برامج خاصة بالصحة العقلية في منظومة الاستجابة لحالات الطوارئ

ضمن تركيز الحكومة الأمريكية المتزايد على الصحة العقلية والدعم الاجتماعيّ، تعيد مقاطعة دورهام في ولاية كارولاينا الشمالية تصميم طرائق عملِها وتطور استجابتَها للطوارئ بتخصيص فِرَق خاصةٍ للاستجابة للأزمات النفسية.

شارك هذا المحتوى

ضمن تركيز الحكومة الأمريكية المتزايد على الصحة العقلية والدعم الاجتماعيّ، تعيد مقاطعة دورهام في ولاية كارولاينا الشمالية تصميم طرائق عملِها وتطور استجابتَها للطوارئ بتخصيص فِرَق خاصةٍ للاستجابة للأزمات النفسية.

تشغل خدمات الطوارئ الكثير من الموارد والجهود الإدارية والميدانية، فأيّة أزمةٍ أياً كان نوعُها قد تدفع الفردَ لطلب عونِ الشرطة أو الإسعاف أو الإطفاء أو غيرها، لكنّ الحقيقة أنّه في أحيان كثيرةٍ يحتاج إلى الدعم النفسي التخصصي.

تتمتع الولايات المتحدة الأمريكية بإحدى أفضل منظومات الطوارئ، حيث تستخدم نظاماً يصنّف المكالمات إلى أكثر من ألف نوع استناداً إلى إجابات المتصلين على الأسئلة المُحدَّدة مسبقاً، ثم يوجِّه المستجيب إلى نوع المكالمة، فيحدِّد الجهة التي ينبغي تحويلُ الحالة إليها، كالشرطة والإطفاء. لكنَّ هذه التصنيفات ليست دقيقة دوماً، فوفقاً لتقديرات قيادات الشرطة ونتائج دراسة أجراها معهد “آر تي آي” البحثي، تتعلّق 90% من المكالمات الطارئة بالصحة العقلية، حيث تضطر الشرطة للتعامل مع حالات تستدعي وجود متخصص اجتماعي أو معالج نفسي، لكنّ نسبةً لا تتعدى 2% من هذه الحالات تُصنّف بكونِها “أزمة عقلية أو نفسية”. فمثلاً، عند الإبلاغ عن وجود شخص غير متزنٍ يفترش الأرض عند مدخل مبنى ما، سيصنّف النظام هذه الحالة على أنّها “تَعَدٍّ على الممتلكات”، مهما بلغَ اضطرابُه العقليّ من وضوح.

وفي خطة طموحة، تعمل هيئة السلامة المجتمعية في مقاطعة دورهام على تحسين الاستجابة للحالات الطارئة المتعلقة بالصحة العقلية وإضافتها كتصنيفٍ ضمن نظام الاستجابة للطوارئ، وإطلاق 4 برامج تجريبية سيستمر كلٌّ منها لـ4 سنوات.

يقوم البرنامج الأول على “تحويل مكالمات الأزمات”، وذلك برفدِ طواقم مراكز الاستجابة لمكالمات الطوارئ باختصاصيين مرخصين في الصحة العقلية لتصنيف الحالات وتقييمها وتقديم الاستجابة عن بُعد.

أما البرنامج الثاني، فهو تكوين “فِرَق الاستجابة المجتمعية” التي يتألف كلٌّ منها من 3 أفراد غير مسلّحين، وهم معالِج، واختصاصيّ دعم، وفني طبي مختص بالطوارئ، وسترتدي هذه الفرق لباساً مختلفاً وتستقلّ سيارات خاصة تميّزها عن الشرطة، وقد سُمِّيَت اختصاراً “هارت” (بمعنى قلب)، وهي فرق تعنى بتقديم الدعم النفسي والعاطفي عند الحاجة.

بدوره، يركز البرنامج الثالث على “توجيه الرعاية”، ويُعنى بتأمين المتابعة والدعم المجتمعيَين اللازمَين للأفراد خلال 48 ساعة من اتصالهم بخدمة الطوارئ.

وأخيراً، سُمي البرنامج الرابع بـ”الاستجابة المشتركة”، أي تدخُّل الأطباء إلى جانب الشرطة في الأزمات، وستكون انطلاقتُه بفارق أشهر عن البرامج الثلاثة الأولى التي ستنطلق خلال الصيف.

على سبيل المثال، عند الإبلاغ عن شخص نائم في مدخل مبنى ما، وبعد التأكد من كونِه غير مسلّح، يمكن النظر في احتمال أن يكون بحاجة مأوى وغذاء، لتحويله إلى المؤسسات المعنية كبنوك الغذاء أو مقدِّمي خدمات الإسكان.

وعبر كل مراحل العملية، يستطيع ضباط الشرطة تتبع المكالمات عبر أجهزة لوحية مرفقة بسياراتهم، حيث يتلقون إشعارات بالمكالمات فور ورودها قبل أن تَرِدَهُم الملاحظات من المستجيبين الهاتفيين لمراجعتها وإجراء التقييمات والبقاء متصلين بالمقر الرئيسيّ.

بعد انقضاء الفترة التجريبية، ستقيّم السلطات ومعهد “آر تي آي” البحثي النتائج وفق 4 مجموعات رئيسية من البيانات، وهي التركيبة السكانية، والموارد التي يمكن ربطُ المتصلين بها، وآراء عناصر الشرطة بالتفاعلات ونتائجها، والبيانات المتعلقة بها.

