الصين تلجأ إلى التكنولوجيا لمواجهة الجفاف الشديد

الصين تلجأ إلى التكنولوجيا لمواجهة الجفاف الشديد

1 دقيقة قراءة
لمواجهة أشدّ أزمات المياه، شرعت الصين باستكشاف الخيارات التكنولوجية مثل التدخّل البشريّ لتحريض الأمطار، والتعديل الوراثيّ للمحاصيل الغذائية، وأكبر شبكةٍ لنقل المياه ستحمل مليارات الأمتار المكعّبة من شمال البلاد إلى جنوبِها.
شارك هذا المحتوى

أضف إلى المفضلة ♡ 0

لمواجهة أشدّ أزمات المياه، شرعت الصين باستكشاف الخيارات التكنولوجية مثل التدخّل البشريّ لتحريض الأمطار، والتعديل الوراثيّ للمحاصيل الغذائية، وأكبر شبكةٍ لنقل المياه ستحمل مليارات الأمتار المكعّبة من شمال البلاد إلى جنوبِها.

بالنسبة للملايين حول العالم، أصبح الجفاف واقعاً ثابتاً وخطراً داهماً يساهم تغيّر المناخ في شدّته، فدرجات الحرارة المرتفعة تأثّر على معدّلات هطول الأمطار والثلوج، وتستنزف رطوبة الهواء وتروية التربة فتحوِّلها إلى بخار ماءٍ في الغلاف الجويّ، لتسبِّبَ – للمفارقة – أمطاراً غزيرةً وفيضانات في أماكن أخرى.

وفقاً لدائرة الأرصاد الجوية الصينية، حمل صيف العام 2020 أطول موجات حرارةٍ سُجِّلَت على الإطلاق، فمنذ أن أنشأت الحكومة سجلات الطقس في ستينات القرن الماضي، لم يسبق أن استمرت أيّ موجة حرٍّ أكثرَ من شهرين، وقد صوحِبَت هذه الحرارة المرتفعة بتفاوتٍ صارخٍ في معدّلات الهطول المطريّ. ففي حين شهد جنوب البلاد انخفاضاً بنسبة 60%، عانت المناطق الشمالية فيضاناتٍ مدمِّرةً بسبب هطول الأمطار الغزيرة، وبينما تراجع منسوب مياه نهر "يانغتسي" الجنوبيّ، سجّل نظيرُه الشماليّ، "لياو"، أعلى منسوبٍ منذ مطلع الستينات.

عموماً، تبيِّن الدراسة الصينية السنوية لتغيّر المناخ زيادةً مطَّردةً في هاتين الظاهرتين، وهذا لن يؤدي إلى حدوث الفيضانات في بعض المناطق وجفاف المسطّحات المائية في سواها وحسب، بل وسيشوِّش النظام البيئي ويؤثّر على توليد الطاقة الكهربائية من السدود ويغيّر حياة الناس، فالأنهار الآخذة في الجفاف تمثِّل مصدر عيشٍ للمجتمعات التي نشأت على ضفّتَيها، وحرمانُهم منها يلزم الحكومة بوضع خطط الإغاثة وإيجاد البدائل الاقتصادية.

وبالنظر إلى زخم النشاط الاقتصاديّ الصينيّ الذي يغذّي العالم بأسره، والتعداد السكانيّ الهائل البالغ 1.4 مليار نسمة، لا بدّ من حلولٍ سريعةٍ وذكيةٍ أبعدَ من سياسات ترشيد استهلاك المياه التقليدية. لهذا، طرقت الصين الباب التقنيّ، فطوّرت عدة برامج تستهدف مناطق متعددة في البلاد. ففي مقاطعة سيتشوان مثلاً، تعاونت إدارتا الأرصاد الجوية المحلية ومركز تعديل الطقس التابع للإدارة الوطنية مع شركة صناعة الطيران الصينية لإطلاق مشاريع الاستمطار، وهي تقنيةٌ لتعديل الطقس، تعمل على تحسين قدرة السحاب على إنتاج المطر أو الثلج أو تخفيف ظاهرة البَرَد.

ولدت هذه الفكرة في أربعينات القرن العشرين، وقد نجحت الصين في تطوير أكبر برنامج استمطارٍ في العالم حيث تستخدم أجهزةً صغيرة الحجم بتصميم أشبه بالصواريخ تحمل مركَّباً كيميائياً يسمى "يوديد الفضة" على شكل أعواد صغيرة كلٌّ منها بحجم السبابة، ويقوم هذا المركب بتحريض السحاب وتكوين بلورات جليدية أو رقاقات ثلجية، بينما تعمل أجهزة الاستشعار على مراقبة جودة الهواء.

