تصميم قائم على مبدأ الاستدامة في مطار جنيف الدولي

تصميم قائم على مبدأ الاستدامة في مطار جنيف الدولي

1 دقيقة قراءة
رغم البساطة التي يوحي بها الشكل الخارجيّ للجناح، فهو عبارةٌ عن مبنى عالي الكفاءة بطول 520 متراً على مستويَين من الزجاج والفولاذ، ويستطيع استيعاب قرابة 2800 راكب مغادر و3000 راكب وافد في الساعة. كما يخدِّم 6 طائراتٍ عبر جسورٍ جويةٍ ناقلة جديدة، وهي الممرات التي يعبرها المسافرون من مبنى الركاب إلى باب الطائرة. وتنقسم المنشأة إلى مساحاتٍ مخصصةٍ للإقلاع وأخرى للهبوط وثالثةٍ للنقل، إلى جانب نقاطٍ تابعةٍ لأمن الحدود وصالاتٍ جديدةٍ لشركات الخطوط الجوية المختلفة.
شارك هذا المحتوى

أضف إلى المفضلة ♡ 0

نحو دمج مبادئ الاستدامة في التصميم الحضري، أطلقت إدارة مطار جنيف الدولي جناحاً جديداً برؤية مستقبليةٍ تستخدم مصادرَ الطاقة المتجددة لخفض الأثر السلبي للمبنى على المناخ، كألواح الطاقة الشمسية ومنظومة تكرير المياه والمضخات الحرارية، ليكون أكثرَ جناحٍ صديق للبيئة في العالم.

ويعود مشروع تصميم جناح مطار جنيف الدولي الجديد إلى التزام سويسرا بالمساعي العالمية الهادفة لمواجهة تغير المناخ وتبني إجراءاتٍ صديقةٍ للبيئة. حيث انطلقت فيها مبادرةُ الاتحاد النموذجيّ للطاقة في العام 2006. بمشاركات من قطاعاتٍ مختلفة، ركّزت المبادرة على مجالات الأبنية والتنقُّل ومراكز البيانات والتكنولوجيا الخضراء وتعزيز استخدام الطاقات المتجددة بدل الوقود الأحفوريّ، وهي تهدف لزيادة كفاءة الطاقة ضمن الإدارة الفيدرالية والشركات الحكومية بنسبة 25% بحلول العام 2020، وقد فاقت هذه النسبة 30% في العام 2018. 

من أهم المشاركين العشرة في هذه المبادرة، يأتي مطار جنيف الدولي، ثاني أكبر مطار في سويسرا وأحد المراكز المالية في أوروبا. وقد استطاعت إدارتُه منذ العام 2009 توفيرَ قرابة 9.9 غيغاواط ساعيّة، ما يعادل الاستهلاك السنوي لـ 4200 أسرة. لكنّ المطار يتضمّن جناحاً قديماً يعود للعام 1975، ويُستخدم لطائرات بوينغ 747 طويلة المدى. ومع مرور الوقت، أصبح الجناح الذي بُني أساساً كحلٍّ مؤقت، قديمَ الطراز وبتصميمٍ غير مؤهَّلٍ لإدماج التقنيات الحديثة ولا يلبّي المتطلبات البيئية ولا معاييرَ مواجهة تغير المناخ.

لذلك، موّل مطار جنيف تصميماً تقدُّمياً أُعِدَّ لاستبدال الجناح القديم بآخرَ حديث ضمن مشروعٍ موزَّعٍ على 4 مراحل، حيث تعاونت عدة شركاتٍ معماريةٍ مع إدارة المطار لإنجازه، وقد تجاوز عددها 40 شركة.

وقد استغرق إنجاز المشروع عدة سنوات حتى تم افتتاح الجناح الشرقي الجديد مؤخراً في عام 2021 الذي يمثِّل مقاربةً طموحةً تهدف إلى تخفيض الطاقة التشغيلية باعتماد التصميم السلبي والأنظمة الفعّالة لتقليل الطلب على الطاقة وتحقيق أقصى توظيفٍ لمصادر الطاقة المتجددة ليكون الإنتاج أكبر من الاستهلاك.

