الذكاء الاصطناعي يساعد في التشخيص المبكر لأمراض القلب بسنغافورة

توظيفاً للتقنيات الحديثة في تحسين الرعاية الصحية، تعاونت عدة كيانات سنغافورية لإنشاء مخبر مُجهز بتقنية الذكاء الاصطناعي لإجراء التشخيص السريع للمصابين بأمراض القلب والقيام بالتدخل المبكر.

شارك هذا المحتوى

توظيفاً للتقنيات الحديثة في تحسين الرعاية الصحية، تعاونت عدة كيانات سنغافورية لإنشاء مخبر مُجهز بتقنية الذكاء الاصطناعي لإجراء التشخيص السريع للمصابين بأمراض القلب والقيام بالتدخل المبكر.

تحتلّ أمراض القلب المرتبة الأولى على اللائحة العالمية للأمراض القاتلة، إذ تودي سنوياً بحياة قرابة 18 مليون شخص وتعيق حياة الملايين. وعادةً ما يخضع المرضى لفحوصاتٍ عديدةٍ لتشخصيهم، تتنوّع من تصوير القلب والأوعية الدموية بالرنين المغناطيسي، مروراً بالتصوير المقطعي المحوسَب، وليس انتهاءً بالتصوير النووي. وعبر هذه الفحوصات، يمكن تحليل بنية القلب وفاعليته والكشف عن مؤشرات الإصابة بأمراض القلب كتخثرات على جدران الشرايين أو تلف في عضلة القلب أو انقطاعٍ في إمداد الدم.

في سنغافورة، تسجِّل المستشفيات يومياً 19 حالة وفاة ناجمة عن أمراض القلب والأوعية الدموية والسكتات القلبية، حتى أنّها شكّلت ثلث وفيات البلاد في العام 2020 وفقاً لـ “مؤسسة القلب السنغافورية”. وفي محاولة تخفيض هذه الأرقام، تجري الكوادر الطبية سنوياً مئات آلاف الفحوصات للمرضى لإجراء التدخّلات اللازمة قبل فوات الأوان، إلا أنّ هذه الفحوصات تستغرق وقتاً طويلاً وجهداً هائلاً يمكن استثمارُهما في علاج المرضى.

وبما أن سنغافورة من أحد الدول الأكثر تطوراً من الناحية التقنية، فقد اتجهت أنظار الجهات  الحكومية إلى توظيف التقنيات الناشئة والبرمجيات الحديثة في مجال الرعاية الصحية. لتحقيق هذا الهدف، تأسس تعاونٌ بين “مجموعة الرعاية الصحية” و”المركز الوطني السنغافوري للحوسبة الفائقة”. سيقدم الكيانان الدعمَ لكلٍّ من “المنظمة السنغافورية للابتكار” و”المؤسسة الصحية السنغافورية” في شراكتهما التي ستستمر لثلاث سنوات.

وقد أثمرت هذه الجهود عن افتتاح “مركز القلب الوطني بسنغافورة” لمختبرٍ هو الأول من نوعه على مستوى جنوب شرق آسيا، وهو نتاج أبحاث المركز مع فريق من جامعة “نانيانغ التكنولوجية” وكلية “نجي آن بوليتكنِك”.

في هذا المختبر المختص بأبحاث التصوير القلبي، يعتمد المركز التابع للمؤسسة الصحية على الذكاء الاصطناعي في قراءة مخططات كهربية القلب لاكتشاف أمراض القلب والتنبؤ بها بسرعة ودقة كبيرتَين. تقيس هذه الأجهزة النشاط الكهربائي للقلب للكشف عن أي تشوهات أو خلل في الأداء.

تقوم خوارزميات الذكاء الاصطناعيّ بالتقاط المعلومات وتحليلِها بالتفصيل ووفق عدة أبعاد، فهي ترصد التغييرات الطفيفةَ التي قد تغفل عنها العين البشرية. والأهمّ هو أنّها تفعل ذلك خلال دقائق، وهي مدةٌ قصيرة للغاية إذا ما قورِنَت بالمدة التي يستغرقها اختصاصيو الأشعة، والتي تتراوح بين ساعتين إلى أربع ساعات. باستخدام هذه التقارير المفصّلة، يعمل الأطباء على تتبع حالات المرضى ومراقبة تطوُّرِها والتنبؤ بالاحتمالات المستقبلية لتحسُّن الحالة أو تراجُعِها. بالإضافة إلى ذلك، تستقبل البرمجيات البيانات والمعلومات الحقيقية بصورة يومية، فهي تستخدم تقنية التعلُّم الآليّ التي تمكِّن الحواسيب من التعلُّم من التجارب السابقة والمُخزَّنة كما يفعل الإنسان.

بطبيعة الحال، تتطلب برمجيات الذكاء الاصطناعيّ وجود مَراجع، وهي في هذه الحالة تتمثل بملفات المرضى القدامى التي جُمعت من أربع قواعد بياناتٍ عامة. ولتفادي أية مخاوف أو تحديات تتعلق بالخصوصية، استعان مركز القلب الوطني بسنغافورة بالأجهزة والبرامج التقنية اللازمة لنقل معلومات المرضى وتخزينها ومعالجتها بشكلٍ آمنٍ كلياً.

