العمل المشترك بين مختلف القطاعات كمنهجيةٍ يابانيةٍ لتعزيز مجال الطب التجديدي

أثناء انشغال العالم بجائحة كوفيد-19، واصلت الحكومة اليابانية خطة عملٍ تشمل كلّ قطاعات البلاد، بهدف تعزيز جاهزية اليابان لتبني تقنيات "الطبّ التجديدي" (Regenerative Medicine)، وهو علمُ تنشيط آليات الإصلاح الذاتية للجسم لعلاج الأمراض التي لم يكن علاجُها ممكناً بالوسائل الطبية التقليدية.

شارك هذا المحتوى

أثناء انشغال العالم بجائحة كوفيد-19، واصلت الحكومة اليابانية خطة عملٍ تشمل كلّ قطاعات البلاد، بهدف تعزيز جاهزية اليابان لتبني تقنيات “الطبّ التجديدي” (Regenerative Medicine)، وهو علمُ تنشيط آليات الإصلاح الذاتية للجسم لعلاج الأمراض التي لم يكن علاجُها ممكناً بالوسائل الطبية التقليدية. ولتمكين آليات تطبيق هذا المجال وتنميته، تبنّت اليابان نهجاً ثلاثيَّ المحاور، بدءاً بالقوانين الناظمة، ثم دعم التصنيع، وتعزيز الجاهزية.

يُعدّ الطبُّ التجديديُّ فرعٌ بحثيٌّ يختصّ بترجمة هندسة الأنسجة وعلم الأحياء الجزيئيّ لتبديل وتجديد الخلايا والأنسجة والأعضاء البشرية لعلاجها من المرض أو الإصابة، وهو – كأيِّ قطاعٍ مبتكَر – يحتاج إلى سياسات داعمة وأخرى ضابطة لتحقيق النتائج المثلى في سياق احتياجات المرضى والمحدِّدات التنظيمية والمجتمعية. وفي بلدٍ يتمتع بتاريخٍ من الابتكارات الطبية كاليابان، يتلقى العلاج بالخلايا الجذعية دعماً حكومياً منذ مطلع الألفية، بدايةً بتمويل البحوث الطبية وإصدار الإرشادات التنظيمية للتجارب السريريّة، حتى مُنحَ علماء يابانيون من جامعة كيوتو “Kyoto” جائزةَ نوبل لاكتشافهم نوعاً جديداً من الخلايا الجذعية.

وبهدف الاستفادة من هذه التكنولوجيا اليابانيةِ المنشأ وتأسيسِ صناعةٍ مؤهَّلةٍ للمنافسة العالمية، تبنت حكومة اليابان ما يسمى بـخطة “الاستعداد للطب التجديدي”، بناءً على الفكرة التي مفادها أنَّ تطوير العلاجات الجديدة المعتمدة على الخلايا والجينات مهمٌ لبدء الاستخدام المنتظم والموسَّع للطب التجديديّ كخيارٍ قابلٍ للتطبيق، ولكن هدفاً كهذا يتطلب جهوداً حكوميةً مكثفةً لرفع القدرات المؤسسية وتوفير ما يلزم من بنيةٍ تحتيةٍ وتنظيمٍ وتدريب، لا سيما بعد مطالبات العلماء اليابانيين بإعادة النظر في الإطار التنظيميِّ لتمكينه من استيعاب الوسائل التكنولوجية الجديدة في العلاج.