رغم البساطة التي يوحي بها الشكل الخارجيّ للجناح، فهو عبارةٌ عن مبنى عالي الكفاءة بطول 520 متراً على مستويَين من الزجاج والفولاذ، ويستطيع استيعاب قرابة 2800 راكب مغادر و3000 راكب وافد في الساعة. كما يخدِّم 6 طائراتٍ عبر جسورٍ جويةٍ ناقلة جديدة، وهي الممرات التي يعبرها المسافرون من مبنى الركاب إلى باب الطائرة. وتنقسم المنشأة إلى مساحاتٍ مخصصةٍ للإقلاع وأخرى للهبوط وثالثةٍ للنقل، إلى جانب نقاطٍ تابعةٍ لأمن الحدود وصالاتٍ جديدةٍ لشركات الخطوط الجوية المختلفة.

تشغيلياً، يعتمد المبنى على مصادر الطاقة المتجددة، إذ يتم إنتاج الكهرباء عبر ألواحٍ كهروضوئيةٍ تغطي ما مجموعُه 7020 متراً مربَّعاً من سطح المبنى لامتصاص الطاقة الشمسية وتخزينِها، وهو مزوَّد بمنظومةٍ خاصةٍ لجمع مياه الأمطار بغرض إعادة استخدامِها، مع مضخّاتٍ حراريةٍ عالية الجودة تنتج وتخزِّن الطاقة الحرارية الجوفية عبر 110 ركيزةً تمتدُّ على عمق 300 متر. كما تتضمن البنية التحتية نظاماً لإعادة تدوير مياه الصرف الصحيّ لترشيد استهلاك المياه.

ولضمان وصول ضوء النهار إلى المباني الواقعة مباشرةً إلى الجنوب، تم تشييد المبنى بواجهاتٍ رئيسيةٍ من الزجاج بالكامل، وبزاوية ميل بلغت 26 درجة، حتي لا يؤدي ذلك لدخول أشعة الشمس بكثافةٍ قد تزعج روّادَ المبنى وتسببُ ارتفاع درجات الحرارة، وقد اختيرت الواجهات من الزجاج الثلاثيِّ عالي الأداء لتأمين عزلٍ حراريٍّ جيد وحمايةٍ إضافية.

وقد اختار المعماريون للمبنى هويةً بصريةً تميل إلى البساطة تتآلف فيها ألوان مختلفةٌ على الأرضيات والمقاعد والسلالم، وتطل على امتداد جبال "جورا".

وستتصل المنظومة الحرارية مستقبلاً، بالشبكة الحرارية المائية التي تقدِّمها هيئة الخدمات الصناعية في جنيف، وبذلك يتم الحصول على الطاقة عبرَها لثلاثين عاماً قادمة. كما سيجري استخدام مياه بحيرة جنيف لأغراض التدفئة والتكييف اعتباراً من العام 2023، حيث سيتم سحب المياه من البحيرة على عمق 45 متراً، ثم نقلُها إلى المباني عبر أنابيب تحت الأرض، وستتكفّل هذه المياه بتبريد المباني صيفاً، أما شتاءً، فستتكامل مع المضخات الحرارية لتمكين النظام من إنتاج طاقة التدفئة. وقد خصصت إدارة المطار 80 مليون فرنك سويسري لهذا الاستثمار، وبدأت بالفعل ببناء محطةٍ حراريةٍ تمتدّ على مساحة 1900 مترٍ مربع. وما سيُنتَجُ من طاقةٍ فائضةٍ عن الحاجة، فسيُعاد ضخُّه في الشبكة، ضمن اتفاقٍ ينظمُه عقدٌ أبرمه الطرفان لإعادة شراء الطاقة.

واجه الفريق التنفيذيّ تحدياتٍ كثيرةً للوصول إلى رؤية مشتركةٍ واضحةٍ وشفافةٍ لمُنجزٍ معماريٍّ يجمع البساطة والحداثة والاستدامة في آنٍ واحد، فقد فرضت طبيعة الموقعِ مثلاً بعض القيود، وألزمت المصممين بتعديل شكل الجناح الشرقيّ ليكون متوازي أضلاعٍ يبدو للناظر وكأنه يطفو فوق طريق الخدمات.

توفِّر الركائز الحرارية تحت الأرضية 90% من أحمال تكييف المبنى وتبريده، فتتكامل مع الواجهات الزجاجية التي تسهم بدورِها في الحدِّ من استخدام الإضاءة الصناعية، كما يساعد العزل الحراري في تقليص بصمة الطاقة المنبعثة من المبنى.