وقد قام الفريق القائم على هذا الابتكار بتجريب التقنية لتحليل وتشخيص المخططات الكهربية للقلب التي تم الحصول عليها من مجموعتين من المشاركين، أحدهما تحوي أشخاص أصحاء وأخرى تتضمن مرضى قلب، وتم فيما بعد مقارنة النتائج. إن قدرة الخوارزميات الذكية على تحليل المعطيات المعقّدة هي على مستوياتٍ تفوق القدرة البشرية، إذ تحقق كفاءة عالية من ناحيتَي الوقت والجهد، إلى جانب التقييمات التي حقّقت نسبة دقةٍ تعادل 98.5%، والتي تمكِّن الأطباء من وصف العلاجات الوقائية بفعالية وتجنّب مضاعفاتٍ كأمراض الكلى.

وقد كان لسنغافورة تجربة قريبة مماثلة لخدمة القطاع الصحي، حيث قام فريق من الباحثين السنغافوريين بتطوير نظام يعمل بالذكاء الاصطناعيّ، ويقوم بفحص صور العين للمصابين بالسكريّ لتشخيص الإصابة باعتلالات العين بشكلٍ يقلل الجهد البشريّ اللازم لإجراء تلك الفحوص بنسبة 70%، ويختصر مدّتها إلى دقائق.

تمثل الابتكارات التقنية التي تختصر الوقت والجهد والتكلفة حلاً مثالياً لبعض التحديات التي تواجه سنغافورة في قطاعها الصحي، حيث إن ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية وزيادة الضغط على خدماتها يقيد إمكانية المنظومة الصحية من الاستجابة لاحتياجات المواطنين، خصوصاً مع زيادة حدة ظاهرة “شيخوخة السكان” في سنغافورة وحاجتهم للرعاية الصحية المستمرة. ولكن لايزال تقبّل الذكاء الاصطناعي في تشخيص ومعالجة المرضى مسألةً معقدةً قد لا تلقى الإقبال المطلوب من قبل العامة. ومن هنا تبرز أهمية توعية المواطنين والتواصل معهم حول كفاءة ودقة الذكاء الاصطناعي في مجال الرعاية الصحية باستخدام شرح مبسط ودلائل داعمة تعزز من ثقتهم في تلك التقنيات. وقد يحتاج الطبيب أن يتواصل مع المرضى حول دواع استخدام الذكاء الاصطناعي ومدى فعاليته في عملية التشخيص في بادئ الأمر.

وعلى المدى البعيد، من شأن مشاريع كهذه أن تسهم في توسيع إمكانية وصول المرضى إلى الفحوصات والعلاجات وتحسين الرعاية الصحية في عموم البلاد.

المراجع:

https://www.straitstimes.com/singapore/health/detecting-monitoring-heart-disease-gets-an-edge-from-ai-with-new-lab-at-national-heart-centre

https://www.straitstimes.com/singapore/singapore-team-invents-new-ai-tool-which-could-speed-up-diagnosis-of-heart-disease

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

إنترنت الأشياء

سيؤول تنشر خدمات المدينة الذكية لتعزيز السلامة والرفاهية

في المنافسة الآسيوية، سبق لعاصمة كوريا الجنوبية أن احتضنت مبادراتٍ ذكية كما خلال جائحة كوفيد-19، حيث أعدّت السلطات، في محاولة منها للحفاظ على استمرار الخدمات مع إبقاء الاتصال البشريّ في حدوده الدنيا، أجهزةً ذكيةً تنجز مهام عديدةً آلياً ومن دون تلامس. بالنسبة لكبار السن، كانت هذه النقلة مفاجئةً، فواجهوا معوِّقاتٍ كثيرةً عند محاولة استخدام الأكشاك والأجهزة الرقمية، أشياء من قبيل حجم الخط في التطبيقات، أو إرشادات الاستخدام المُبهمة، أو صعوبة مواكبة هذه التطورات الرقمية المَهولة.

إندونيسيا

كيف تعمل إندونيسيا على تحسين الوضع الاقتصادي للمجتمعات الريفية

في إندونيسيا، لا يمكن للجميع الوصولُ إلى الإنترنت، فالدولة تفتقر للبنى التحتية وتعاني محدودية الخيارات السلكية واللاسلكية. وقد أشارت إحصائيات العام 2019 إلى وجود أكثر من 12 ألف قريةٍ تفتقر لإنترنت الجيل الرابع، و94 مليون راشدٍ إندونيسيّ عاجز عن استخدام الإنترنت، كما أنّ عدداً أكبرَ من السكان يفتقرون لخدمة الإنترنت الثابت عريض النطاق، فيما يعاني 60 إلى 70% من سكان شرق البلاد من تقلُّبات جودة الخدمة. والمؤشر الأهم هو أنّ 80% من هؤلاء يعيشون في الأرياف التي لا يمكن الوصول إليها عبر المترو، وتعتمد معظمُها على الأقمار الصناعية محدودة القدرة على معالجة البيانات.

الهند تستخدم الذكاء الاصطناعيّ لتعزيز سلامة الطُرُقات

وضعت الحكومة الهندية هدفَ تخفيض عدد الوفيات إلى النصف بحلول العام 2030، واستهلّت هذا المسعى بإطلاق مشروع باسم “الحلول الذكية للسلامة الطرقية عبر التكنولوجيا والهندسة”، والذي جاء حصيلة تعاون عدة شركاء، كمبادرة الذكاء الاصطناعيّ الهندية، والمعهد العالي لتكنولوجيا المعلومات بحيدر أباد، والمعهد المركزي لبحوث الطرق التابع لمجلس الأبحاث العلمية والصناعية، وشركاء من القطاع الخاص، والهيئة البلدية بمدينة “ناجبور”.