تجربة كوريا الريادية في حلول الزراعة الذكية

بعد أن تبنّت كوريا الجنوبية الزراعةَ الذكية وسيلةً لمواجهة محدودية الموارد وتغيّر المناخ، تسعى اليوم لمشاركة تجربتها وتصدير ابتكاراتها التكنولوجية إلى العالم لحجز مكانةٍ في سوق المستقبل.

شارك هذا المحتوى

بعد أن تبنّت كوريا الجنوبية الزراعةَ الذكية وسيلةً لمواجهة محدودية الموارد وتغيّر المناخ، تسعى اليوم لمشاركة تجربتها وتصدير ابتكاراتها التكنولوجية إلى العالم لحجز مكانةٍ في سوق المستقبل.

بحلول العام 2050، سيبلغُ تعداد السكان العالميّ 10 مليارات نسمة، حقيقةٌ ستضع البشرية أمام خطر يهدد الأمن الغذائي حول العالم. مع تطور التكنولوجيا، تمكّن العلماء والخبراء من تطوير تقنياتٍ زراعيةٍ قادرةٍ على تأمين الغذاء بتكلفةٍ أقلّ وكمياتٍ أكبر لتغيِّر المعادلة التي سادت منذ نشوء الزراعة.

تتبنّى كلّ دولةٍ نموذجها الخاص في الزراعة وفقاً لأولوياتها واحتياجاتِها وإمكانياتِها. في كوريا الجنوبية، تسعى السلطات لتحقيق المزيج المثاليّ بين تلبية المتطلبات المحلية والحفاظ على الإرث الثقافيّ وتحقيق التطور التكنولوجيّ والتكيُّف مع الظروف والحفاظ على سبل عيش الريفيين، في بلدٍ تشكِّل الأراضي الصالحة للزراعة 22% من مساحته في مقابل 78% من المناطق الجبلية والحضرية.

لقد واجه الإنتاج الزراعيّ الكوريّ تحدّياتٍ كثيرة عبر السنوات، فوفقاً لإحصائيات العام 2019، تقلّصت نسبة المساحات المزروعة في كوريا بحوالي 29% منذ العام 1975، وصوحِبَت بارتفاع بنسبة 7.2% في مساحات البيوت البلاستيكية. تُعزى هذه الأرقام لعدة أسباب، كالتمدد الحَضَري والصناعيّ، والموارد المائية محدودة الكمِّ ومتدنّية الجودة، وتغيّر المناخ الذي يهدّد استقرارَ الإنتاج، علاوةً على الانكماش السريع للمجتمعات الريفية وشيخوخة أبنائها، حيث تجاوزَ 46% من المزارعين 65 عاماً، ما يعني خطراً حقيقياً يهدّد الأمن الغذائيّ. وحين شارك المزارعون في معرض التصدير الذي أُقيم مؤخراً، طلبوا المساعدة الحكومية في إيجاد مصادر مستقرةٍ للمبيعات واستراتيجياتٍ لمواكبة متطلّبات السوق دائمة التغيُّر وآلياتٍ لتخطّي العقبات القانونية والضريبية في الدول المستورِدة، إذ غالباً ما تكون مختلفةً أشدّ الاختلاف عن اللوائح المعمول بها في كوريا.

كلُّ هذا نبّه الحكومة الكورية، عبرَ وزارة الزراعة والأغذية والشؤون الريفية، إلى أهمية اللحاق بركب الثورة الجديدة التي حملت اسمَ الزراعة الذكية أو الرقمية، وتعني توظيفَ التقنيات الحديثة في كلِّ ما يتعلق بإنتاج المحصول وتوزيعِه، بدءاً بنثر البذار، وصولاً إلى إدارة سلاسل التوريد.

تقوم فكرة الزراعة الذكية على عناصرَ رئيسية، فهي تجمع بين تحليل البيانات الضخمة والخوارزميات وتكنولوجيا الاتصالات والمعلومات وإنترنت الأشياء والحوسبة الحَدِّيّة والسحابية ونُظُم المعلومات الجغرافية والروبوتات وصور الأقمار الصناعية والطائرات بدون طيار.

لتحقيق الريادة العالمية، وضعت الحكومة الخطط الاقتصادية الخمسية، ودعمت الحلول الشاملة في الزراعة الذكية، ولجأت إلى الاستثمار في رأس المال الاجتماعيّ في قطاع التكنولوجيا، وأطلقت النظام الوطنيّ للابتكار لتطوير الاقتصادات الإقليمية وقيادة البحث والتطوير.

ويعتلي تطويرُ النموذج الكوريّ للمزرعة الذكية سلّم أولويات صنّاع السياسات في الحكومة، حيث بدأت السلطات في العام 2018 بتشجيع الشركات الناشئة وإرساء البنى التحتية الصناعية، بينما تبحث إدارة التنمية الريفية التابعة للوزارة سبل تأمين التقنيات والاحتياجات اللازمة لإدارة عمليةٍ ذكيةٍ بالكامل.

وبينما ترعى الوزارة المزارعين الشباب لئلا يهجروا أعمالهم، وتسعى لإعادة ترويج الزراعة، سبق لها أن حدّدت العام 2022 كتاريخٍ نهائيّ لتحويل 7 آلاف هكتارٍ من الحقول والبساتين إلى جانب أكثر من 5700 مزرعةٍ للحيوانات إلى مرافق رقمية.