ولتحقيق هذه الغاية، وبمساهمةٍ فعّالةٍ من الجمعية اليابانية للطب التجديديّ، بدأت الحكومة اليابانية العمل على تأسيس بيئةٍ اقتصاديةٍ وتنظيميةٍ قائمةٍ على المهارات لنشر الطبِّ التجديديّ على مستوى وطنيّ شامل، وهذا يعني منظومةً كاملةً تتعاون فيها القطاعات الحكومية والصناعية والأوساط الأكاديمية. وكانت البداية في العام 2014، حين تمَّ إصدارُ قانونَين ناظمَين للطب التجديديّ، تمثل أولهما في قانون الأدوية والأجهزة الطبية والمنتجات العلاجية الأخرى، وهو القانون الذي يُعدُّ الأكثر تقليديةً بينهما، حيث أنه تحديثٌ لقانون الصيدلة السابق، ويتضمّن أحكاماً صريحةً بشأن ترخيصِ منتجات الطبِّ التجديديّ التي يطوِّرها المصنِّعون وتنظيم وصولِها إلى الأسواق، ثم يشترطُ إثباتَ سلامة المنتجات وفاعليتها خلال فترةٍ أقصاها 7 سنوات، ليتمَّ تمديدُ الترخيص أو إلغاؤه. وأما القانون الثاني فهو قانون سلامة الطب التجديدي، والذي يختلف بكونه تنظيماً موازياً للبحوث والاستخدامات السريرية للطبّ التجديديّ في المستشفيات بشكلٍ مغاير لأبحاث الشركات التي يَنظُمَها القانون الأول. وخلال العام 2020، وافقت وزارة الصحة والعمل والرفاهية اليابانية على عدة علاجاتٍ وأدويةٍ تجديديةٍ تستهدف أمراضاً كالتهابِ الشبكية الصباغيّ، وضمورِ العضلات الشوكيّ، ونقصِ الخلايا الجذعية الظهارية القرنية، الذي كانَ أول حالةٍ عينيّةٍ يُرخَّصُ علاجُها بالطبِّ التجديدي.

وبعد التعديلات القانونية، توجهت الجهود نحو زيادة التصنيع، وركَّزت على توحيد معايير الجودة وخفض تكلفة تصنيع الطبِّ التجديديِّ بكلِّ أشكاله، ومنح عضوية “جمعية الصناعة اليابانية” لمقدِّمي الخدمات اللوجستية وشركات التأمين ومطوِّري العلاجات والشركات الناشئة ضمن هذا المجال، ثم اتجهت لتطوير رأس المال البشريّ، بإطلاق برامج التدريب والتأهيل وإعداد مناهج للمعنيين بالطبِّ التجديدي ومنح الشهادات لمتخصصي زراعة الخلايا.

وعلى الصعيد المجتمعيّ، أُطلقت اليابان أنشطة مختلفة للتقريب بين الأوساط الأكاديمية والقطاع الصناعي، بمشاركة المنظّمات المعنية بالمرضى، إلى جانب إقامة محاضراتٍ توعوية. ولتعزيز الجاهزية بشكل أكبر، تمكّنت “جمعية الصناعة اليابانية” برعاية الوكالة اليابانية الوطنية لتمويل البحوث الطبية “آميد” (AMED) من إنشاء اتحادٍ وطنيٍّ لدعم الأبحاث السريرية والعلاج التجديديّ والتعليم والاستشارات التنظيمية وتطوير سجلٍّ وطنيّ ليكون قاعدةَ بياناتٍ تضمُّ كلَّ ما أنتجتهُ الأبحاث السريرية ودراسات مراقبة ما بعد التسويق.

ورغم وجود تنظيم خاص يسمح بتقديم علاجات الطب التجديدي لبعض المرضى بغرض الربح قبل الحصول على الموافقة النهائية، لم تشكل هذه النقطة تحدّياً صعباً، فتطبيق هذه “الموافقة المشروطة” ممكنٌ بعد إنجاز المرحلة الثانية من التجارب السريرية، وبعد ضمان توقّعاتٍ دقيقةٍ بمعدلات السلامة والفاعلية قائمةٍ على بيانات التجارب المُتاحة.

ومن جانبٍ آخر، واجهت الحكومة اليابانية تحذيراتٍ بابتعاد كبار صنّاع الأدوية عن السوق اليابانية في حال تطبيق سياساتٍ خاطئة بما يتعلق بلوائح تسعير الأدوية، إلا أنّها ماضيةٌ في ضبط تسعير الأدوية في سعيها لخفض الإنفاق على الرعاية الصحية، وتخطط لمواجهة هذا التحدّي عبر تعزيز مكانتها كوجهةٍ لشركات الأدوية متعددة الجنسيات التي تطوِّر علاجاتٍ خاصة بالطب التجديدي، ودعم المزيد من البحث والتطوير في هذا المجال.

