مدن ألمانية تحلّ التحديات المعقّدة باستخدام التوائم الرقمية

مدن ألمانية تحلّ التحديات المعقّدة باستخدام التوائم الرقمية

1 دقيقة قراءة
لأنّ التوائم الرقمية تقدّم نماذج تقنية تدعم التنمية المستدامة المستقبلية، تعمل الحكومة الألمانية باختلاف مستوياتها على إنشاء هذه التوائم، فترسي الشراكات مع القطاع الخاص لتطوير شبكة السكك الحديدية وإدارة شبكات المياه وتحسين جودة الحياة.
شارك هذا المحتوى

أضف إلى المفضلة ♡ 0

لأنّ التوائم الرقمية تقدّم نماذج تقنية تدعم التنمية المستدامة المستقبلية، تعمل الحكومة الألمانية باختلاف مستوياتها على إنشاء هذه التوائم، فترسي الشراكات مع القطاع الخاص لتطوير شبكة السكك الحديدية وإدارة شبكات المياه وتحسين جودة الحياة.

يقوم مخطّطو المدن والعاملون في التنمية الحضرية إجمالاً بواحدةٍ من أعقد المهمات على الإطلاق، فعليهم اتخاذ قراراتٍ تمسّ حياة الملايين وتتداخل فيها آلاف المعطيات بهامش خطأٍ شبه معدوم.

يرجع ذلك إلى الوتيرة الهائلة لتنامي السكان والعمران في المدن، والتي تترافق بجملةٍ من التحديات الإنسانية والبيئية والثقافية، كالركود الاقتصادي والتلوث البيئي والمشكلات الصحية والنفسية التي تسببها الأوبئة، وتفاقم تبعات تغيّر المناخ، ناهيك عن الازدحام المروريّ والتلوث الضوضائيّ وشحّ موارد المياه وغياب الإنصاف في كثير من البلدان. وفوق كل ذلك، تواجه الكثير من المدن ارتفاعاً في حدة الكوارث الطبيعية كالفيضانات والعواصف وارتفاع منسوب المياه. تحديات دقيقة كهذه تحتاج إلى تقنيات تعين مخططي المدن على دراسة وتخيّل المشاريع الحضرية المستقبلية وآثارها على قطاعات مختلفة.

تتوفر هذه التقنيات في ألمانيا، حيث قدّمت التكنولوجيا وسيلة مساعدةٍ ثمينةً للحكومة المركزية والمحلية، ألا وهي التوائم الرقمية، وهي عبارة عن نماذج افتراضية للأماكن أو الأشياء، تستند إلى أنظمة تكنولوجيا المعلومات الخاصة بتحديد الهوية الرقمية والإدراك الآليّ والاتصال الشَّبَكيّ والحوسبة الشاملة والتحكّم الذكيّ وغيرها الكثير، فيكون التوأم نسخةً ثلاثية الأبعاد مطابقةً للأصل تماماً. ومن خلاله، يمكن اختبار المشاريع والأفكار الجديدة في سيناريوهات مختلفة والحصول على تنبؤاتٍ دقيقة لحالة الكيان المادي وما إذا كانت النتائج المرجوّة من أيّ تغيير ستتحقّق على الأرض أم لا.

تتنوّع استخدامات التوائم الرقمية، فتشمل تحسين البنى التحتية من طرق وجسور وأنابيب مياه وطاقة وصرف صحيّ وغيرها، بالإضافة إلى دعم أجهزة الطوارئ والإطفاء والإسعاف ببيانات دقيقة وشاملة لتصميم استجاباتٍ وثيقة الصلة بالواقع.

لهذا، أطلقت الحكومة الفيدرالية برنامج التوائم الرقمية المتّصلة، وهو واحدٌ من عشرات المشاريع النموذجية للمدن الذكية. بقيادة مدينة هامبورغ ومشاركة كل من لايبزيغ وميونخ، يقوم برنامج التوائم الرقيمة المتّصلة بتأسيس منصات مركزية لبيانات المدن وتطوير التوائم الرقمية. ولكن لا تنحصر فائدته في هذه المدن الثلاث، فتحت مظلّته تقدّم الحكومة الدعم للمدن والبلديات للاستفادة من كلّ فرصةٍ توفّرها الرقمنة لتحقيق تنميةٍ حَضَريةٍ مستدامة.

