تطوير نظام ذكي لإدارة النقل في مدينة “لونغ بيتش” الأمريكية

تتبنى رؤية مدينة "لونغ بيتش" أربعة مبادئ رئيسية، الأول هو "الإنصاف" في تقديم الخدمات لجميع المواطنين دون تمييز، بينما يتمثل المبدأ الثاني في "بناء الثقة" بين الحكومة والعامة عبر ضمان الشفافية والخصوصية، وكذلك مبدأَ "صقل الخبرات المحلية وتعزيز الشراكات" مع فئات المجتمع كافة وخصوصاً القطاع الخاص، وأخيراً تتضمن الرؤية مبدأَ "المرونة" في الاستجابة للتحديات الراهنة.

شارك هذا المحتوى

استجابةً لمتطلبات قطاع النقل في مرحلة ما بعد الجائحة، أطلقت مدينة “لونغ بيتش” الأمريكية شراكةً بين القطاعَين الحكومي والخاص لتطوير أنظمة تكنولوجيا النقل وتبني نظام ذكيّ لإدارة تقاطعات المدينة وإشارات المرور فيها، بهدف تحسين حركة المرور وخفض الأثر البيئي لقطاع المواصلات.

باتت الحاجة إلى ابتكار طرقٍ ذكيةٍ وآمنةٍ ومستدامةٍ لتنظيم النقل أولويةً ملحةً لدى حكومات العالم كافةً، لما يشهده العالم من تحديات ديموغرافية كتضخم أعداد السكان والتوجُّه المتزايدٍ نحو الحياة الحَضَرية، وتحديات بيئية كأثر انبعاثات المدن على الاحتباس الحراري. وقد ظهرت التكنولوجيا كأحد الحلول المثالية لمواجهة تلك التحديات لدى حكومة مدينة “لونغ بيتش” بولاية كاليفورنيا الأمريكية، حيث أطلقت مبادرة “المدينة الذكية” التي تهدف إلى توظيف البيانات والتكنولوجيا بوصفها أدواتٍ استراتيجيةً لتطوير قطاع النقل والمواصلات وتحسين حياة السكان.

وتتبنى رؤية مدينة “لونغ بيتش” أربعة مبادئ رئيسية، الأول هو “الإنصاف” في تقديم الخدمات لجميع المواطنين دون تمييز، بينما يتمثل المبدأ الثاني في “بناء الثقة” بين الحكومة والعامة عبر ضمان الشفافية والخصوصية، وكذلك مبدأَ “صقل الخبرات المحلية وتعزيز الشراكات” مع فئات المجتمع كافة وخصوصاً القطاع الخاص، وأخيراً تتضمن الرؤية مبدأَ “المرونة” في الاستجابة للتحديات الراهنة.

وضمن هذه الرؤية، انطلق مشروع قائم على شراكة بين حكومة المدينة وشركاتٍ خاصة، كان من أهم مساهميها من القطاع الحكومي وزارةُ التكنولوجيا والابتكار ووزارةُ الأشغال العامة ووزارةُ التنمية الاقتصادية، بينما تمثّل القطاع الخاص بشكل رئيسي في مساهمة شركة مرسيدس بنز للأبحاث والتنمية في أمريكا الشمالية. وتأتي هذه الشراكة أيضاً تماشياً مع برنامج “التطوير السريع للونغ بيتش”، إذ يدعم البرنامج جهود سلطات المدينة للعمل مع الشركات المحلية في مجال التكنولوجيا المتطورة والتأثير المَدَني وإيجاد فرصٍ لتعزيز مهارات الطلاب في مجالات “العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات” (STEM).

سيبدأ المشروع بفترةٍ تجريبيةٍ تستمر لـ10 شهور وتشمل عدة محاور، إذ سيتم أولاً اختبار نظامٍ ذكي للتحكم في التقاطعات المرورية، وتركيب إشاراتٍ مروريةٍ تستجيب للازدحام بشكل تلقائي، وذلك بغرض ضبط توقيت إشارات المرور لضمان أقصى درجات الأمان عند تقاطعات محددة في المدينة. وبالإضافة إلى دراسة حالات الازدحام والإبلاغ عنها، سيعمل النظام على توقعها مستقبلاً بناء على بيانات الحوادث وفترات الذروة مثل مواعيد بدء اليوم المدرسي وانتهائه، ثم سيستخدم هذه المعلومات لإعادة توجيه حركة المرور عبر تغيير جداول إشارات المرور وتعديل مدة الانتظار على تقاطعاتٍ محددة.

أما المحور الثاني، فسيتجه نحو توفير المعلومات الكفيلة بتحسين السياسات والقرارات المستقبلية للنقل وهندسة المرور، وذلك عن طريق أسطول قوامُه 50 مركبةً ذكية سيتم نشرها في أرجاء المدينة إلى جانب أجهزة استشعار وبرمجيات تعتمد على الذكاء الاصطناعيّ، ستعمل كلُّها على مراقبةِ حركة المرور وتسجيلِ البيانات في الوقت الفعلي ثم نقلِها إلى النظام الذكيّ لتحليلها. وبشكلٍ أساسيّ، ستقوم المركبات بمشاركة البيانات المتعلقة بموقعها، وهذه سمةٌ متوفرة في معظم السيارات المزودة بأنظمة الملاحة وتحديد المواقع، إلا أنّ ما يميز مشروع مدينة “لونغ بيتش” هو أنّ المركبات ستشارك البيانات مع بعضها البعض ومع البنية التحتية للمدينة، لتمكين المخططين والمهندسين وصنّاع القرار من استخدام البيانات المشتركة لقياس حالات الازدحام المروري بدقة، وكذلك حساب كمية الانبعاثات بناء على نوع المركبة والمسافة التي قطعتها.

