المملكة المتحدة تطمح أن تكون مركزاً عالمياً للطائرات المسيّرة

سعياً لتبني الطائرات المسيّرة على نطاق أوسع، تعمل الحكومة البريطانية على إرساء بيئةٍ تدعم هذه التقنية وتَنظُمُ استثماراتِها وابتكاراتِها وتوظِّفها بالشكل الأمثل لتكون جزءاً من منظومة النقل الخضراء.

شارك هذا المحتوى

سعياً لتبني الطائرات المسيّرة على نطاق أوسع، تعمل الحكومة البريطانية على إرساء بيئةٍ تدعم هذه التقنية وتَنظُمُ استثماراتِها وابتكاراتِها وتوظِّفها بالشكل الأمثل لتكون جزءاً من منظومة النقل الخضراء.

بعد قرابة قرنٍ على اختراعِها، أصبحت الطائرات المسيّرة من دون طيار خياراً واقعياً يَعِدُ بحلول للكثير من التحديات المعاصرة، إذ يمكن توظيفُها في عمليات المراقبة والتفتيش والتوصيل والنجدة وغيرها.

إلا أنّ تبنّي تقنية كهذه على مستوى وطنيّ ليس أمراً بسيطاً، فهي تتطلّب سنّ السياسات والاستراتيجيات الحكومية المبنية على دراساتٍ دقيقةٍ لجدواها وعثراتِها الاقتصادية والبيئية والاجتماعية، ووضعَ خطط واضحة تضمن تحقيق الاستفادة القصوى منها.

لهذا، أطلقت حكومة المملكة المتحدة بياناً بعنوان: “الطريق إلى المستقبل”، وهو إطار عمل استراتيجيّ لمجال الطيران، ورؤية لبناء قطاع حديث ومبتكر وفعال خلال 10 سنوات. ووضعت الاستراتيجية خطة من 10 محاور أساسية، وحدّدت أولوياتٍ واضحةً للحفاظ على المكانة العالمية لقطاع الطيران البريطاني. تتمثل إحدى تلك الأولويات في فهمِ إمكانيات التكنولوجيا الجديدة واستخداماتِها، بما فيها الطائرات المسيرة التي تُعرف بالطائرات من دون طيار.

تتعدّد استخدامات هذه الطائرات، فتشمل عمليات الاستطلاع المرئيّ والتفتيش في قطاعات البناء والإسكان والبنية التحتية والزراعة وخدمات الطوارئ، إلى جانب عمليات التوصيل والمساعدة في الاتصال وخدمة المجتمعات الريفية والنائية والتي يصعب الوصول إليها بالطرق التقليدية. كما تستخدمها أجهزة خفر السواحل والإطفاء والإنقاذ لحماية الأفراد المعرّضين للخطر والكشف عن الجرائم.

وقد أورد البيان الحكوميّ المقاربات التي ستتبنّاها المملكة المتحدة في إنشاء بيئة أعمالٍ تدعم التطوير، وتتيح التعاون مع القطاع الخاص، لتحقيق رؤيتها الطموحة بأن تكون الطائرات المسيّرة التجارية جزءاً أساسياً من منظومة النقل في البلاد بحلول العام 2030، بحيث تتقاسم الحركة الجوية بشكل منصفٍ وآمنٍ مع وسائل أخرى.

أثمر التعاون الحكومي مع روّاد الصناعة عن مجموعة من عوامل التمكين ذات الأولوية التي ستحقق أقصى استفادة للمملكة المتحدة. جاء فتح الباب أولاً لاستخداماتٍ حديثة ومستخدمين جددٍ للطيران والمجال الجوي، فيما حلّ التمويل والاستثمار ثانياً من خلال نماذج التشغيل الجديدة وترويجها وتطوير أُطُر عمل لإطلاق العنان لقدرات هذه التقنية. أما ثالثاً، فركّزت الحكومة على بناء المهارات وتنفيذ برامج التطوير المهنيّ لإعداد كوادر مؤهلة لإدارة التقنية، وسيتكامل ذلك مع العامل الرابع، وهو دعمُ المبتكِرين وأصحاب المواهب والطموحات ومساعدتهم في تنمية أعمالهم وإقامة مجموعات العمل وتعزيز التعاون بين روّاد القطاع والحكومة. وبالطبع يستلزم هذا من الحكومة الإسراع في تحقيق العامل الخامس، ألا وهو توسيع الدعم التنظيميّ لتمكين العمليات الروتينية لهذه الطائرات، ووضع استراتيجية تحديث للمجال الجوي، وإتاحة شبكة اتصالاتٍ قوية من الجيلَين الرابع والخامس لتسهيل سير العمليات. أخيراً، يأتي العامل المجتمعي المتمثِّل بالتوعية العامة والتركيز على الاستخدامات الإيجابية والفوائد المحتملة للطائرات المسيرة.

في السياق نفسِه، أطلقت وكالة الأبحاث والابتكار البريطانية تحدي “النقل الجوي المستقبليّ”، الذي يستثمر قرابة 125 مليون جنيه إسترلينيّ إلى جانب 175 مليون أخرى من رواد القطاع، وذلك لتطوير طرائق النقل الجويّ الصديقة للبيئة. وسيشارك 17 مشروعاً في هذا التحدي، حيث سيعمل أصحابُها بالتعاون مع هيئة الطيران المدنيّ لتطوير أنظمة طيران متكاملة وتقنيات جديدة. ومن أبرز المشاريع المشاركة، مشروع “سكاي واي” الذي سيربط المجال الجوي بين كامبريدج وأكسفورد ورجبي وميلتون كينز وكوفنتري. وسيتعاون الشركاء في تطوير سلسلة من أجهزة الاستشعار الأرضيّة عالية الطاقة لمتابعة المسيّرات فائقة السرعة من مركز التحكم، وتحديد موقعها في أيّ وقت كان، وتوجيه حركة المرور لتجنب الاصطدامات. كما سيتم تحليل البيانات عبر أنظمة إدارة حركة المرور، حيث ستحلّ البيانات التي تجمعها أجهزة الاستشعار الثابتة محلّ تلك التي تجمعُها كلّ طائرةٍ على حدة، ما يعني زيادة الحمولة الصافية.