بحلول العام 2025، ستكون كلٌّ من هامبورغ ولايبزيغ وميونخ قد أنفقت أكثر من 10 مليون يورو في إنشاء توائمها الرقمية، معتمدةً على 5 موارد أساسية:

أولاً: بيانات القاعدة الجغرافية، وهي الأساس الذي يحدّد المرجعيات المكانية ويتيح إنشاء علاقات دائمة ومتعدّدة التخصّصات بين مجموعات مختلفة من المعلومات لينشئ من خلالها استنتاجات وتفسيرات لا لبسَ فيها.

ثانياً: البيانات المخصّصة، وهي كما يشير اسمُها لا تهمّ سوى أصحاب الاختصاصات بتنوُّعاتِها، فقد تشمل معلومات عن مشاريع البناء أو حماية البيئة أو الحالة الديمغرافية.

ثالثاً: التحليل، ويضمّ هذا المورِد مجموعةً من الأدوات التي تُستخدم لدراسة البيانات وتفسيرِها، وهي عملية يمكن أن تُجرى أيضاً بشكلٍ تفاعليّ بمشاركة المستخدِمين، ويمكن أن تستخدم تقنيات التصوّر والمحاكاة وأدوات التقييم القائمة على الذكاء الاصطناعيّ، وقد تؤدي خدماتٍ مؤتمتةً كلياً أو جزئياً.

رابعاً: التطبيقات، وهي النوافذ التي يدخل منها العملاء إلى عوالم التوائم الرقمية، وغالباً ما تكون واجهاتٍ تقدّم معادِلاتٍ بصريةً للبيانات المعقّدة، ومصمّمةً بشكلٍ يسهِّل التواصل بين الإنسان والآلة. كما يمكن للأدوات التحليلية أن تكون أحد مكوِّناتها الأساسية.

خامساً: التوأم الجغرافيّ، وهو الشبكة الذكية التي تلتقي فيها جميع المعلومات وطرائق تحليل البيانات فتوفّر منظوراً شاملاً وموثوقاً لكلّ ذلك.

تتيح التوائم الرقيمة تصورات دقيقة وشاملة لسيناريوهات مختلفة عند تغذيتها بالبيانات خصوصاً تلك التي تصلها في الوقت الفعلي من منصّات متصلة بالعالم الحقيقيّ أو عبر أجهزة الاستشعار المنتشرة في المدينة. وهذا ما تطمح ألمانيا في تحقيقه على مستوى الحكومة الفيدرالية والمحلية من خلال دعمها للبرنامج، حيث استلهمت خطها الشاملة من نجاح تطبيقات التوائم الرقمية في حصد فوائد جمة طالت الاستدامة وزيادة الكفاءة والأمان.

يجري الآن تصميم توأم رقميّ لشبكة السكك الحديدية الألمانية الممتدّة لـ 33 ألف كيلومتر، ما يجعلها كبرى شبكات أوروبا الغربية. تقوم الفكرة على زيادة قدرة هذه الشبكة دون تمديد سكك جديدة، وبتشغيل القطارات آلياً. وصوبَ هذا الهدف، سيتم إنشاء محاكاة واقعية ودقيقة مادياً للمنظومة بأكملها بمساراتها التي تمرّ بالمدن والقرى وببرامج رحلاتِها ومحطّاتها التي يقارب عددُها 6 آلاف محطة.

أما في مدينة شتوتغارت، فتتعاون الحكومة المحلية مع شركاء من القطاع الخاص لتصنعَ توأمها الرقميّ الذي تخطّط لاستخدامه في مراقبة جودة المياه وشبكات الصرف الصحيّ، لا سيما تلك الخاصة بتصريف مياه الفيضانات وشبكة المرور واختبار الاستراتيجيات الجديدة المُقترحة لإدارة مواقف السيارات العامة.

ستتمكّن إدارة شبكة السكك الحديدية الألمانية من زيادة معدّلات الأمان والوقاية من الحوادث وتعزيز كفاءة الشبكة ورضا العملاء وخفض البصمة الكربونية وتوفير التكاليف، والحقيقة أنّها تطمح لرسم مستقبل السكك الحديدية في أوروبا ككل.