أما في مناطق الغطاء السحابي المحدود، لجأت الحكومة إلى بدائل أخرى تحاول توظيف اختلاف الطقس بين نصفَي البلاد لمصلحتها، ونجد أولَ مثال على هذا في مشروع تحويل المياه من الجنوب إلى الشمال عبر شبكةٍ من القنوات والأنفاق ستكلّف الحكومة الصينية 62 مليار دولار، وستغطّي قرابة 20 ألف كيلومتر.

لعقدٍ من الزمن، ستستمر أولى مراحل المشروع، حيث ستنفَق 9 مليارات دولار لحفر نفقٍ يمتدّ لـ 1400 كيلومتر، وهي المسافة التي ستقطعها المياه من "سدّ الممرات الثلاثة" إلى العاصمة بكين، ولن يحمل النفق المياه إلى خزانات المدينة مباشرة، بل إلى الخزانات السفلية لنهر "هان"، أحد الروافد الرئيسية لنهر "يانغتسي"، ومن هناك ستتجه شمالاً عبر الخطّ الأوسط لمشروع تحويل المياه. ويخطط الباحثون لتحويل المياه الذائبة من هضبة التبت إلى المناطق الصحراوية.

ريثما تكتمل هذه المشاريع وتروي الحقول المتشقّقة، تسعى الأكاديمية الصينية للعلوم الزراعية لتعزيز الأمن الغذائيّ بتطوير محاصيل مقاومة للجفاف مثل بذور الصويا والقمح والأرزّ وغيرها من الأغذية المعدّلة وراثياً، حيث تمت الموافقة على تعديل 11 نوعاً غذائياً يحمل مجموعةً من السمات مثل مقاومة الآفات وتحمُّل الجفاف.

لكنَّ أياً من هذه الحلول المبتكرة لن يقف في وجه تغيُّر المناخ الذي تزداد تجلّياتُه حدةً كلّ عام، وبالتالي لا بدّ من مقارباتٍ أشملَ تستهدف جذرَ المشكلة.

كما أنّ حفرَ شبكة مياه تغطّي الصين بأكملها مهمة بالغة الصعوبة، إذ ستمرّ هذه الأنفاق بواحدةٍ من أصعب البنى التضاريسية في العالم، فهي مليئة بالتصدّعات والضغط الصخريّ والفيضانات والحرارة الجوفية التي تعجز حتى الآليات عن تحمُّلِها. وتعوِّل الصين على الابتكارات الهندسية الثورية في إيجاد حلولٍ لكلّ هذه التحدّيات.

من جانبٍ آخر، فإنّ تقنية الاستمطار محكومةٌ بعوامل كثيرة كالفصل والظروف الجوية، ولا يمكن استخدامُها ما لم تكن هناك سحبٌ في المقام الأول، وما يزال العلماء الصينيون في حيرةٍ بشأن فاعليتها الحقيقية. فما من وسيلةٍ لقياس كميات الأمطار التي كانت ستهطل بشكلٍ طبيعيّ لولا التدخّل البشريّ، وبعبارةٍ أخرى، لا يمكن التأكّد من أنّ التقنية تزيد الهطول المطريّ في ظلّ تعذّر مقارنة أدائِها بالوضع الطبيعيّ، رغم أنّها أثبتت فاعليتها في زيادة معدلات الهطول المطري في مقاطعة سيتشوان مقارنةً بآخر معدّلات مسجلّةٍ قبل بدء عمليات الاستمطار، وقد وجد باحثون أنّها قد تحقق زيادةً بنسبة 20% إذا ما استهدفت سحباً شتوية في منطقةٍ جبلية.

كما تشير الأرقام إلى أنّ مشروع تحويل المياه قد نقلَ 54 مليار مترٍ مكعّب من المياه وغذّى 140 مليون شخص خلال 8 سنوات.

ستساهم البنى التحتية برفع الإنتاج الغذائي السنويّ للصين من 660 إلى 1200 مليون طنٍّ سنوياً، وتزيل عنها عبء الحاجة إلى استيراد قرابة 100 مليون طنٍّ من الحبوب، وتُعِدُّها لمواجهة أقسى الظروف التي قد يحملها تغيُّر المناخ.