عبر الانضمام لجهود بناء الشبكة الحرارية المائية، سيوفّر مطار جنيف مليوني لترٍ من النفط سنوياً، وإزاحة عبء آثارها البيئية على المناطق الطبيعية المحيطة به، كما سيخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بمقدار 5300 طنٍّ سنوياً. وبهذا، سيفي مطار جنيف بالتزامه بتشغيل بناه التحتية ومنشآته بالكامل بالطاقة المتجددة بحلول العام 2025 ويقطع خطوةً كبرى نحو سياسةٍ حقيقيةٍ للتنمية المستدامة.

المراجع:

اشترك في منصة ابتكر لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والمساقات والأدوات والابتكارات الحكومية
قم بالتسجيل
أشترك في القائمة البريدية لمنصة ابتكر | كل أسبوع
القائمة البريدية للمبتكرين
نشارك أكثر من 20,000 مبتكر أسبوعياً نشرة أخبارية ترصد الابتكارات العالمية من كافة أنحاء العالم
Subscription Form (#8)
المزيد من ابتكر

دروس مستفادة من تجربة كيب تاون في تجنب أزمة المياه

تحرصُ المدن الكبرى على التخطيط والاستثمار لضمان توفير أهم مورد طبيعي لسكانها، وهو المياه، خاصة في ظل التحديات التي يفرضها تغير المناخ، الذي يؤثر سلباً على صعيدين. فهو يؤدي إلى شح المياه، وهو أيضاً يساهم في تعجيل التضخم السكاني بسبب الهجرة المتنامية لسكان القرى والأرياف نحو المدن، مع تراجع الظروف المناخية المناسبة التي تعتمد عليها الزراعة في بعض المناطق. في هذا السياق، تشكل مدينة كيب تاون حالة بارزة تستحق الدراسة في مواجهة هذا التحدي.

 · · 8 مايو 2024

نظم الإنذار المبكر: دروس من اليابان والصين لمواجهة الكوارث الطبيعية

في ظل الزيادة المتنامية في حدة ووتيرة الكوارث الطبيعية حول العالم خلال العقود الماضية، خاصة تلك المرتبطة مباشرة بتغير المناخ، أطلقت الأمم المتحدة في العام الماضي مبادرة "الإنذار المبكر للجميع" كإطار عمل لضمان حماية كل إنسان من خلال نشر نظم الإنذار المبكر بنهاية عام 2027. وبينما تتضافر الجهود لوضع الخطط وكيفية التعامل مع التحديات الكبيرة التي ستواجه هذه المبادرة، هناك تجارب مبتكرة ومتقدمة ثبت نجاحها في كل من اليابان والصين في هذا المجال، من شأنها المساهمة في تصميم استراتيجيات ونظم الإنذار المبكر حول العالم، ودعم مبادرة الأمم المتحدة بأفضل الممارسات.

 · · 8 مايو 2024

فرنسا تقدم علامة وطنية لمكافحة هدر الطعام

بدافع الالتزام البيئيّ والمسؤولية الاجتماعية، تسعى الحكومة الفرنسية لاحتواء ظاهرة هدر الغذاء عبر تثقيف المستهلكين بوصفهم مفتاح حلّ المعادلة، وسنّ قوانين تلزم المؤسسات بالتبرّع بالأغذية الفائضة، ومنح العلامة الوطنية للجهات التي تبذل جهداً أكثر تفانياً في رحلة مكافحة الهدر.

 · · 21 أبريل 2024

دروس في الاقتصاد الدائريّ نستقيها من التجربة الفنلندية

في سعيها للحد من استخدام الموارد الطبيعية وتحقيق الحياد المناخي بحلول العام 2035، انطلقت فنلندا في رحلة الاقتصاد الدائريّ بعد أن رسمت خريطة طريقٍ واضحةً تتعاون فيها القطاعات، وتنظِّمها سياساتٌ منفتحة، ويدعمها مجتمعٌ محليّ تتم تَنشِئَتُه على ثقافة الاستدامة.

 · · 29 يناير 2024

مدن توظف تحليل البيانات للتصدي لظاهرة التشرّد

بعد سنواتٍ من مكافحة ظاهرة التشرّد، بدأت بعض الحكومات المحلية في بريطانيا وأمريكا بالنظر إلى القضية من زاويةٍ مختلفة. وبدلاً من البحث عن المتشرّدين في الشوارع لنقلهم إلى الملاجئ، باتت تستخدم النمذجة وتحليلات البيانات للتنبّؤ بأولئك المُهدَّدين بالتشرّد ومساعدتهم قبل أن يخسروا أمانَهم.

 · · 29 يناير 2024
magnifiercrossmenuchevron-downarrow-right