الذكاء الاصطناعيّ والتوأم الرقميّ لإنعاش الغابات المحترقة في أستراليا

بعد كارثة حرائق العامين 2019 و2020، تعمل ولاية فيكتوريا الأسترالية على تحديث بيانات الغطاء الشجريّ لبناء القدرات والمقاومة المستقبلية، وذلك عبر تقنياتٍ كالتعلُّم الآلي والتصوير عالي الدقة.

شارك هذا المحتوى

بعد كارثة حرائق العامين 2019 و2020، تعمل ولاية فيكتوريا الأسترالية على تحديث بيانات الغطاء الشجريّ لبناء القدرات والمقاومة المستقبلية، وذلك عبر تقنياتٍ كالتعلُّم الآلي والتصوير عالي الدقة.

تتعدّد أنواع الكوارث الطبيعية التي قد تضرب بلداً ما، وكذلك تلك التي يتسبّب بها البشر، لكنّ بعض الدول تنفرد بظواهر شديدةٍ ومتكررة يفرضها موقعها الجغرافيّ أو طبيعة مناخِها، كحالة أستراليا التي تواجه خطراً دائماً يتمثّل بحرائق الغابات.

على مدار 6 أشهر بين العامين 2019 و2020، قاسَت أستراليا ما عُرِفَ بالصيف الأسود، كارثةٌ لم يسبق لها مثيل منذ قرنين، التهمت فيها الحرائق أكثر من 8 ملايين هكتار من الأراضي، بينها أكثر من 100 نوعٍ احترقَ بالكامل وقرابة 816 خسرت نصفَ تعداداتِها، ما يعرِّض بعض النظم البيئية لخطر “فشل التجديد”. منذ ذلك الحين، استثمرت السلطات الأسترالية قرابة 200 مليون دولار في منظومة الاستجابة للطوارئ وبناء المقاومة، واتخذت سلسلة إجراءات رامية لدعم تعافي الحياة البرية الأصلية وموائلها.

في ولاية فيكتوريا التي انفردت بقرابة رُبعِ الخسائر، أودت الحرائق بـ 1.5 مليون هكتار من الغابات والمزارع والموائل والمحميات وغيرها، وتركت الحكومة في سعيٍ حثيثٍ لبناء القدرات التنبؤية، الأمر الذي يتطلب رسم الخرائط الدقيقة وتكوين صورة واضحة عن الوضع الحالي للغطاء النباتيّ للولاية، وهو ما يستلزم عملاً يدوياً مكثَّفاً وكلفةً مرتفعة.

هذا ما دفع وزارة البيئة والأراضي والمياه والتخطيط للتعاون مع شركتَي “فرونتيير” و”أوربيكا” بهدف تحديث بيانات الغطاء الشجريّ على مستوى الولاية، ليتولّى “فرع معلومات الأراضي والخدمات المكانية” تأمين البيانات الجغرافية والمكانية التأسيسية الشاملة، وجمع بيانات التصوير الجوي والارتفاعات، وقيادة أنشطة المشاركة الصناعية التي تتيح هذه الخدمات والخرائط للكيانات الحكومية والمجتمعات المحلية وأصحاب الأعمال.

وكانت حكومة فيكتوريا قد قدّمت قرابة 55 مليون دولار لبرنامج الاستجابة والتعافي لدعم الحياة البرية والتنوع البيولوجيّ، وحوالي 8 مليون دولار لإعادة زرع غابات جبال الألب وجبل الرماد، وتلقّت بدورِها من حكومة الكومنولث مِنحة بقيمة 15 مليون دولار لحماية الحياة البرية.

منذ أربعينات القرن الماضي، تحتفظ الوزارة بأرشيف صورٍ غنيٍّ لغطائها النباتيّ، وتواظب على تحديثه سنوياً وإضافته إلى “برنامج الصورِ المنسَّقة”، الذي استخدمته لالتقاط الصور الجوية بعد الحرائق، بدقة تغطي 20 سنتيمتراً للأرياف، و10 سنتيمترات للمناطق ذات الأولوية، بعد أن كانت دقّة الصور المتاحة تغطي 10 أمتار، فكلما غطت الصورة مساحة أصغر، ظهرت تفاصيل أكثر وبدقة أعلى.

في المرحلة التالية، عملَ الفريق على معالجة أكثر من 35 تيرابايت من الصور عبر تقنيات الحوسبة السحابية، وتطبيقِ تقنية التعلّم الآليّ على الصور الجوية وبيانات الارتفاع الموجودة مسبقاً، وذلك لتحديد مقدار الظل والكثافة المكانية للأشجار، والمواقع التي توجد فيها أشجار منفردة في المناطق الحَضَرية.