المراجع:

https://www.wired.co.uk/article/china-drought-solutions
https://www.scmp.com/news/china/science/article/3186606/chinas-new-mega-tunnel-will-send-water-three-gorges-dam-beijing
https://english.news.cn/20220907/08fbe4d0009646aba1c750fb4659006b/c.html
https://www.bbc.com/news/62751110
https://edition.cnn.com/2022/08/17/asia/china-heat-drought-climate-yangtze-intl/index.html
https://www.parisguardian.com/news/272165660/china-aims-high-in-agricultural-sci-tech-innovation
اشترك في منصة ابتكر لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والمساقات والأدوات والابتكارات الحكومية
قم بالتسجيل
أشترك في القائمة البريدية لمنصة ابتكر | كل أسبوع
القائمة البريدية للمبتكرين
نشارك أكثر من 20,000 مبتكر أسبوعياً نشرة أخبارية ترصد الابتكارات العالمية من كافة أنحاء العالم
Subscription Form (#8)
المزيد من ابتكر

سجل خوارزميات أمستردام لمعالجة التحيز في الذكاء الاصطناعي الحكومي

على الرغم من حداثة طرحها، وافتقارها لغاية الآن إلى قواعد تنظيمية وافية تحدّ من جوانب قصورها ومخاطرها، إلا أن تقنيات الذكاء الاصطناعي شهدت تبنّياً سريعاً وواسعاً في كلا القطاعين الحكومي والخاص. والتحيّز هو إحدى النقاط التي قد تعيب هذه التقنيات. لكن هناك مبادرة رائدة جديرة بالبحث والمتابعة طورتها العاصمة الهولندية أمستردام، كخطوة أولى للحد من ما يعرف بـ"تحيز الذكاء الاصطناعي" في تقديم الخدمات الحكومية، ذلك من خلال إنشاء سجلّ أو أرشيف للخوارزميات المستخدمة، سعياً لرفع مستوى الشفافية، والمساءلة وتوسيع نطاق المشاركة في تحسينها.

 · · 8 مايو 2024

سيؤول تطمح أن تكون مدينة الروبوتات العالمية

أمام ظاهرة شيخوخة السكان وانكماش الفئة العاملة، تتوجه حكومة العاصمة الكورية، سيؤول، إلى الروبوتات لسدّ فجوة العرض والطلب في الاقتصاد المحلي، فبدأت بتوظيف الروبوتات لتقديم الخدمات ودعم مشاريع مطوِّريها وإنشاء مركزٍ بحثيٍّ متخصِّصٍ لإجراء التجارب، لتكون بهذا مثالاً لدولةٍ تسخّر التكنولوجيا للتغلب على تحديات صعبة في رأس مالها البشري. غالباً ما تنتج أفضل الابتكارات عن […]

 · · 21 أبريل 2024

سنغافورة تعزز الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

كشفت السلطات في سنغافورة عن تطويرها لإطار عمل ومجموعة أدوات اختبار مبتكرة تساعد الشركات في مختلف القطاعات على تعزيز الحوكمة والشفافية والمساءلة في تطبيقاتها للذكاء الاصطناعي.

 · · 29 يناير 2024

التحول الرقمي للقطاع المالي البرازيلي يعزز الشمول المالي

تشهد البرازيل ثورةً في عالم التمويل الرقميّ وتزايداً في أعداد المنضمّين إليه، من خلال حملة إصلاح شاملة تقودها الحكومة، تكثِّف استخدام التكنولوجيا وتركّز على احتياجات العملاء وتجدِّد اللوائح وتطوِّر تطبيقات التحويل الفوري وتحمي مواطنيها من ارتفاع الفوائد وعمليات الاحتيال.

 · · 22 يناير 2024

كيف يساعد الذكاء الاصطناعيّ فِرَق الإطفاء الأمريكية

أمام أخطار كثيرة ومتنوعة تواجه رجال الإطفاء، من الأبنية الآيلة للانهيار إلى حالات الوهج الشديد التي قد تحدث في أي لحظة عند ارتفاع درجات حرارة الحرائق أو حرائق الغابات التي تلتهم كلّ ما في طريقها، لجأت عدة مدن أمريكية للذكاء الاصطناعيّ، بغية ترتيب أولويات هدم الأبنية القديمة، وإرشاد فِرَق الإطفاء في مهامها، والتنبؤ بحالات الانفجار الناتجة عن الحرائق الشديدة.

 · · 19 ديسمبر 2023
magnifiercrossmenuchevron-downarrow-right