وكالات ضريبية تستعين بالذكاء الاصطناعي في التفتيش العقاري

وكالات ضريبية تستعين بالذكاء الاصطناعي في التفتيش العقاري

1 دقيقة قراءة
سعياً إلى الارتقاء في عمليات التقييم العقاري وتحسين عمليات ضبط المخالفات العقارية، ورغبةً في الحدّ من محاولات التهرّب من دفع الرسوم الضريبية الكاملة ورفع مستويات الامتثال، عمدتْ السلطات المحلية في مدن وبلدات أوروبيّة وأمريكيّة مختلفة إلى استخدام التصوير الجوّي المدعوم بتقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلّم الآلي وبتقنيات حديثة أخرى، في تفحّص العقارات وتقييمها، ومن ثمّ فرض الرسوم الضريبية المناسبة على أصحابها.
شارك هذا المحتوى

أضف إلى المفضلة ♡ 0

سعياً إلى الارتقاء في عمليات التقييم العقاري وتحسين عمليات ضبط المخالفات العقارية، ورغبةً في الحدّ من محاولات التهرّب من دفع الرسوم الضريبية الكاملة ورفع مستويات الامتثال، عمدتْ السلطات المحلية في مدن وبلدات أوروبيّة وأمريكيّة مختلفة إلى استخدام التصوير الجوّي المدعوم بتقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلّم الآلي وبتقنيات حديثة أخرى، في تفحّص العقارات وتقييمها، ومن ثمّ فرض الرسوم الضريبية المناسبة على أصحابها.

كيف يمكن أن يتصرف المفتش العقاري في بلديّة معيّنة، إذا كانت سجلاته الرسمية تدل أنّ فيلّاتها تحتوي على 324 حوضاً للسباحة، لكنه اكتشف عبر خرائط "غوغل" أنّ فيها 16974 حوض سباحة بالفعل؟ هذا ليس سؤالاً افتراضياً، بل واقعي حدث في اليونان، كما إنه ليس سؤالاً يتعلق بالمخالفات البلديّة فحسب، بل أيضاً وأساساً بالضرائب العقارية.

فجباية الضرائب مثّلت عبر التاريخ مصدراً رئيسياً من مصادر دخل الدول وميزانياتها؛ تموّل منها مشاريعها الاجتماعية والخدمية، وتدعم خططها الاقتصادية والسياسية والعسكرية. وفي حين يكاد لا يختلف اثنان في أوروبا وأمريكا على أهمية فرض الضرائب على الأرباح وعلى الأنشطة الاقتصادية بمختلف أوجهها، فإن نسبة هذه الضرائب ومقاديرها والفئات التي تخضع لها هي على الدوام موضع خلاف سياسي وتجاذب اجتماعي.

وتعدّ ضريبة الأملاك العقارية واحدةً من الضرائب الأساسية التي يصعب تحصيلها من جهة، والتي لا ترقى إلى معايير الصناعة من جهة أخرى. فهي ضريبة سنوية يدفعها المالك، تُحتسب قيمتها في العادة كنسبة مئوية من القيمة التقديرية السوقية (التخمينية) للعقار، بيعاً أو تأجيراً.

بيد أنّ احتساب القيمة السوقية الراهنة للعقارات بدقّة كل عام أمرٌ متعذّر، فهذه القيمة لا تتغير فقط بتغير الأسواق، ومستويات العرض والطلب، بل وكذلك بتغير مواصفات هذه العقارات. فالعقارات أصول يطرأ عليها تعديل مستمر، وهذا ما يتطلّب خضوعها لعمليات تفتيش عقاري، يعاين فيها المفتشون البلديّون ما وقع عليها من تبدّلات، ويقرّرون قيمتها التقديرية الجديدة، وبالتالي مقدار ضريبتها، بعدما يبذلون جهداً مكثّفاً من حيث الوقت والعمل. وزاد كوفيد-19 الطين بلّة حين تعرقلت عمليات التفتيش المادي جرّاء الجائحة.

في البداية، ومنذ عقد تقريباً، استعانت بعض السلطات بالصور الجوية التي تلتقطها الطائرات منخفضة الارتفاع، والمسيّرات، والأقمار الصناعية، بما يساعد في تحقيق مستوى أعلى من الامتثال، وتقليل التسرب الضريبي العقاريّ من دون الاستغناء عن دور المفتش وعن زياراته الميدانية الدوريّة.