كان الأثر المرجوُّ من قانون سلامة الطب التجديديّ ضبط المنتجات المعتمدة على الخلايا والأنسجة، وقد انعكس في الوقت نفسه على دعم الابتكار في الأبحاث السريريّة كوسيلةٍ لتطوير علاجاتٍ جديدةٍ في اليابان، وذلك ضمن إطارٍ منظَّم. وعلى الجانب التنفيذيّ، كان تطوير قدرة الإنتاج الصناعيّ الضخم جوهرياً لتقديم علاجات الطبِّ التجديديّ وانتشاره على نطاقٍ واسع، كما ساهم الزخم الكبير للتصنيع في تحقيق أقصى استفادةٍ من تكنولوجيا محلية المنشأ وتطوير قطاعٍ ذي مؤهلاتٍ عالمية، إلى جانب ترسيخ الطبِّ التجديديِّ كمجالٍ عابرٍ للقطاعات من خلال تقديم عضوية جمعية الصناعة اليابانية. وبدوره، يمثِّل السجلُّ الوطنيُّ مرجِعاً ثرياً بالأدلة والدراسات المتعلقة بسلامة علاجات الطبِّ التجديديِّ وفعاليتها.

كما تبين التجربة أنّ بعض المبادرات قابلةٌ للتطبيق في بلدان أخرى، في حين يبقى بعضُها الآخر ممكناً فقط ضمن الواقع الحاليِّ للمجتمع والمنظومة الصحية في اليابان.

 

المراجع:

https://www.openaccessgovernment.org/regenerative-medicine-2/119300/

https://ihsmarkit.com/research-analysis/innovation-in-japans-regenerative-sector.html

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

إدارة النفايات

الحكومات تسعى لحلول مبتكرة لإدارة النفايات الإلكترونية

ترى سنغافورة أن النفايات الإلكترونية تشكل خطراً على الصحة العامة بالدرجة الأولى، خاصة عند النظر في مساحة أراضيها الصغيرة التي لا تقبل المزيد من المكبات. وهي تنتج كمية كبيرة من النفايات الإلكترونية يبلغ حجمها قرابة 60 ألف طن متري في العام– أو ما يعادل استهلاك 70 هاتفاً خلوياً في العام لكل شخص في الدولة. لذا قررت سنغافورة التحول إلى الاقتصاد الدائري مع تطبيق نظام “المسؤولية الموسعة للمنتجين” (EPR) بالتعاون مع الفاعلين في صناعة الإلكترونيات من منتجين وبائعي تجزئة ومشغلي مرافق إعادة التدوير، ممّن يعملون على إنشاء مثل هذا النظام بما يتناسب مع احتياجات سنغافورة، ما يعني أن يتشارك هؤلاء الفاعلين في تحمل المسؤولية، وضمان إعادة تدوير النفايات الإلكترونية بطريقة مستدامة وصديقة للبيئة. 

البصمة الكربونية

استخدام أحدث تقنيات التخضير في أبنية الحكومة الفيدرالية الأمريكية

صوبَ هذه الغاية، أطلقت الإدارة برنامج “مساحة الاختبار الخضراء” وهو يمثِّل بيئةَ اختبارٍ لإثبات جدوى تقنيةٍ أو منتجٍ أو عمليةٍ ما لجعل الأبنية الفيدرالية أكثر اخضراراً، انطلاقاً من مبدأ أنّ نجاح هذه التجارب في المباني الفيدرالية يعني أنّها مؤهلة للنجاح في أي مكان مشابه.

وقع اختيار الفريق على 6 تقنياتٍ أمريكية الصنع لتجربتها في مجموعة من الأبنية، وذلك بهدف التحقق من خصائصها التقنية والتشغيلية وإمكانية نشرِها في المستقبل، وستُجرى التجارب ضمن معطياتٍ تحاكي ظروف العالم الحقيقي لتأكيد قدرة هذه التقنيات على الحدّ من التأثير البيئي لهذه المباني.

إدارة الكوارث

كوريا تتبنى حلولاً ذكية لتحسين خدمات الطوارئ

بدايةً، شرعَ فريق الحرائق والكوارث بتطوير منصة رقمية تجمع التقنيات المتقدِّمة كالبيانات الضخمة والذكاء الاصطناعيّ من جهة، مع أرشيف عمليات الطوارئ التي أُنجزت عبر سنوات من جهة أخرى، بما في ذلك المكالمات المسجّلة وجهود الإنقاذ وإعادة تأهيل المواقع المتضررة والمعلومات الميدانية وبيانات الوكالات ذات الصلة. سيمثِّل هذا الأرشيف بنيةً تحتيةً تكنولوجية للمنصة التي ستبصر النور في العام 2026، وستلتقي فيها أنظمة الاستجابة الميدانية المتنوِّعة، كما ستتصلُ بها شاشاتٌ مثبَّتة ضمن مركبات الطوارئ لتزويد الفريق بالمعلومات المباشرة أثناء توجُّهه إلى موقع الحالة الطارئة.