وسيركز المحور الثالث من المشروع على إقامة ورش عمل مجتمعية لسكان “لونغ بيتش”، وخاصة فئة الشباب والطلاب. ومن الجدير بالذكر أنّ هذا المحور يبقى مرهوناً بتطورات الصحة العامة في المدينة، ففي ظلّ ما فرضته جائحة كوفيد-19 من إجراءاتٍ تتعلق بالسلامة، ستواجه السلطات تحدياً في إقامة تجمعاتٍ محدودةٍ ضمن شروط صارمةٍ تضمن سلامة المشاركين، كما ستركز على المجتمعات التي تعاني نقص الموارد لضمان مبدأ الإنصاف في تقديم المنفعة.

ولتفادي أي تحدٍّ يتعلق بالأمان والخصوصية وإساءة استخدام بيانات المواطنين، التزم الشركاء بالاستخدام المسؤول للبيانات، الأمر الذي يشكّل أولويةً قصوى لديهم. إذ التزم شركاء القطاع الخاص بعدم مشاركة أي بياناتٍ باستثناء الخاصة بمركبات الاختبار مع الإشعارات والموافقات الضرورية ذات الصلة، أما البيانات التي ينبغي مشاركتُها مع أطراف أخرى، فستكون مجهولة المصدر وعامةً إلى الحد الأقصى بحيث يتعذّر تتبّع المركبات بشكلٍ فرديّ.

وبما أن المشروع ما يزال في مرحلة التطوير، لم يتمّ بعد اختيار الموقع الذي ستتم فيه اختبار الابتكارات طوال الفترة التجريبية، ولكن في نهاية هذه الفترة، سيتم إجراء تقييم أكثر شمولاً، بعد استكشاف التحديات الأخرى والفرص المتاحة والأثر الذي يحققه المشروع لدراسة إمكانية تطبيقه على نطاق أوسع.

إنّ إمكانية التنبؤ بحركة المرور وتحديث نظام إدارة الطرق للتأقلم معها سيساهم في توفير الطاقة التي تستهلكها المركبات وأجهزة إدارة المرور معاً، مما سيحقق أثراً إيجابياً على جودة الهواء في المناطق الحضرية المزدحمة، كما ستجعل منظومة النقل أكثر كفاءةً ومواءمةً للسيارات الكهربائية.

من خلال الشراكة بين القطاعين الحكومي والخاص، تسعى سلطات “لونغ بيتش” لوضع المدينة في طليعة تقنيات النقل الناشئة، ولتعزيز مهارات القوى العاملة فيها، ولتأكيد التزامها ببناء نظامٍ بيئيٍ قائمٍ على خفض انبعاثات الاحتباس الحراري. إلى جانب ذلك، سيتيح المشروع أمام الطلاب فرصاً عديدة للتعلم والتجريب ويقدم دراسات حالة في مجالات “العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات”، وسيعكس رؤية المدينة لتبني التكنولوجيا الرقمية وبناء المهارات الرقمية في عالم الإنترنت.

المراجع:

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

إنترنت الأشياء

سيؤول تنشر خدمات المدينة الذكية لتعزيز السلامة والرفاهية

في المنافسة الآسيوية، سبق لعاصمة كوريا الجنوبية أن احتضنت مبادراتٍ ذكية كما خلال جائحة كوفيد-19، حيث أعدّت السلطات، في محاولة منها للحفاظ على استمرار الخدمات مع إبقاء الاتصال البشريّ في حدوده الدنيا، أجهزةً ذكيةً تنجز مهام عديدةً آلياً ومن دون تلامس. بالنسبة لكبار السن، كانت هذه النقلة مفاجئةً، فواجهوا معوِّقاتٍ كثيرةً عند محاولة استخدام الأكشاك والأجهزة الرقمية، أشياء من قبيل حجم الخط في التطبيقات، أو إرشادات الاستخدام المُبهمة، أو صعوبة مواكبة هذه التطورات الرقمية المَهولة.

إندونيسيا

كيف تعمل إندونيسيا على تحسين الوضع الاقتصادي للمجتمعات الريفية

في إندونيسيا، لا يمكن للجميع الوصولُ إلى الإنترنت، فالدولة تفتقر للبنى التحتية وتعاني محدودية الخيارات السلكية واللاسلكية. وقد أشارت إحصائيات العام 2019 إلى وجود أكثر من 12 ألف قريةٍ تفتقر لإنترنت الجيل الرابع، و94 مليون راشدٍ إندونيسيّ عاجز عن استخدام الإنترنت، كما أنّ عدداً أكبرَ من السكان يفتقرون لخدمة الإنترنت الثابت عريض النطاق، فيما يعاني 60 إلى 70% من سكان شرق البلاد من تقلُّبات جودة الخدمة. والمؤشر الأهم هو أنّ 80% من هؤلاء يعيشون في الأرياف التي لا يمكن الوصول إليها عبر المترو، وتعتمد معظمُها على الأقمار الصناعية محدودة القدرة على معالجة البيانات.

الهند تستخدم الذكاء الاصطناعيّ لتعزيز سلامة الطُرُقات

وضعت الحكومة الهندية هدفَ تخفيض عدد الوفيات إلى النصف بحلول العام 2030، واستهلّت هذا المسعى بإطلاق مشروع باسم “الحلول الذكية للسلامة الطرقية عبر التكنولوجيا والهندسة”، والذي جاء حصيلة تعاون عدة شركاء، كمبادرة الذكاء الاصطناعيّ الهندية، والمعهد العالي لتكنولوجيا المعلومات بحيدر أباد، والمعهد المركزي لبحوث الطرق التابع لمجلس الأبحاث العلمية والصناعية، وشركاء من القطاع الخاص، والهيئة البلدية بمدينة “ناجبور”.