في السياق نفسه، تخطط الحكومة لتشكيل فريقٍ من المختصين من 8 مؤسسات حكومية زراعية وتجارية أبرزُها إدارةُ التنمية الريفية والهيئةُ الكورية لتعزيز التجارة والاستثمار، وذلك للعمل على تسريع تصدير الزراعة الذكية عبر جذب الاستشارات من القطاعين الحكوميّ والخاص، وتعزيز التقنيات الذكية الكورية ذات الشهرة العالمية، وتحقيق معايير التنافسية من حيث الجودة والكلفة، وإيجاد المشترين المحتملين في أيّ بلد، وتزويد الشركات المحلية بمعلومات السوق في تلك البلدان.

على سبيل المثال، تعاونت الوزارة في العام 2021 مع شركة رائدة، لبناء مزرعة ذكية في الإمارات العربية المتحدة، حيث اعتمد المشروع على نظام التبريد الضبابيّ الذي يقلل من استهلاك المياه فيحافظ على درجة حرارة مثالية لنمو المزروعات. كما استوردت الحكومة العُمانية حاويتين زراعيتين كوريتَي الصنع بطول 12 متراً لكلٍّ منهما لاستخدامهما في الزراعة الذكية للخضروات. وقد صدّرت كوريا 10 دفيئاتٍ ذكيةً للفلبين لبناء قدرات المزارعين المحليين وتدريبهم على استخدام التقنيات الحديثة لإنتاج الفطر والطماطم وغيرها من المحاصيل عالية القيمة.

لكنّ تكريسَ الزراعة الذكية كواقعٍ جديد يتطلّب تغييراتٍ جذريةً في نمط الحياة الريفية الذي يفرض تحديات كثيرة، فعلاوةً على مخاوف خصوصية البيانات والأمن السيبرانيّ وحماية الملكية، غالباً ما يواجه المزارعون في المناطق النائية صعوباتٍ في الوصول إلى الإنترنت، وهو العنصر الأول الذي يقوم عليه مفهوم المزرعة الذكية. لهذا، عملت الحكومة على إرساء بنية تحتية متطورة للاتصالات، فزادت سعة النطاق الترددي وعدد الخوادم الآمنة، حتى أصبح الوصول إلى الإنترنت متاحاً في منازل 99.5% من الكوريين.

لكنّ الاتصال بالإنترنت ليس كافياً، فالوصول إلى “مزرعة ذكية” يتطلب تقنياتٍ معقَّدةً ومكلفة، وقد يتطلّب تأهيلُ المزارع لتشغيلِها فترةَ تعلّم طويلة، وهذا ما قد يشكّل عبئاً على صغار المزارعين، وينمّي لديهم شعوراً بالرفض لهذه التكنولوجيا الجديدة.

يبقى النموذج الكوريّ للمزرعة الذكية مشروعاً طويل الأمد، ويُراد له أن يؤمّن تقنياتٍ مستقلةً مؤهّلةً للمنافسة العالمية في سوق الإنتاج الزراعيّ، وتكريس تجربةٍ قابلةٍ للتكرار في دولٍ أخرى، وقادرةً على اجتياز عوائق المناخ والديمغرافيا لتحقيق الأمن الغذائيّ والاستدامة.

المراجع:

https://www.koreatimes.co.kr/www/tech/2022/09/419_336030.html

https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S2666683921000778#:~:text=The%20Korean%20smart%20farm%20project,or%20simply%20imitating%20foreign%20advanced

https://www.agroberichtenbuitenland.nl/actueel/nieuws/2022/08/16/how-smart-is-south-koreas-smart-agriculture-time-for-an-upgrade

https://overseas.mofa.go.kr/no-en/brd/m_21237/view.do?seq=114

https://olc.worldbank.org/content/digital-ag-series-fostering-digital-agriculture-ecosystems-and-smart-farming-korea-case

https://www.kedglobal.com/agtech/newsView/ked202112070016

https://www.zawya.com/en/projects/industry/korean-consortium-awarded-first-smart-farm-project-in-oman-tm2pls9k

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

الاستدامة

روتردام تستخدم التكنولوجيا الذكية لإنقاذ المدينة من الغرق

لتحويل موقعها الجغرافيّ المحاذي للبحر إلى نقطة قوة، رسّخت مدينة روتردام الهولندية مكانتها كمختبرٍ للإدارة الذكية للمياه، حيث تدمج التكنولوجيا والتصميم الأخضر لتخضير أسطح بيوتها وتحويلها إلى حدائق في مواجهة مخاطر الفيضانات.

حلول التبريد

لندن تبتكر حلاً لخفض درجات الحرارة في شبكة قطارات الأنفاق

في أحد أكبر شبكات في العالم، تعمل حكومة المملكة المتحدة على مقاربة مشكلة متجذِّرة، وهي ارتفاع درجات الحرارة ضمن الأنفاق، إلى أن توصّلت مؤخراً إلى حلٍّ مبتكرٍ يضخّ الهواء البارد بأذكى استغلالٍ للمساحة وأقلّ قدرٍ من متطلباتٍ الصيانة، بينما تسعى لتأمين التمويل اللازم لنشره على مستوى وطنيّ.

إدارة الكوارث

بنغلادش تطلق منصة رقمية لتعزيز منظومة إدارة الكوارث

بهدف مواجهة تبعات الكوارث الطبيعية في واحدةٍ من أكثر بقاع العالم تعرَّضاً لها، تعمل حكومة بنغلادش على بناء المرونة عبر منصةٍ رقميةٍ توفّر البيانات المتعلّقة بالظواهر المناخية وتقيِّم المخاطر وتوجّه المعنيّين إلى الإجراءات اللازمة.