المملكة المتحدة تختبر جاهزيتها لأنظمة التدفئة الصديقة للبيئة

لنشرِ هذه التقنية، تعاونت وزارة الأعمال والطاقة والاستراتيجية الصناعية مع الوكالة البريطانية للابتكار "Innovate UK" ضمن برنامج خاص بالوزارة لدعم الابتكار للوصول إلى مستويات صفرية من انبعاثات الكربون والتي قدّمت في العام 2021 مليار جنيه لتمويل خطة تستمر لـ 3 سنوات، ستساعد الحكومة بموجِبها 90 ألف أسرةً لتركيب مضخات التدفئة أو ما شابَهها من الخيارات ذات انبعاثات منخفضة، وذلك عبر مِنَحٍ صغيرةٍ لا تتجاوز 5 آلاف جنيه استرلينيّ.

شارك هذا المحتوى

نحو تشجيع استخدام حلول التدفئة الصديقة للبيئة، أطلقت حكومة المملكة المتحدة برنامجاً لتعزيز حضور المضخات الحرارية، عبر البحث والنشر وإجراء التجارب، أملاً بإحداث قفزة مهمة نحو تحقيق مستوى حيادي لانبعاثات الكربون.

منذ وُلد مفهوم العمل المناخي، لعبت المملكة المتحدّة دوراً رياديّاً فيه، فكانت سبّاقة في سنّ القوانين المتعلقة بالمناخ واستضافت قمَّتَهُ العالمية الأخيرة في مدينة جلاسكو الإسكتلندية، محققةً مكاسب عديدة في العمل صوبَ أهداف الاستدامة لمنتصف القرن.

لكنّ نمط الحياة البريطانيّ لا يخلو من عناصر تعوق تحقيقَ هذه الأهداف بالشكل المطلوب، أولُها التدفئة التي تنفرد بخُمسة انبعاثات الكربون، إذ تستخدم قرابة 85% من منازل المملكة المتحدة غلايات الغاز للتدفئة وتسخين المياه والطهي، حيث تكثِّف هذه الغلايات الحرارة وتضخُّها بسرعة مستهلِكة الكثير من الوقود الأحفوري.

وبحثاً عن بدائل منخفضة في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، وجّهت حكومة المملكة المتحدة أنظارَها إلى المضخات الحرارية، وهي عبارة عن جهاز خارجيٍّ ينقل الطاقة الحرارية بشكل معاكس لنمط تحرُّكها التلقائيّ، فهو يمتصّ الحرارة من الهواء أو الأرض أو المياه، ثم يقوم بتركيزِها ونقلِها إلى داخل الأبنية.

لنشرِ هذه التقنية، تعاونت وزارة الأعمال والطاقة والاستراتيجية الصناعية مع الوكالة البريطانية للابتكار “Innovate UK” ضمن برنامج خاص بالوزارة لدعم الابتكار للوصول إلى مستويات صفرية من انبعاثات الكربون والتي قدّمت في العام 2021 مليار جنيه لتمويل خطة تستمر لـ 3 سنوات، ستساعد الحكومة بموجِبها 90 ألف أسرةً لتركيب مضخات التدفئة أو ما شابَهها من الخيارات ذات انبعاثات منخفضة، وذلك عبر مِنَحٍ صغيرةٍ لا تتجاوز 5 آلاف جنيه استرلينيّ.

إلى جانب تقديم المِنَح، وضع الشركاء برنامجاً من 3 محاور. يركّز المحور الأول على نشر المضخّات الحرارية عالية الكثافة عبر تطوير آليات لنشرها واختبارِها، وقد حظيَ بتمويل قدره 30 مليون جنيه استرلينيّ قُدِّمَت لمبادرة أبحاث المشاريع الصغيرة. من بينها مشروع يقوده مجلس مدينة ليدز مع مجموعة من المنظمات ذات الخبرة في إعداد دراسات الجدوى، حيث تسعى سلطات المدينة إلى تحقيق الحياد الكربونيّ عبر إرساء بنية تحتية مستدامة. ولهذا، حظي المشروع بـ 200 ألف جنيه ستُستثمر في تطوير منهجية مبتكرة لتكثيف حضور المضخات الحرارية في المجتمعات الحَضرية، عبر تركيب شبكات أرضية مشتركة لها، بعد عشرات التجارب الناجحة في المدارس والأبنية الحكومية. وقد اختيرت منطقة تضمّ الكثير من العقارات بتصنيفات مختلفة، بما فيها الأبنية القديمة المتراصة والمزدحمة ذات الطابع الفيكتوري.

وفي تجربة أخرى، تعاونت سلطات نيوكاسل مع أحد مورِّدي الطاقة المتجددة المحليين لتطوير مخطط لتركيب 750 مضخة عبر المدينة على مدار 6 أشهر. بدءاً بدراسةٍ موسّعة لشبكة الكهرباء المحلية، وقياس مدى جاهزيتها لتشغيل هذه المضخات على نطاق واسع، ومن ثم تحديد المناطق المؤهّلة لاستيعاب مضخات كبيرة، وتلك التي تحتاج إلى تحسينات. ولفعل ذلك، سيستخدم المشروع التقنيات المبتكرة كالطائرات بدون طيار التي تحمل ماسحاتٍ ضوئيةً تستطيع استبيان معالم وأبعاد المنازل.

