تسخير الذكاء الاصطناعيّ لفحص أمراض العين في سنغافورة

شارك هذا المحتوى

لتعزيز عمليات تسخير التكنولوجيا في القطاع الصحي، قام فريق من الباحثين السنغافوريين بتطوير نظام يعمل بالذكاء الاصطناعيّ، ويقوم بفحص صور العين للمصابين بالسكريّ لتشخيص الإصابة باعتلالات العين بشكلٍ يقلل من الجهد البشريّ اللازم لإجراء تلك الفحوص بنسبة 70%، ويختصر مدّتها إلى دقائق.

وفي هذا السياق، تعمل سنغافورة، الدولة الرائدة في توظيف التكنولوجيا، على تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعيّ، الهادفة لتأسيس نظامٍ شاملٍ للذكاء الاصطناعيّ في الدولة. حيث تستهدف الاستراتيجية 5 قطاعات حكومية، ومن أهمها منظومة الرعاية الصحية. وتهدف الحكومة من خلال هذه الجهود إلى خفض الإنفاق وتحسين مخرجات القطاع الصحي، لا سيما مع زيادة الضغط على الكوادر الطبية نظراً لما تتعرض له سنغافورة من تحديات ناجمة عن ظاهرة شيخوخة السكان. وتتجه الجهود إلى معالجة القضايا الصحية الملحّة والمتمثِّلة في تزايد انتشار الأمراض المزمنة ومضاعفاتِها، وفي مقدِّمتها ارتفاع ضغط الدم والسكريّ. ويُعَدُّ الأخير أسرعَ الأمراض المزمنة نمواً على الإطلاق، حيث يتعايش معه مئات الملايين حول العالم، ويلقي على حياتهم آثاراً سلبية جمّة.

ويُعتبر اعتلال الشبكية السكريّ أحد آثار مرض السكريّ الخطيرة، فهو السبب الأول لفقدان البصر لدى البالغين حول العالم. ويحتاج تشخيص هذا الاعتلال فحوصاً دقيقةً يقوم بها اختصاصيون، باستخدام أجهزةٍ ومعداتٍ متقدمة لا تتوافر بالضرورة في كلّ مكان.

وفي سنغافورة حالياً، تٌجرى هذه الفحوص من قبل خبراء مدرَّبين على قراءة صور العين في مركزٍ طبيٍّ بمستشفى “تان توك سينغ” (TTSH) وفي “مركز سنغافورة الوطني للعيون” (SNEC)، حيث يعمل أقل من 10 موظفين على قراءة أكثر من أربعة آلاف صورةٍ يومياً باستعراضها على شاشةٍ في غرفة مظلمة. ولا يُسمح لهم عادةً بالعمل لأكثر من نصف يوم، فالعملية شاقة ومتعبة وتستغرق وقتاً طويلاً.

ولتسهيل هذه الفحوصات، قام فريق بحثيّ من “معهد سنغافورة لأبحاث العيون” (Seri) التابع لمركز سنغافورة الوطني للعلوم مع كلية الحوسبة بجامعة سنغافورة الوطنية (NUS) على تطوير نظام تعلُّم آليّ حمل اسم “سيلينا+” (Selena+) يتولى مهام التشخيص التي تتم بالعادة في مرحلة الفحص الأوليّ. حيث تنقسم عملية تشخيص مرض اعتلال الشبكية السكري إلى 3 مراحل، يقوم الموظفون في المرحلة الأولى باستبعاد نصف صور العين لمرضى السكري التي يتم إرسالها لمركز التشخيص لعدم تحري أي دلائل على وجود المرض، ليجري في المرحلة الثانية تدقيق النصف الآخر مع 10% من الصور التي استبعدت لخلوها من الأعراض. وفي حالة عدم الوصول لتشخيص نهائيّ، تُرسل قرابة 5% من الصور إلى طبيب عيونٍ مختص لقراءَتها.

وقد حصل نظام “سيلينا+” على الترخيص للانطلاق محلياً بعد إعداد برمجيات الذكاء الاصطناعيّ الخاصة به، وهو مُدرب على تحليل صور شبكية العين بعد مسحِها ضوئياً بحثاً عن أي أعراضٍ لاعتلال الشبكية السكريّ.

تستطيع التقنية رصدَ أعراض 3 اعتلالاتٍ عينيةٍ ناتجة عن مرض السكري، أولها البقع الصفراء والحمراء في الشبكية والتي تشير إلى اعتلال الشبكية السكريّ، ثم وجود دلائل على مرض “الزَّرَق” الذي يصيب العصب البصري، وأخرى تدل على بعض أمراض العين المرتبطة بالسن.

ولإعداد قاعدةٍ مرجعيةٍ للنظام، زوَّده الباحثون بأكثر من نصف مليون مجموعة لبيانات جُمِعَت من البرنامج السنغافوريّ المتكامل لاعتلال الشبكية السكريّ الذي انطلق في العام 2010 لتوفير الفحص العينيّ لمرضى السكريّ في البلاد.

ولإجراء الفحص، تعمل كاميرات رقمية مزودةٌ بعدساتٍ متخصصة تُسمى “كاميرا قاع العين” على التقاط صورٍ لعيون المرضى، ليتمّ نقل الصور على حاسوبٍ حُمِّلَ عليه نظام “سيلينا+” الذي يتيح لخوارزميات الذكاء الاصطناعيّ إجراء التقييم. كما يستخدم النظام تقنية التعلُّم الآلي، أي أنّ نتائجه تزداد دقةً مع ازدياد مخزون الصور التي حلّلها.