تعزّز هذه التقنية الأنشطة الحَضَرية فتجعلها أكثر أماناً وكفاءةً، وتضمن للسكان خدماتٍ يوميةً أكثر ملاءمة وشموليةً وإنصافاً، وتساعد في الحفاظ على بيئة صحية والإيفاء بالتعهّدات المتعلّقة بتغيّر المناخ.

الأهمّ أنّ التوائم الرقمية تفتح الآفاق أمام فرصٍ أغنى لتحقيق التنمية المستدامة، فتجمع بين ابتكارات التكنولوجيا الرقمية وآليات العمل على الأرض.

المراجع:

اشترك في منصة ابتكر لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والمساقات والأدوات والابتكارات الحكومية
قم بالتسجيل
أشترك في القائمة البريدية لمنصة ابتكر | كل أسبوع
القائمة البريدية للمبتكرين
نشارك أكثر من 20,000 مبتكر أسبوعياً نشرة أخبارية ترصد الابتكارات العالمية من كافة أنحاء العالم
Subscription Form (#8)
المزيد من ابتكر

سنغافورة تعزز الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

كشفت السلطات في سنغافورة عن تطويرها لإطار عمل ومجموعة أدوات اختبار مبتكرة تساعد الشركات في مختلف القطاعات على تعزيز الحوكمة والشفافية والمساءلة في تطبيقاتها للذكاء الاصطناعي.

 · · 29 يناير 2024

التحول الرقمي للقطاع المالي البرازيلي يعزز الشمول المالي

تشهد البرازيل ثورةً في عالم التمويل الرقميّ وتزايداً في أعداد المنضمّين إليه، من خلال حملة إصلاح شاملة تقودها الحكومة، تكثِّف استخدام التكنولوجيا وتركّز على احتياجات العملاء وتجدِّد اللوائح وتطوِّر تطبيقات التحويل الفوري وتحمي مواطنيها من ارتفاع الفوائد وعمليات الاحتيال.

 · · 22 يناير 2024

كيف يساعد الذكاء الاصطناعيّ فِرَق الإطفاء الأمريكية

أمام أخطار كثيرة ومتنوعة تواجه رجال الإطفاء، من الأبنية الآيلة للانهيار إلى حالات الوهج الشديد التي قد تحدث في أي لحظة عند ارتفاع درجات حرارة الحرائق أو حرائق الغابات التي تلتهم كلّ ما في طريقها، لجأت عدة مدن أمريكية للذكاء الاصطناعيّ، بغية ترتيب أولويات هدم الأبنية القديمة، وإرشاد فِرَق الإطفاء في مهامها، والتنبؤ بحالات الانفجار الناتجة عن الحرائق الشديدة.

 · · 19 ديسمبر 2023

حكومات توظف الابتكار لمواجهة القيادة المستهترة

سعياً لاحتواء ظاهرة القيادة المستهترة التي تعتلي لائحة مسبِّبات حوادث الطرق في العالم، لجأت حكوماتٌ عدّة في كلٍّ من أوروبا وأمريكا إلى الكاميرات الذكية التي تعمل بالذكاء الاصطناعيّ، لترصدَ المخالفات وتتكاملَ مع أُطُر ولوائحَ قانونيةٍ صارمةٍ لا تتهاون مع أيّ سائقٍ يعطي لعوامل التشتيت الأولوية على حساب سلامته وسلامة الآخرين.

 · · 4 ديسمبر 2023

سيؤول تطلق أولى منصات الخدمات العامة عبر الواقع الموازي "ميتافيرس"

لتكون في طليعة توجُّهٍ متنامٍ، نقلت حكومة سيؤول، الحاضرة الكورية، خدماتها إلى بُعدٍ آخر بالمعنى الحرفيّ للكلمة، فأطلقت المنصة الأولى من نوعها في العالم التي تقدّم الخدمات افتراضياً، والتي ستتّسع شيئاً فشيئاً لتواكب أحدث التطوّرات وتزيح عن مواطنيها أعباء الأعمال التقليدية.

 · · 4 ديسمبر 2023
magnifiercrossmenuchevron-downarrow-right