لكن مع تفشّي المخالفات، وأمام فشل أصحاب العقارات، لسبب أو لآخر، في الحصول على تصاريح لبناء أو لتعديل مواصفات عقاراتهم، أو قيامهم بتعديلات تختلف عن التصاريح حصلوا عليها، وجدت الوكالات الضريبية في فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة نفسها أمام خيارين: الأوّل هو توسعة فريق المقيّمين الذين يزورون الأراضي دوريّاً، وهو خيار مكلف، فضلاً عن أنّه لا يروق لدافعي الضرائب الذين لا يحبّون الزيارات المتكررة من المقيّمين والمفتّشين، لأنها توحي بانعدام الثقة. فيما تمثّل الخيار الثاني في الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في تحليل الصور الجويّة، وتمييز الأراضي والأملاك التي طرأت عليها تغييرات، بعد مقارنتها آليّاً بالصور السابقة. ويمكن بعد ذلك تصنيف الأراضي تبعاً للتغيير المكتشَف (مبنى جديد، توسعة، حوض سباحة، بناء كوخ أو حظيرة في حديقة المنزل، إلخ).

لا تتوصل هذه التقنيات فقط إلى رسم خريطة تعديلات توضع بين يديّ فرق التفتيش البلديّ في البلدات والمقاطعات، للتخطيط لزيارات التقييم على الأرض، بل إنها تمضي إلى أكثر من ذلك، فتتواصل مع البرمجيات التي تستخدمها وكالات الضرائب، بحيث تبلّغها بهذه التعديلات، وبلائحة العقارات ذات الأولويّة التي يتعيّن على مأموري الضرائب تركيزُ انتباههم عليها، واتّخاذ الإجراءات اللازمة.

في فرنسا، تشير تقديرات العام 2020 إلى وجود حوالي 3.2 مليون حوضِ سباحة خاصٍّ، بعدما ارتفعت وتيرة الأعمال الإنشائية في المنازل جرّاء توجّه المزيد من الأشخاص للعمل انطلاقاً من بيوتهم في فترات الإغلاق التي صاحبت جائحة كوفيد-19، ونظراً لارتفاع درجات الحرارة صيفاً. ثمّ تفاقم الوضع حتّى باتت ملكية أحواض السباحة الخاصة مسألةً اجتماعية مثيرة للجدل، إثر جفافٍ تاريخي شهدته البلاد هذا العام، أدى إلى انخفاض منسوب المياه في الأنهار، وبعدما تسببت موجة الحر صيفاً بفرض قيود على استخدام المياه.

إثر ذلك، انطلق في أكتوبر الماضي مشروعٌ يستخدم الذكاء الاصطناعي والتعلّم الآلي في اكتشاف أحواض السباحة غير المصرّح بها، من خلال تحليل الصور التي يتيحها للعموم المعهد الوطني الفرنسي للمعلومات الجغرافية والغابات، أسفر عن جمع حوالي 10 ملايين يورو كضرائب إضافية، علماً أنّ المشروع مازال محدود النطاق، لم يحلّل سوى صور تغطي 9% فقط من مقاطعات فرنسا، عُثر فيها على 20356 حوض سباحة غير مصرّح به، وفقاً لإعلان سلطات الضرائب الفرنسيّة التي تنتظر أن يشمل المشروع العاصمة الفرنسية بكاملها لحصد 40 مليون يورو أخرى من الضرائب.

وفي ألمانيا، حيث نادراً ما يبلغ مالكو العقارات عن إضافة أو إزالة مناطق مبلّطة أو مسفلتة في عقاراتهم، تضطر سلطة مياه الصرف الصحي البلديّة إلى جمع البيانات وتسجيلها يدوياً، ثم التحقق من صحة المعلومات مع مالكي العقارات، وتضطر السلطات الضريبية من ناحية أخرى إلى عملية تقييم ضريبي كثيفة العمالة.

أمام هذا الواقع، بادرت بلديّة كولونيا إلى نشر حلّ مدعوم بالذكاء الاصطناعي، يجمع البيانات القائمة على الليدار، ويحلّلها بحيث يمكنه تلقائياً اكتشاف التغييرات في الأسطح المبلّطة أو المسفلتة التي تؤثر على تصريف المياه، وتحديد وتصنيف أسطح العقارات، والتعرّف على العوائق مثل الظلال والغطاء النباتي والسقوف المتدلية التي يمكنها أن تخلّ بعملية التقييم، ما يمكّن سلطة مياه الصرف الصحي في نهاية المطاف من حساب الضرائب بشكل أكثر كفاءة.

أمّا في الولايات المتحدة، وتحديداً في مدينة تونتون بولاية ماساتشوستس، فقد أصبحت عملية تقييم الضرائب العقارية فيها ذات تقنية عالية، مع توفر الصور الجوية بدقّة 3 بوصات، واستخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي للتعرف على أيّة إضافات عقارية جديدة، سواء كانت حظيرة أو حوض سباحة أو سقيفة أو إضافة طابق، أو حتى تجديد مطبخ. ومعها انخفض الوقت اللازم لفحص الأملاك العقارية بحثاً عن الأصول الخاضعة للضريبة من عدّة أيام إلى بضع دقائق.

