اليابان تلجأ للزراعة الذكية لتعزيز اكتفائها الذاتيّ غذائياً

لتحقيق الاستدامة لقطاع الزارعة، تسعى الحكومة اليابانية إلى استخدام التكنولوجيا الثورية للزراعة الذكية، حيث تعوّض الأجهزة الذكية نقص الخبرة لدى المزارعين المبتدئين، وتردم فجوة اليد العاملة.

شارك هذا المحتوى

لتحقيق الاستدامة لقطاع الزارعة، تسعى الحكومة اليابانية إلى استخدام التكنولوجيا الثورية للزراعة الذكية، حيث تعوّض الأجهزة الذكية نقص الخبرة لدى المزارعين المبتدئين، وتردم فجوة اليد العاملة.

منذ بدء الثورة الصناعية الرابعة، لم يعد الفأس والمحراث الأداتَين الرئيسيتَين للفلاح، بل شبكة الإنترنت والأنظمة الآلية المزودة بأجهزة استشعار تتتبَّع الطقس وحالة التربة وصحة المحاصيل والحيوانات، وتقدّم إحصائياتٍ ذكيةً حول الإنتاج وطرائق إدارته.

اليابان، ورغم ما يُعرف عنها من تطورٍ اقتصاديٍّ وتقنيّ، ما تزال تتسم بأحد أدنى معدّلات الاكتفاء الذاتيّ الغذائية بين اقتصادات العالم الكبرى، والذي بلغ 67% وفقاً لبيانات السنة المالية 2020، وذلك على أساس قيمة الإنتاج، في حين انخفض معدّل الاكتفاء من الغذاء القائم على السعرات الحرارية إلى 37%.

لسنوات، سَعَت الحكومة اليابانية إلى تلبية الاحتياجات المحلية ذاتياً كما كانت تفعل في ستينات القرن العشرين، حين بلغَ معدّل الإنتاج قياساً للاستهلاك 20% للأرز و100% للفواكه والخضروات و91% للّحوم.

تدريجياً، شهدت هذه الأرقام انخفاضاً ازداد معه اعتمادُ اليابان على الواردات، لتصبحَ المعدّلات اليوم 98% للأرز، و30% للفواكه، و76% للخضروات، و16% لمنتجات المزارع، و21% لفول الصويا، و15% للقمح، و10% للحم البقريّ.

وتتطلَّع السلطات للوصول إلى 45% من الاكتفاء الذاتيّ بحلول العام 2030، على أمل أن تتمكّن من اجتياز التحديات الجغرافية والديمغرافية والمناخية، فأكثر من 60% من مساحة البلاد عبارة عن مناطق جبلية غير ملائمة للزراعة، أما المساحة المتبقية، فيعمل فيها مزارعون بمتوسط عمرٍ يبلغ 67 عاماً، وأعدادُهم آخذةٌ في التراجع، حيث يخسر قطاع الزراعة 50 ألف فلاحٍ سنوياً، ما يعني فقدانه لـ 70% من اليد العاملة خلال أقلّ من نصف قرن. ومع المزارعين المتمرّسين، يخسر القطاع خبراتهم في استخدام المياه والأسمدة ورعاية المزروعات، كما أنّ تطوير محاصيل جديدة وإدخالها دورة الإنتاج يستغرق وقتاً طويلاً، لا سيما في ظل العجز المائيّ المتزايد ومناخ اليابان الرطب الذي يمثل بيئة خصبة لظهور مجموعة كبيرة من الآفات.

ولأنّ الأدوات التكنولوجية المتقدّمة هي كلمة السر في التفوق الياباني، فقد لجأت الحكومة إلى الزراعة الرقمية، وكلّفت وزارة الزراعة والحراجة ومصائد الأسماك بالتعاون مع المنتجين، والمعهد الوطنيّ للبحوث الزراعية، وبرنامج التوسع الاستراتيجي للاستثمار في البحث والتطوير، وشركاء من القطاع الخاص، لتصميم برنامج غذائيّ أكثر استقراراً واستدامة.

في العام 2016، أطلقت الحكومة خطّتها التي قامت على 3 ركائز أساسية، وهي البيانات الضخمة وإنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعيّ المُستخدم في تشخيص الآفات الزراعية والتنبؤ بها، حيث صنّف المركز الوطنيّ للبحوث الزراعية والغذائية 120 نوعاً من الحشرات ومسبّبات الأمراض، وطوّر برنامجاً يستطيع تصنيفَها بحسب الصور، وهو نسخةٌ مطوَّرةٌ من نماذج عالميةٍ تستخدم البيانات لتدريب خوارزميات الذكاء الاصطناعيّ.

في الإصدار اليابانيّ، نسّقت الوزارة جهودَها مع المنظمات البحثية النشطة في 24 مقاطعة يابانية، لتجمع ما ينوف عن 700 ألف صورةٍ للآفات الزراعية المختلفة التي التُقطَت على مدى سنوات وقام الخبراء بتحليلِها وتصنيفِها ووسمِها برموزٍ دقيقة. بعد ذلك، طوّر المبرمِجون نظاماً يتيح التعرّف على الصور بدقةٍ أكبر عبر إزالة خلفيات الصورة واكتشاف عناصرها باستخدام تقنيةٍ تُسمى “الشبكة العصبية التلافيفية”، وهي إحدى طرائق التعلّم العميق التي تحاكي القشرة البصرية في الدماغ البشري، وتستطيع– في هذه المرحلة– رصدَ الآفات التي تصيبَ 4 محاصيل رئيسية، وهي الطماطم والخيار والفراولة والباذنجان، بمعدّل دقّةٍ يفوق 80%، وتزويد المزارعين بطرائق مكافحتها.