بدورِه، يعمل أحد المجالس المحلية في أكسفورد على تحديث منظومة التدفئة التقليدية لديه بالتعاون مع القطاع الخاص والخبراء الأكاديميين ضمن مشروع لجعل شوارع المدينة تعمل بطاقة نظيفة. بعد وضع معايير تحدِّد جاهزية المنازل، مثل المتطلبات الحالية لاستخدام الطاقة، وأنواع المباني في المنطقة، ومستويات العزل الموجودة، سيعمل المشروع مع سلطات المقاطعات والمانحين ومشغِّل شبكة التوزيع المحلية، ليحدد مواطن الضعف وطرق استخدام أنظمة تحكم ذكية وسهلة التركيب توفر على المستخدمين عناء وتكلفة تحديث شبكات التوزيع.

أما المحور الثاني، فيتّجه لتطوير الأدوات والعمليات ومقاربة التحديات بميزانية بلغت 25 مليون جنيه استرلينيّ. وأخيراً، خُصِّصت 5 ملايين جنيه أخرى لمحور الدعم التجريبيّ والتعلّم، الذي يرمي لرفدِ المحورَين الأول والثاني بالخبراء والمعارف، إلى جانب إنشاء مجموعات عمل تعاونية لمشاركة التجارب.

وبينما تتنوّع أحجام هذه المضخات لتناسبَ مِساحات المنازل، فهي مصممةٌ للحفاظ على درجة حرارة داخلية ثابتة عبر ضخِّها على دفعات معتدلة عبر ساعات اليوم. وبالطبع، فهي تتأثر بمواصفات المبنى نفسِه، فقد ثَبُت أنّ عزل النوافذ والجدران والأسقف يحسّن من أدائها. كما أنّ لها نوعَين رئيسيين، أحدهما يمتص الحرارة من الأرض والآخر من الهواء، وفي حين يحقق الأول توفيراً مادياً أكبر، فهو يحتاج فناءً كبيراً لتركيب التجهيزات، تاركاً أصحاب الشقق الصغيرة للخيار الثاني الذي قد يصعب تركيبه في المساحات الضيقة، ناهيك عمّا يتسبّب به من إزعاج.

ليس هذا التحدي الوحيد، إذ تحتاج هذه المضخات عزلاً ممتازاً، وهو ما يفتقر إليه قطاع الإسكان البريطاني عموماً، ما يزيد الأمر صعوبة، سيما أنّ أسعار الغاز في المملكة المتحدة هي الأقلّ أوروبياً وأنّ أنظمة التدفئة التقليدية أوفر بكثير من المضخات الحرارية. بالتالي، فقد لا يكون الدعم الحكوميّ دافعاً كافياً للناس لتغيير نمطٍ راسخٍ إلى هذا الحد.

مع ذلك، تأمل المدن البريطانية المشاركة في البرنامج تحقيق مكاسب في قطاع التدفئة، حيث يرغب المجلس المحليّ بليدز من المشروع خفض تكاليف المضخات والبنى التحتية المرتبطة بها، وترقية الشبكات، وتشجيع الناس على تبنّي هذه التقنية عبر طرح خيارات استهلاكيةٍ ملائمة واتباع نهجٍ قائمٍ على الأدلة، وتعزيز الشراكة بين أصحاب المصلحة.

بدوره، سيوفر مشروع نيوكاسل الكثير من الوقت والجهد، كما سيجمع بيانات أكثر دقةً لتقديم خدمة أعلى جودة.

أما مشروع أكسفورد، فسيؤسس قناة تواصل بين السكان ومقدّمي الخدمات لتوفير الكلفة وتمكين أكبر عدد من أبناء المجتمعات المحلية من الاستفادة من المضخات الحرارية.

بالرغم من التحديات التي تواجه القطاع حالياً، من المتوقع أن تساهم هذه المضخات الحرارية في خفض انبعاثات الكربون الناتجة عن التدفئة في المملكة المتحدة، وتشير التقديرات إلى أنّ استخدام هذه التقنية ستصل إلى 600 ألف بيت سنوياً خلال العقد المقبل.

المراجع:

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

الاستدامة

روتردام تستخدم التكنولوجيا الذكية لإنقاذ المدينة من الغرق

لتحويل موقعها الجغرافيّ المحاذي للبحر إلى نقطة قوة، رسّخت مدينة روتردام الهولندية مكانتها كمختبرٍ للإدارة الذكية للمياه، حيث تدمج التكنولوجيا والتصميم الأخضر لتخضير أسطح بيوتها وتحويلها إلى حدائق في مواجهة مخاطر الفيضانات.

حلول التبريد

لندن تبتكر حلاً لخفض درجات الحرارة في شبكة قطارات الأنفاق

في أحد أكبر شبكات في العالم، تعمل حكومة المملكة المتحدة على مقاربة مشكلة متجذِّرة، وهي ارتفاع درجات الحرارة ضمن الأنفاق، إلى أن توصّلت مؤخراً إلى حلٍّ مبتكرٍ يضخّ الهواء البارد بأذكى استغلالٍ للمساحة وأقلّ قدرٍ من متطلباتٍ الصيانة، بينما تسعى لتأمين التمويل اللازم لنشره على مستوى وطنيّ.

إدارة الكوارث

بنغلادش تطلق منصة رقمية لتعزيز منظومة إدارة الكوارث

بهدف مواجهة تبعات الكوارث الطبيعية في واحدةٍ من أكثر بقاع العالم تعرَّضاً لها، تعمل حكومة بنغلادش على بناء المرونة عبر منصةٍ رقميةٍ توفّر البيانات المتعلّقة بالظواهر المناخية وتقيِّم المخاطر وتوجّه المعنيّين إلى الإجراءات اللازمة.