من الجدير بالذكر أنّ هيئة السلامة المجتمعية تستخدم برمجياتٍ إداريةً تسمح بمشاركة البيانات الضرورية فقط وتلك المحمية بموجب قانون التأمين الصحي والمساءلة، وحجب المعلومات التي لا تحتاجها الشرطة. وفي الوقت نفسِه، تحرص الهيئة على شفافية البيانات ومشاركة النتائج مع العامة وسلطات المدينة، وستنشر لوحاتِ معلوماتٍ شهريةً تبيِّن أعداد المكالمات التي تم تلقيها، وتصنِّفها بحسب متوسط وقت الاستجابة ونسبة المتصلين الذين حصلوا على الرعاية التي يحتاجونها ويريدونها، وعدد المكالمات الفائتة بسبب نقص الموظفين، إذ تعيق قيود التوظيف ونقص الطواقم المؤهلة تطبيقَ البرامج على نطاقٍ واسع، وخاصة في المراحل الأولى. لهذا، فالبرنامج الوحيد الذي سيغطي المقاطعة بالكامل هو “تحويل مكالمات الأزمات”، في حين ستغطّي البقية – مبدئياً – 8 مناطق إدارية وفق التقسيم المعتمد لدى الشرطة. وقد راعت السلطات في مقاربتها لهذا التحدي اختيارَ المواقع التي تتنوّع فيها حالات الطوارئ، وذلك لإغناء الفترة التجريبية وتحقيق الاستفادة القصوى من طواقم المستجيبين، على أمل زيادتها مستقبلاً.

ويبقى التحدي الأكبر حماية المستجيبين غير المسلّحين، وهي أولوية تطلّبت وقتاً وجهداً كبيرَين لوضع خطط السلامة التي تتوخّى الدقة في اختيار الحالات غير المنطوية على الأسلحة أو العنف الجسدي أو ما يستدعي الاعتقال، بحيث لا تتجاوز نسبة هذه الاحتمالات – مجتمعةً – 1%. كما ستعمل فِرَق المقر الرئيسي على متابعة المستجيبين خطوة بخطوة والتواصل معهم عبر أجهزة الراديو ودعمهم عند الضرورة، وسيخوضون شهراً من التدريب المكثّف لتلقي المكالمات وتقدير أبعاد الموقف وتخفيف حِدَّتِه واتخاذ الإجراءات الأولية ومراعاة المساواة العِرقية والسرية والسلامة وغيرها.

وقد أطلقت ولايات ومقاطعات أخرى كفرجينيا وروك هيل تجارب مشابهة، كما خُصّصت 400 مليون دولار لإطلاق خط ساخن وطني للأزمات المتعلقة بالصحة العقلية، وهو يرتبط بشبكة منع الانتحار المؤلفة من 200 مركز لإدارة الأزمات، إلّا أنّ إطلاقَها بشكل كامل سيتطلب الكثير من الوقت والموارد، ونجاحَها سيعتمد على مستوى خدمات الصحة العقلية في كلّ منطقة إدارية.

عبر توجيه الاستجابة المتخصصة ومنع الصدامات العنيفة، سيفيد هذا البرنامج في تركيز جهود قوات حفظ الأمن على الاحتياجات الأكثر أولوية، في حين ستضيف المشاركة الأكاديمية الموضوعيةَ في تقييم نتائج التجربة وإرساء منظومة صحة نفسية أكثر كفاءة.

المراجع:

https://gcn.com/public-safety/2022/06/when-911-calls-require-mental-health-response/368637/

https://www.durhamnc.gov/Faq.aspx?QID=755

https://www.bloomberg.com/news/articles/2022-07-16/988-hotline-goes-live-as-the-new-911-for-mental-health

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

الذكاء الاصطناعي

رواندا توجِد فرصاً لإدماج الذكاء الاصطناعيّ في الرعاية الصحية

لمواجهة تحديات القطاع الصحي، تسعى رواندا إلى استخدام روبوتات المحادثة لتقديم الاستشارات الطبية عن بُعد، ضمن مسعى شامل لزيادة توظيف التقنيات الحديثة، شرطَ ضبطِها بالأُطُر التشريعية التي تضمن الموثوقية والأمان.

إنجلترا

زراعة العشب البحري لاحتجاز ثاني أكسيد الكربون في إنجلترا

لاستعادة الموائل الطبيعية للعشب البحري التي تمثّل أحد أهم وسائل احتجاز وتخزين الكربون في المملكة المتحدة، يعمل العديد من الشركاء والمتطوعين ضمن مشروع طموح لنقل بذور هذه الأعشاب ورعايتها مخبرياً تمهيداً لزراعتها في قاع البحر.

الأمن السيبراني

الحكومة الأمريكية تعزز الأمن السيبراني ضد تهديدات الحوسبة الكمية المستقبلية

اتّخذت الولايات المتحدة الأمريكية مؤخراً مجموعة من الخطوات لمواجهة التحديات المتوقع أن تفرضها أنظمة الحوسبة الكمية، والتي تهدد أمن وخصوصية الاتصالات عبر الإنترنت في المستقبل، بما يشكل خطراً على الاقتصاد والأمن القومي الأمريكي.