في حين ما يزال الذكاء الاصطناعيّ تقنيةً ناشئة، يثير العديد من الخبراء الشكوك حول خصوصية الأفراد وخصوصاً في مجال الرعاية الصحية. ولمواجهة هذا التحدي، تعمل السلطات على إنشاء إطار عملٍ خاصٍ بالقطاع الصحيّ ليكون مكمِّلاً لإطار عمل حوكمة الذكاء الاصطناعيّ الذي وضعته لجنة حماية البيانات الشخصية، والذي انطلق العام الماضي.

ومن مميزات خاصية الذكاء الاصطناعيّ إنها تتسم بالدقة وموثوقية الأداء، ويمكن لهذا الابتكار دعم جهود القطاع الصحي في مواجهة مرض السكريّ وتداعياته، مثل رصد تغييرات الأوعية الدموية في الشبكية للاستدلال على حالة القلب والدورة الدموية أو رصد تضيُّقاتِ هذه الأوعية لتشخيص ارتفاع ضغط الدم. وبالتالي، يمكن استخدام نتائج التحليلات الآلية مع المؤشرات السريرية والبيولوجية لإنشاء نموذجٍ تنبؤيٍّ لتقييم المخاطر الصحية على مستوى الدولة.

وحسب الاختبارات الأولية، استطاع نظام “سيلينا+” اختصار مدة الفحص العينيّ من ساعة إلى 3 دقائق وإظهار النتائج مباشرة في حال كانت “طبيعية”، بحيث يمكن للجميع، حتى أبناء المناطق الريفية النائية، الخضوع للفحوصات المبكرة للوقاية من العمى السكري وتلقي النتائج بشكلٍ شبه فوريّ.

ومن المتوقع أن يتم اعتماد هذا النظام في جميع أنحاء سنغافورة بعد نيل الموافقة التنظيمية من هيئة العلوم الصحية، والتي ستجعله أولَ منتج ذكاء اصطناعيّ يُستخدم لإجراء الفحوصات الطبية من قبل نظامٍ صحيٍّ وطنيٍّ. وعلى أمل نشر التجربة في بلدان أخرى، عمل المطورون على برمجة الخوارزميات والواجهة لتكون قابلةً للتكييف مع لغات مختلفة.

كما يمكن مستقبلاً استخدام الذكاء الاصطناعيّ لوضع خطط العلاج ودعم فرق الرعاية الأولية، وهذا جزء من خطط سنغافورة للسنوات القادمة التي خُصِّصت لتحقيق أفضل استفادةٍ من الذكاء الاصطناعيّ وترقية الرعاية الصحية الأولية.

المراجع:

https://www.snec.com.sg/news/tomorrows-medicine/an-ai-for-the-eye-new-tech-cuts-time-for-spotting-signs-of-diabetic-eye-disease

https://www.ihis.com.sg/Project_Showcase/Healthcare_Systems/Pages/boosting-health-ai-capabilities-to-better-patient-outcomes.aspx

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

إنترنت الأشياء

سيؤول تنشر خدمات المدينة الذكية لتعزيز السلامة والرفاهية

في المنافسة الآسيوية، سبق لعاصمة كوريا الجنوبية أن احتضنت مبادراتٍ ذكية كما خلال جائحة كوفيد-19، حيث أعدّت السلطات، في محاولة منها للحفاظ على استمرار الخدمات مع إبقاء الاتصال البشريّ في حدوده الدنيا، أجهزةً ذكيةً تنجز مهام عديدةً آلياً ومن دون تلامس. بالنسبة لكبار السن، كانت هذه النقلة مفاجئةً، فواجهوا معوِّقاتٍ كثيرةً عند محاولة استخدام الأكشاك والأجهزة الرقمية، أشياء من قبيل حجم الخط في التطبيقات، أو إرشادات الاستخدام المُبهمة، أو صعوبة مواكبة هذه التطورات الرقمية المَهولة.

إندونيسيا

كيف تعمل إندونيسيا على تحسين الوضع الاقتصادي للمجتمعات الريفية

في إندونيسيا، لا يمكن للجميع الوصولُ إلى الإنترنت، فالدولة تفتقر للبنى التحتية وتعاني محدودية الخيارات السلكية واللاسلكية. وقد أشارت إحصائيات العام 2019 إلى وجود أكثر من 12 ألف قريةٍ تفتقر لإنترنت الجيل الرابع، و94 مليون راشدٍ إندونيسيّ عاجز عن استخدام الإنترنت، كما أنّ عدداً أكبرَ من السكان يفتقرون لخدمة الإنترنت الثابت عريض النطاق، فيما يعاني 60 إلى 70% من سكان شرق البلاد من تقلُّبات جودة الخدمة. والمؤشر الأهم هو أنّ 80% من هؤلاء يعيشون في الأرياف التي لا يمكن الوصول إليها عبر المترو، وتعتمد معظمُها على الأقمار الصناعية محدودة القدرة على معالجة البيانات.

الهند تستخدم الذكاء الاصطناعيّ لتعزيز سلامة الطُرُقات

وضعت الحكومة الهندية هدفَ تخفيض عدد الوفيات إلى النصف بحلول العام 2030، واستهلّت هذا المسعى بإطلاق مشروع باسم “الحلول الذكية للسلامة الطرقية عبر التكنولوجيا والهندسة”، والذي جاء حصيلة تعاون عدة شركاء، كمبادرة الذكاء الاصطناعيّ الهندية، والمعهد العالي لتكنولوجيا المعلومات بحيدر أباد، والمعهد المركزي لبحوث الطرق التابع لمجلس الأبحاث العلمية والصناعية، وشركاء من القطاع الخاص، والهيئة البلدية بمدينة “ناجبور”.