاريو” عادةً ما يتجاوز معدّلاتِه الطبيعيةَ بقرابة متر. لهذا، ركّز العمل على تصميم 13 هكتار من الأراضي الرطبة بارتفاعاتٍ متعددة، بحيث ارتفع منسوب المياه أو انخفض، ستجد الأسماك والطيور وغيرُها من المجموعات الحية طعاماً ومأوى. وقد صُمِّمَت مجمعات المياه الجديدة لتكون قادرة على التعامل مع العواصف الشديدة، حيث تستطيع تصريف ما يصل إلى 1500 مترٍ مكعّب في الثانية.

كما سيتم شقُّ قناة حديثة للنهر بطول كيلومتر ونصف، وإنشاء موائل جديدةٍ تمتدّ على مساحة 19 هكتار، 5 منها للموائل الأرضية، و14 للموائل المائية. يعمل قسم التخطيط على تصميم هذه الموائل بعناية لجذب أنواع معينة من الكائنات الحية، كاليعسوب والسلاحف والثعالب وطيور مالك الحزين، مع الحرص على اختيار أعماقٍ متغيِّرة للموائل المائية، ليجري فرشُها بالأشجار الميتة والحصى التي اختار علماء البيئة أحجامَها بشكل يتيح إنشاء بيئاتٍ دقيقةٍ لأنواع مختلفة، لتتكاملَ مع زراعة 5 آلاف شجرة و77 ألف شجيرة و2 مليون غرسة من النباتات العشبية التي تلعب دوراً مهماً في مواجهة الاحتباس الحراريّ.

سيعاد في المرحلة التالية تنظيم 600 هكتارٍ من الأراضي، لإنشاء حدائقَ تغطّي 64 هكتاراً، ومساكنَ ميسورة التكلفة، بارتفاعات كبيرة ومتوسطة، لاستيعاب حوالي 20 ألف مواطن، بالإضافة إلى طرقٍ جديدة وبنى تحتية أساسية ونظام سكك حديدية. ستنطلق هذه المرحلة بعد تأمين الدفعة الثانية من التمويل، حيث قاربت ميزانية المرحلة الأولى مليار دولار أمريكيّ. كما يتجه المشروع إلى إزالة مخاطر الفيضانات على امتداد 240 هكتاراً من الأراضي التي سيتم فتحُها.

ستتبقى 50 هكتاراً من الأراضي المعرّضة للفيضانات، لإدراجُها ضمن منظومة الإرث الطبيعيّ، رغم أنّ 8 هكتارات منها عبارة عن أراضٍ حَضَرية، إذ عبّر أبناء المجتمعات المحلية عن رغبتهم بوجود المساحات الطبيعية، ما دفع السلطات للبدء بإنشاء حديقة عامة ستفتح أبوابَها أمام الزوار في العام 2024، وستكون قادرةً على استيعاب 3 آلاف شخص، وستتيح أنشطةً مختلفةً كالمشي وركوب الدراجات والزوارق والاستمتاع بالمناظر الطبيعية.

خلال مراحل التنفيذ، واجه الفريق عدة تحديات، بما فيها الأجواء الشتوية الباردة التي صعّبت العمل الميدانيّ، إلى جانب التعامل مع كمياتٍ كبيرةٍ من الخرسانة، ناهيك عن الشروط القاسية التي فرضتها جائحة كوفيد-19.

من جانبٍ آخر، مثّلت التربة الملوّثة تحدياً كبيراً، وكذلك المياه الجوفية التي تراكمت على مدار 150 عاماً، والنشاط الصناعيّ المكثّف ضمن منطقة المشروع، والذي فرضَ مزيداً من الدراسات البيئية الدقيقة.

ولأنّ التخلص من التربة والمياه الجوفية خارج الموقع يعني ارتفاعاً للكلفة والبصمة الكربونية والتأثيرات المجتمعية، فقد شرعت هيئة الواجهة المائية باختبار الفعالية والجدوى الاقتصادية لتقنيات المعالجة المبتكرة للتربة والمياه ضمن الموقع.

مستقبلاً، ومن خلال إنشاء الأراضي الرطبة والموائل الجديدة، ستضمن سلطات تورونتو الحفاظَ على النظم البيئية وتنقيتَها واستعادةَ ما فُقد منها، ومعالجةَ حالات الترسُّب، واستيعابَ تقلُّبات الهطولات المطرية، وإنعاشَ الأنواع الحية المهددة، ما يعني احتواءَ آثار تغيّر المناخ.

بدورها، ستقدّم المنتزهات تجربةً غنيةً للسكان والسياح، كما سيوفّر المشروع ككل آلاف فرص العمل ويساهم بأكثر من 4 مليارات دولار في الاقتصاد الكندي.

بهذا، فإنّ الخطة التي بدأت كإجراءٍ دفاعيٍّ لبناء مقاومةٍ حقيقيةٍ وكاملةٍ في وجه الأعاصير والفيضانات، تحوّلت إلى أحد أكثر مشاريع التنمية الحَضَرية طموحاً.

المراجع:

https://www.ontario.ca/page/don-mouth-naturalization-and-port-lands-flood-protection-project

https://www.bloomberg.com/news/features/2022-07-27/is-toronto-s-port-lands-flood-protection-project-the-future-of-urban-resilience

https://trca.ca/conservation/green-infrastructure/don-mouth-naturalization-port-lands-flood-protection-project/

https://trcaca.s3.ca-central-1.amazonaws.com/app/uploads/2021/10/15121423/20210126_Treatment-Technology-Evaluation-Program-Final-Report.pdf

https://www.waterfrontoronto.ca/news?field_type_target_id=All&sort_by=created&page=2

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

الاستدامة

روتردام تستخدم التكنولوجيا الذكية لإنقاذ المدينة من الغرق

لتحويل موقعها الجغرافيّ المحاذي للبحر إلى نقطة قوة، رسّخت مدينة روتردام الهولندية مكانتها كمختبرٍ للإدارة الذكية للمياه، حيث تدمج التكنولوجيا والتصميم الأخضر لتخضير أسطح بيوتها وتحويلها إلى حدائق في مواجهة مخاطر الفيضانات.

حلول التبريد

لندن تبتكر حلاً لخفض درجات الحرارة في شبكة قطارات الأنفاق

في أحد أكبر شبكات في العالم، تعمل حكومة المملكة المتحدة على مقاربة مشكلة متجذِّرة، وهي ارتفاع درجات الحرارة ضمن الأنفاق، إلى أن توصّلت مؤخراً إلى حلٍّ مبتكرٍ يضخّ الهواء البارد بأذكى استغلالٍ للمساحة وأقلّ قدرٍ من متطلباتٍ الصيانة، بينما تسعى لتأمين التمويل اللازم لنشره على مستوى وطنيّ.

إدارة الكوارث

بنغلادش تطلق منصة رقمية لتعزيز منظومة إدارة الكوارث

بهدف مواجهة تبعات الكوارث الطبيعية في واحدةٍ من أكثر بقاع العالم تعرَّضاً لها، تعمل حكومة بنغلادش على بناء المرونة عبر منصةٍ رقميةٍ توفّر البيانات المتعلّقة بالظواهر المناخية وتقيِّم المخاطر وتوجّه المعنيّين إلى الإجراءات اللازمة.