وقد حصلت هيئة الخدمات الصحية على منحة بقيمة 1.3 مليون جنيه استرلينيّ قدّمتها وكالة الفضاء، لإطلاق تجربة بطائرات كهربائية مسيّرة تزن 85 كيلوغرام، وتستطيع حملَ قرابة ربع وزنها، وتسير ضمنَ شبكة من الممرات الجوية أُنشئت عبر نظام تحديد المواقع العالميّ. تضمنت التجربة استخدام الطائرات في الخدمات اللوجستية ونقل الأدوية وعينات الدم ومستلزمات علاج مصابي كوفيد-19، وتسعى الهيئة لاعتمادها في إيصال العلاج الكيماوي إلى مرضى السرطان في إنجلترا.

كأيّ تقنية جديدة، تنطوي الطائرات المسيّرة على تحديات عدة، لعلّ أبرزَها قضية الخصوصية، نظراً لاحتمال توظيف التقنية في جمع معلومات عن الأفراد دون موافقتهم. كما أنّ استخدامَها المتزايد للأغراض التجارية والترفيهية يزيد من خطر التصادم مع الطائرات المأهولة ويضاعف الضوضاء التي تسبِّبها. لكنّ هذه المخاوف تتأثر بفهم العامة المحدود لهذه الطائرات وأنواعِها وكيفية استخدامِها، ولا يمكن الجزمُ بأيٍّ منها قبل التجارب واسعة النطاق، كما فعلت “شبكة السكك الحديدية” مع شريكٍ من القطاع الخاص في تجربتها استخدامَ الطائرات المسيّرة للصيانة والمسح والسلامة والاستجابة للطوارئ، حيث يمكنها حماية عشرات العمال من مخاطر التفتيش اليدويّ للسكك الحديدية في البيئات والظروف الخطرة.

إلى جانب كونِها أكثر سرعة وأماناً وأعلى إنتاجية، ترسي الطائرات من دون طيار نماذج عمل جديدة، وتدعم خدمات التوصيل والطوارئ فتقلِّل الازدحام، كما تؤمن وصولاً أفضل إلى المناطق النائية، ما يعني تحسين التواصل المحلي وزيادة كفاءة الخدمات.

وفقاً للتقديرات، فإنّ أكثرَ من 900 ألف طائرة مسيّرة ستجول السماء البريطانية بحلول العام 2030. وفي حال الوصول لهذا الرقم، فإنَّ إسهامَها في الاقتصاد الوطنيّ قد يصل إلى 45 مليار جنيه استرلينيّ، إلى جانب تحقيق وفورات صافية تصل إلى 22 مليار أخرى، واختصار 2.4 مليون طن من انبعاثات الكربون، وتوليد 650 ألف فرصة عمل.

المراجع:

https://www.verdict.co.uk/worlds-first-drone-superhighway-to-be-built-in-uk/

https://assets.publishing.service.gov.uk/government/uploads/system/uploads/attachment_data/file/1029834/rhc-drones-report.pdf

https://assets.publishing.service.gov.uk/government/uploads/system/uploads/attachment_data/file/1091358/drone-ambition-statement.pdf

https://www.theguardian.com/society/2022/jul/05/nhs-to-test-using-drones-to-fly-chemotherapy-drugs-to-isle-of-wight

https://www.gov.uk/government/news/new-aerospace-innovation-to-propel-uk-to-growth-and-greener-skies-backed-by-273-million

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

الاستدامة

روتردام تستخدم التكنولوجيا الذكية لإنقاذ المدينة من الغرق

لتحويل موقعها الجغرافيّ المحاذي للبحر إلى نقطة قوة، رسّخت مدينة روتردام الهولندية مكانتها كمختبرٍ للإدارة الذكية للمياه، حيث تدمج التكنولوجيا والتصميم الأخضر لتخضير أسطح بيوتها وتحويلها إلى حدائق في مواجهة مخاطر الفيضانات.

حلول التبريد

لندن تبتكر حلاً لخفض درجات الحرارة في شبكة قطارات الأنفاق

في أحد أكبر شبكات في العالم، تعمل حكومة المملكة المتحدة على مقاربة مشكلة متجذِّرة، وهي ارتفاع درجات الحرارة ضمن الأنفاق، إلى أن توصّلت مؤخراً إلى حلٍّ مبتكرٍ يضخّ الهواء البارد بأذكى استغلالٍ للمساحة وأقلّ قدرٍ من متطلباتٍ الصيانة، بينما تسعى لتأمين التمويل اللازم لنشره على مستوى وطنيّ.

إدارة الكوارث

بنغلادش تطلق منصة رقمية لتعزيز منظومة إدارة الكوارث

بهدف مواجهة تبعات الكوارث الطبيعية في واحدةٍ من أكثر بقاع العالم تعرَّضاً لها، تعمل حكومة بنغلادش على بناء المرونة عبر منصةٍ رقميةٍ توفّر البيانات المتعلّقة بالظواهر المناخية وتقيِّم المخاطر وتوجّه المعنيّين إلى الإجراءات اللازمة.