بالإضافة إلى هذا، أطلقت الوزارة أسلوباً زراعياً جديداً يسمى “التسميد الرقمي”، وهو يتضمّن استخدام إنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعيّ، حيث تجمع أجهزة الاستشعار البيانات المختلفةَ من درجة حرارة التربة ورطوبتها وحموضتها ومقدار تعرُّضِها للضوء، ثم تحلّل البرمجيات هذه المعطيات لتحدّد حاجة المزروعات من المياه والأسمدة، وتصدر الأمر تلقائياً لتنتقلَ هذه المواد عبر أنابيب ضيقةٍ توصلها إلى جذور المحاصيل النامية، بدلاً من الريّ بالمرشّات والتسميد المفرط.

وعلى نطاقٍ أوسع، بدأت اليابان استخدام الروبوتات الزراعية في العام 2018، وهي تقوم بحراثة الأرض وزراعة الأرزّ وإزالة الأعشاب الضارّة والتنقّل بين الحقول، وقادرةٌ على رصد أي عوائق. كما يمكن إدارةُ عدة روبوتاتٍ من قِبَل شخصٍ واحد مُلِمٍّ بالمبادئ التوجيهية الحكومية.

اليوم، يجري تنفيذ مشاريع الزراعة الذكية في أكثر من 121 موقعاً في مختلف أنحاء اليابان، بعد رحلةٍ مليئةٍ بالتحديات. على سبيل المثال، كان تطوير نظام الكشف عن الآفات صعباً على منظمة البحوث الزراعية، فهي مؤسسةٌ أكاديميةٌ تفتقر إلى الخبرة في تقديم الخدمات التجارية، وهذا ما دفعها لاستخدام خدمةٍ سحابيةٍ لتجعلَ من برنامج تشخيص الآفات واجهةَ تطبيقٍ برمجية، وهذا يعني إتاحتَه للمؤسسات الخاصة بكلفةٍ منخفضة وتسريعَ تبنّيه في الممارسات العملية، خاصةً بعد إضافة 8 محاصيل جديدةٍ يمكن تحديدُ آفاتِها بفضل النظام الذكيّ، وهذا سيفيد أيضاً في جمع البيانات من المستخدمين لتحسين دقة عمل النظام.

أما الروبوتات الزراعية فتواجه تحدّياتٍ أكثر تعقيداً تتعلّق بالأُطُر القانونية والتطور التقنيّ، ولهذا فقد يطول الانتظار قبل أن تنتشرَ بشكلٍ فعليّ.

سيساهم برنامجا تحديد الآفات والتسميد الرقميّ في تقليل استخدام المواد الكيميائية والمبيدات، وسيجعلان العملية الزراعية أكثر كفاءة حتى في المناطق ذات الوصول المحدود إلى المياه، كما سيزوّدان المزارعين المبتدئين بالخبرة اللازمة، والتي تراعي ظروف البيئة المحيطة وتغيُّراتِها.

المراجع:

https://thediplomat.com/2022/05/japans-food-self-sufficiency-debate-overlooks-the-core-problem/

https://www.japan.go.jp/kizuna/2022/05/anyone_can_be_a_skilled_farmer.html

https://www.japan.go.jp/technology/innovation/digitalfarming.html

https://www.lombardodier.com/contents/corporate-news/responsible-capital/2021/june/how-japan-is-using-digital-farmi.html

https://nextrendsasia.org/supporting-the-future-of-foods-japans-smart-agriculture/

https://www.japantimes.co.jp/news/2019/08/06/national/japans-food-self-sufficiency-rate-hits-lowest-level-25-years-due-drop-wheat-production/

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

الاستدامة

روتردام تستخدم التكنولوجيا الذكية لإنقاذ المدينة من الغرق

لتحويل موقعها الجغرافيّ المحاذي للبحر إلى نقطة قوة، رسّخت مدينة روتردام الهولندية مكانتها كمختبرٍ للإدارة الذكية للمياه، حيث تدمج التكنولوجيا والتصميم الأخضر لتخضير أسطح بيوتها وتحويلها إلى حدائق في مواجهة مخاطر الفيضانات.

حلول التبريد

لندن تبتكر حلاً لخفض درجات الحرارة في شبكة قطارات الأنفاق

في أحد أكبر شبكات في العالم، تعمل حكومة المملكة المتحدة على مقاربة مشكلة متجذِّرة، وهي ارتفاع درجات الحرارة ضمن الأنفاق، إلى أن توصّلت مؤخراً إلى حلٍّ مبتكرٍ يضخّ الهواء البارد بأذكى استغلالٍ للمساحة وأقلّ قدرٍ من متطلباتٍ الصيانة، بينما تسعى لتأمين التمويل اللازم لنشره على مستوى وطنيّ.

إدارة الكوارث

بنغلادش تطلق منصة رقمية لتعزيز منظومة إدارة الكوارث

بهدف مواجهة تبعات الكوارث الطبيعية في واحدةٍ من أكثر بقاع العالم تعرَّضاً لها، تعمل حكومة بنغلادش على بناء المرونة عبر منصةٍ رقميةٍ توفّر البيانات المتعلّقة بالظواهر المناخية وتقيِّم المخاطر وتوجّه المعنيّين إلى الإجراءات اللازمة.