لكنْ، وعلى الرغم من الفوائد الكبيرة التي تحققها هذه المبادرات للسلطات الضريبية، إلا أن الرأي العام حيال التصوير الجوّي ليس مواتياً، إذ لا ينظر الناس بارتياح إلى وجود مقيّمي ضرائب يتفحصون عقاراتهم من الأعلى بعيون الموافقة. لكن هذا ليس التحدي الوحيد الذي يواجه هذه الأدوات. فقد أشارت بعض التقارير المبكّرة إلى تحدّ فنّيّ آخر يتمثل في انخفاض جودة الصور الجوية نفسها، الأمر الذي يتسبب في ارتفاعٍ غير عاديّ في هامش الخطأ في برنامج التعلم الآلي، بنسبة 30%، ارتكب بسببه أخطاءً منتظمة في اكتشاف العناصر المضافة إلى العقارات، مثل تركيبات الألواح الشمسية.

فإجراء تحقيقات دقيقة باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي يتطلب تغذية النظام ببيانات مرئية دقيقة واضحة. وقد يكون الحصول على هكذا بيانات مكلفاً في الوقت الراهن، وغير مجدٍ اقتصادياً.

المراجع:

اشترك في منصة ابتكر لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والمساقات والأدوات والابتكارات الحكومية
قم بالتسجيل
أشترك في القائمة البريدية لمنصة ابتكر | كل أسبوع
القائمة البريدية للمبتكرين
نشارك أكثر من 20,000 مبتكر أسبوعياً نشرة أخبارية ترصد الابتكارات العالمية من كافة أنحاء العالم
Subscription Form (#8)
المزيد من ابتكر

سجل خوارزميات أمستردام لمعالجة التحيز في الذكاء الاصطناعي الحكومي

على الرغم من حداثة طرحها، وافتقارها لغاية الآن إلى قواعد تنظيمية وافية تحدّ من جوانب قصورها ومخاطرها، إلا أن تقنيات الذكاء الاصطناعي شهدت تبنّياً سريعاً وواسعاً في كلا القطاعين الحكومي والخاص. والتحيّز هو إحدى النقاط التي قد تعيب هذه التقنيات. لكن هناك مبادرة رائدة جديرة بالبحث والمتابعة طورتها العاصمة الهولندية أمستردام، كخطوة أولى للحد من ما يعرف بـ"تحيز الذكاء الاصطناعي" في تقديم الخدمات الحكومية، ذلك من خلال إنشاء سجلّ أو أرشيف للخوارزميات المستخدمة، سعياً لرفع مستوى الشفافية، والمساءلة وتوسيع نطاق المشاركة في تحسينها.

 · · 8 مايو 2024

سيؤول تطمح أن تكون مدينة الروبوتات العالمية

أمام ظاهرة شيخوخة السكان وانكماش الفئة العاملة، تتوجه حكومة العاصمة الكورية، سيؤول، إلى الروبوتات لسدّ فجوة العرض والطلب في الاقتصاد المحلي، فبدأت بتوظيف الروبوتات لتقديم الخدمات ودعم مشاريع مطوِّريها وإنشاء مركزٍ بحثيٍّ متخصِّصٍ لإجراء التجارب، لتكون بهذا مثالاً لدولةٍ تسخّر التكنولوجيا للتغلب على تحديات صعبة في رأس مالها البشري. غالباً ما تنتج أفضل الابتكارات عن […]

 · · 21 أبريل 2024

سنغافورة تعزز الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

كشفت السلطات في سنغافورة عن تطويرها لإطار عمل ومجموعة أدوات اختبار مبتكرة تساعد الشركات في مختلف القطاعات على تعزيز الحوكمة والشفافية والمساءلة في تطبيقاتها للذكاء الاصطناعي.

 · · 29 يناير 2024

التحول الرقمي للقطاع المالي البرازيلي يعزز الشمول المالي

تشهد البرازيل ثورةً في عالم التمويل الرقميّ وتزايداً في أعداد المنضمّين إليه، من خلال حملة إصلاح شاملة تقودها الحكومة، تكثِّف استخدام التكنولوجيا وتركّز على احتياجات العملاء وتجدِّد اللوائح وتطوِّر تطبيقات التحويل الفوري وتحمي مواطنيها من ارتفاع الفوائد وعمليات الاحتيال.

 · · 22 يناير 2024

كيف يساعد الذكاء الاصطناعيّ فِرَق الإطفاء الأمريكية

أمام أخطار كثيرة ومتنوعة تواجه رجال الإطفاء، من الأبنية الآيلة للانهيار إلى حالات الوهج الشديد التي قد تحدث في أي لحظة عند ارتفاع درجات حرارة الحرائق أو حرائق الغابات التي تلتهم كلّ ما في طريقها، لجأت عدة مدن أمريكية للذكاء الاصطناعيّ، بغية ترتيب أولويات هدم الأبنية القديمة، وإرشاد فِرَق الإطفاء في مهامها، والتنبؤ بحالات الانفجار الناتجة عن الحرائق الشديدة.

 · · 19 ديسمبر 2023
magnifiercrossmenuchevron-downarrow-right