بنغلادش تطلق منصة رقمية لتعزيز منظومة إدارة الكوارث

بهدف مواجهة تبعات الكوارث الطبيعية في واحدةٍ من أكثر بقاع العالم تعرَّضاً لها، تعمل حكومة بنغلادش على بناء المرونة عبر منصةٍ رقميةٍ توفّر البيانات المتعلّقة بالظواهر المناخية وتقيِّم المخاطر وتوجّه المعنيّين إلى الإجراءات اللازمة.

شارك هذا المحتوى

بهدف مواجهة تبعات الكوارث الطبيعية في واحدةٍ من أكثر بقاع العالم تعرَّضاً لها، تعمل حكومة بنغلادش على بناء المرونة عبر منصةٍ رقميةٍ توفّر البيانات المتعلّقة بالظواهر المناخية وتقيِّم المخاطر وتوجّه المعنيّين إلى الإجراءات اللازمة.

لا تستثني الكوارث الطبيعية بلداً في العالم، ورغم أنّ شدَّتها وتواترَها قد يتفاوتان بين بقعةٍ وأخرى نتيجة المعطيات الجغرافية وتأثيرات تغيُّر المناخ، إلا أنها تسبب خسائر مهولةً في الأرواح والممتلكات والبيئة والبنى التحتية. وبينما لا يمكن للبشر الحؤول دون الكارثة، ففي وسعهم التأهبُ لاحتواء آثارها.

تتعرّض آسيا للحصة الأكبر من الكوارث الطبيعية، ففي بنغلادش، تتوالى عشرات الأعاصير المدارية سنوياً، ولعلّ أشهرها إعصار بولا الذي أودى بحياة أكثر من نصف مليون إنسان أكثريتهم من النساء اللواتي خشينَ مغادرة منازلهنّ أو النزول إلى الملاجئ.

حين يتعرّض الخليج البنغاليّ المدبَّب للأعاصير، تحدث الفيضانات وتدمّر المناطق الساحلية، كان آخرَها فيضانٌ هو الأسوأ، حدث منذ أكثر من 100 عام، وشرّد أكثر من 7 ملايين بنغاليّ. أما ما يزيد الأمر تعقيداً هو شحّ الموارد، فالدولة البنغالية منخفضة الدخل وتفتقر لرفاهية إطلاق المشاريع الضخمة. لذا، طوّرت حكومتُها خلال السنوات الماضية نظاماً لزيادة المرونة بموارد قليلةٍ نسبياً، إلا أنّها واجهت صعوبة بإدماج عنصر الحماية من الكوارث في جميع مراحل التخطيط الإنمائيّ، خاصةً وأنّ قواعد البيانات المتعلّقة به مبعثرةٌ وعشوائية ولا تتيح المعلومات اللازمة لوضع برامج الوقاية من الكوارث، بل تركّز على إدارة الميزانية وعمليات الرصد، حتى أن ما يصاحبها من أدوات تقييم المخاطر يركّز على المخاطر المادية والمرئية، ويفتقر لنهجٍ متكاملٍ يدرس نقاط الضعف على مستوياتٍ متعددة.

لتغيير المشهد، وجدت الحكومة الحلّ في أنظمة الإنذار المبكّر التي تحذّر السلطات والسكان من اقتراب الكارثة، فتمنحهم وقتاً ثميناً لاتخاذ إجراءات الحماية، وهذا تماشياً مع خطة الأمم المتحدة لحماية “كلِّ إنسانٍ على وجه الأرض”.

جاء المشروع متعددُ الأطراف نتاجَ دعم عدّة جهات، حيث جُمِعَ التمويل بمساهمة كلٍّ من الحكومة البنغالية الرسمية، ومكتب الشؤون الخارجية والتنمية التابع لحكومة المملكة المتحدة، ووكالة التعاون الإنمائيّ الدوليّ التابعة للحكومة السويدية، في حين تولّت طواقم البرنامج الوطنيّ لبناء المرونة تنفيذَ المشروع بدعمٍ فنيٍّ من برنامج الأمم المتحدة الإنمائيّ.

أطلق الشركاء مشروع “منصة معلومات الكوارث والمخاطر المناخية”، وهي بوابةٌ إلكترونية تتضمّن كلَّ معلومةٍ متعلِّقةٍ بالكوارث والظواهر المناخية، مهما صغرت أو كبرت، لتمكين إجراء تقييمٍ للمخاطر وقابلية التأثُّر بها وسبل احتواء آثارها. وتركّز المنصة على 11 ظاهرة، بما فيها الفيضانات والتملُّح والانهيارات الأرضية والزلازل، وهي تغطي 64 مقاطعةً بنغاليّة، وتقدّم أدواتِ التخطيط والاستثمار اللازمةَ لوضع ميزانية المشاريع التنموية لكلِّ المناطق البنغاليّة.

تتيح المنصة للمستخدم استعراض خريطةٍ لكامل الجغرافية البنغاليّة، واختيار المعلومة التي يبحث عنها، كالكوارث المحتملة من أعاصير أو جفاف أو فيضاناتٍ أو انهياراتٍ أرضية أو ارتفاعٍ لمنسوب مياه البحر، ثم تُطلِعُهُ على الشدّة المتوقّعة للظاهرة وما ستسبِّبه من تأثيرات على البنية التحتية والسكان والأراضي، كما تتيح خرائطَ متعدّدة الطبقات وجداول بياناتٍ مفصّلة. أما الموظّفون الحكوميون، فلديهم كلمات مرورٍ خاصة تتيح تنزيل مجموعاتٍ معيّنةٍ من البيانات والتقارير السردية.

وكانت بنغلادش قد كثّفت لعقودٍ استثماراتها في تقنيات التنبؤ بالظواهر الجوية والكوارث الطبيعية، ومشاريع بناء المرونة، وتدريب الطواقم الحكومية والتطوّعية لإغاثة السكان عند وقوع الكارثة. خلال نصف قرن، نَمَت منظومة التنبؤ من رادارَين ساحليين على بعد 320 كيلومترٍ من الساحل إلى شبكةٍ شاملةٍ من المحطات المخصّصة والمتضمِّنة لراداراتٍ ساحليةٍ وأرضيةٍ وأخرى مُحمّلةٍ على المسيّرات، حيث تعمل كلُّها على جمع البيانات الحيّة ومشاركتها مع السكان والسلطات المحلية، وعلى مستوى أعلى، مع حكومات الدول الأعضاء في المنظمة العالمية للأرصاد الجوية البالغ عددها 193 دولة، وذلك بموجب قرارٍ اتخذته المنظمة مؤخراً بتمكين للتبادل الحرّ للبيانات، لتكون التنبؤات البعيدة والبيانات المتنوّعة في متناول أيدي الجميع، وهذه ميزة جوهرية حين يتعلّق الأمر بالأعاصير المدارية التي قد تبدأ في نقاطٍ بعيدة جغرافياً قبل أن تمتدّ وتتسع وصولاً إلى خليج البنغال.

وبينما توفّر هذه الحلول البيانات اللازمة لحماية الناس، يظلّ إيصالُها إليهم تحدّياً، ولهذا تلجأ الحكومة إلى البثّ التلفزيونيّ والإذاعيّ والرسائل النصية والخط الساخن الذي يبثّ رسائل صوتيةً مسجّلةً مسبقاً تتضمّن إحاطةً بالظرف الراهن وإرشاداتٍ بالإجراءات اللازمة. أما تحدّي “الميل الأخير” المتمثِّل في الوصول إلى كلّ الناس مهما كانت مواقعهم نائية، فتواجهه منظّمة الهلال الأحمر البنغاليّ بـ 76 ألف متطوِّعٍ ومتطوِّعة توزِّعُهم وزارة إدارة الكوارث والإغاثة في ساحات البلاد وأسواقها المركزية، حيث يشرحون للناس شدّة العواصف المقبلة، ثم يجوبون الشوارع سيراً أو على متن الدرّاجات حاملين مكبّرات الصوت لإيصال التحذير لأضعف الفئات، كالأمّيين أو المسنّين.

واستعداداً للمستقبل، أطلقت الحكومة برنامج “التعلّم من خلال اللّعب” في بعض ثانوياتها، حيث تجري إدارات المدارس تدريباتٍ لتعليم الأطفال طرائق التعامل مع الكوارث وتقديم الإسعافات الأولية.

سيزوِّد هذا المشروع صنّاع السياسات البنغاليّين بأرضيةٍ معرفيةٍ لتصميم الخطط المستقبلية، وسيقدّم مصدراً موحَّداً وموثوقاً للمعلومات.

بعد 50 عاماً انخفضت خلالَها أعدادُ ضحايا الكوارث الطبيعية من نصف مليونٍ إلى 26 شخصاً، ورُدِمَت الهوة بين الجنسين في الاستجابة للكوارث، استطاعت بنغلادش إرساء نظامٍ فعالٍ لإدارة الكوارث بمساعدة الدول والمنظمات بأقلّ قدرٍ من الموارد، لتؤسس نموذجاً لغيرها من الدول منخفضة الدخل التي تحتاج لتطوير أنظمة الإنذار المبكّر في وجه الكوارث الطبيعية وآثار تغيّر المناخ.

المراجع:

https://www.bbc.com/future/article/20220719-how-bangladesh-system-fights-cyclones-climate-disasters

https://reliefweb.int/report/bangladesh/government-launches-digital-platform-risk-informed-development

http://drip.plancomm.gov.bd/

https://www.bbc.com/news/world-asia-india-52718531

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

الاستدامة

روتردام تستخدم التكنولوجيا الذكية لإنقاذ المدينة من الغرق

لتحويل موقعها الجغرافيّ المحاذي للبحر إلى نقطة قوة، رسّخت مدينة روتردام الهولندية مكانتها كمختبرٍ للإدارة الذكية للمياه، حيث تدمج التكنولوجيا والتصميم الأخضر لتخضير أسطح بيوتها وتحويلها إلى حدائق في مواجهة مخاطر الفيضانات.

حلول التبريد

لندن تبتكر حلاً لخفض درجات الحرارة في شبكة قطارات الأنفاق

في أحد أكبر شبكات في العالم، تعمل حكومة المملكة المتحدة على مقاربة مشكلة متجذِّرة، وهي ارتفاع درجات الحرارة ضمن الأنفاق، إلى أن توصّلت مؤخراً إلى حلٍّ مبتكرٍ يضخّ الهواء البارد بأذكى استغلالٍ للمساحة وأقلّ قدرٍ من متطلباتٍ الصيانة، بينما تسعى لتأمين التمويل اللازم لنشره على مستوى وطنيّ.

البصمة الكربونية

طائرات مسيّرة لتوصيل الأدوية للمرضى في المملكة المتحدة

لزيادة كفاءة أنظمة الرعاية الصحية، تشرع حكومة المملكة المتحدة باستخدام الطائرات المسيّرة في نقل المستلزمات العلاجية والعينات الطبية من المناطق النائية وإليها بعد تأسيس إطار عملٍ ناظمٍ لهذه العمليات، حيث يمكن لهذه الطائرات تحقيق فوائدها الاقتصادية والبيئية دون عرقلة منظومة النقل الجويّ القائمة.