وقد اختار الفريق تقنيتين تنتميان إلى مجال الرؤية الحاسوبية، الأولى هي التجزئة الدلالية، وهي تقنيةٌ لمعالجة الصور الرقمية، تقوم بتصنيف وحدات البكسل إلى فئاتٍ تقابلها. أما الثانية، فهي تقنية اكتشاف الأشياء، وهي أحد فروعِ التعلُّم الآليِّ، وتركّز على استخراج الأنماط أو الأشياء ذات المعنى من الصور، لتصنِّفها إلى فئاتٍ مختلفة وتميِّزَ كلّاً من محتوياتها برمزٍ خاص. بعدئذٍ، أنشأ الفريق مجموعاتِ بياناتٍ تدريبيةً لتمكين الخوارزميات من تحديد الخصائص المرئية لظلال الأشجار. بهذا، أصبح في وسع نماذج الرؤية الحاسوبية تصنيف وحدات البكسل في كلِّ صورةٍ بقياس 20 سنتيمتراً على أنها إما أشجار، أو نباتات من نوع آخر، عبر عرض أمثلة تبيِّن كيف يحدِّد سكان فيكتوريا مناطق الغطاء الشجريّ. وقد طُبِّقَ هذا النموذج على 43 مشروعاً تابعاً للوزارة، للخروج بتصنيفٍ دقيقٍ للكثافة المكانية للغطاء الشجريّ عبرَ 3 فئات، وهي الكثيفة، والمتوسطة، والمتفرِّقة.

لقياس فاعلية النموذج، تم تقييم مدى مظلّية الأشجار في 12 منطقة ذات خصائص نباتية وشجرية مختلفة، وذلك بمقارنة الأشجار بمعدّلات محددةٍ مسبقاً. وقد بلغت الدقة الإجمالية لهذه التجربة 80%، فيما حقّقت نصف المناطق أداءً أفضل ونِسَباً أعلى من 95%.

ستبقى هذه الصور محظورة لـ 6 أشهر، ثم ستُتاح للمستخدمين المهتمين، بالتزامن مع إنشاء منصة التوأم الرقميّ لفيكتوريا الذي سيستمر حتى العام 2024 بميزانية 4 ملايين دولار أستراليّ، والذي يدعم أنشطة إدارة الأراضي والبنية التحتية ورسم خرائط الفيضانات والغطاء النباتي والتراث الثقافيّ ودراسة التغيُّرات الديمغرافية ووضع النماذج لكلِّ ذلك.

وقد واجه البرنامج عدة تحديات تنفيذية أفضت إلى دروسٍ ورؤى لتطوير العمل، أولُها أنّ كثافة البيانات لا تضمن بالضرورة نتائجَ مثمرة، لا سيما البيانات التدريبية، فحين يغطي التدريب منطقةً واحدةً بخصائصَ وسماتٍ معيّنة، غالباً ما سيكون تطبيقُه في مناطق أخرى مليئاً بالأخطاء. لذا، فإنّ جودة النماذج التدريبية واستيعابَها للاختلافات الإقليمية أهمّ من كميّتها.

ثانياً، لا يمكن للتقنية أن تُغني عن الدور البشريّ مهما بلغت من تقدُّم، فقد وقعت الخوارزميات في العديد من الأخطاء التي تستلزم التدخل البشريّ لتحليل البيانات واستخدامِها بالشكل المناسب، إلى جانب تقييم أداء ودقة نموذج التعلّم الآليّ، لا سيما عند رفده بصورٍ جديدة.

لكنّ هذه التقنيات قدّمت بيانات حديثة وذات صلة للمستخدِمين من صناع القرار وعلماء البيئة، وحوّلت عمليةً تستلزم عامين من الجهد المتواصل لـ 100 موظّف إلى أقلّ من أسبوعٍ من العمل التقنيّ للخروج بمعطيات دقيقةٍ أكثر بـ 2500 مرةً من الطريقة التقليدية.

وعلى نطاق أوسع، تستثمر سلطات فيكتوريا مع بقية الولايات في تطوير علوم البيانات وترقية السوق الأسترالية التي تتقدّم بسرعةٍ لتحجز مكانةً عالميةً رائدة.

المراجع:

https://www.cwp.org/urban-tree-canopy/#:~:text=Urban%20tree%20canopy%20(UTC)%20is,ground%20when%20viewed%20from%20above

https://www.un.org/development/desa/en/news/population/2018-revision-of-world-urbanization-prospects.html

https://www.nature.com/articles/s41467-021-21266-5

https://www.dcceew.gov.au/environment/biodiversity/bushfire-recovery

https://www.theguardian.com/australia-news/2020/jan/03/victoria-fires-state-of-disaster-declared-as-evacuation-ordered-and-second-man-found-dead

https://www.wildlife.vic.gov.au/home/biodiversity-bushfire-response-and-recovery

https://www.spatialsource.com.au/reshaping-victorias-vegetation-datasets/

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

الاستدامة

روتردام تستخدم التكنولوجيا الذكية لإنقاذ المدينة من الغرق

لتحويل موقعها الجغرافيّ المحاذي للبحر إلى نقطة قوة، رسّخت مدينة روتردام الهولندية مكانتها كمختبرٍ للإدارة الذكية للمياه، حيث تدمج التكنولوجيا والتصميم الأخضر لتخضير أسطح بيوتها وتحويلها إلى حدائق في مواجهة مخاطر الفيضانات.

حلول التبريد

لندن تبتكر حلاً لخفض درجات الحرارة في شبكة قطارات الأنفاق

في أحد أكبر شبكات في العالم، تعمل حكومة المملكة المتحدة على مقاربة مشكلة متجذِّرة، وهي ارتفاع درجات الحرارة ضمن الأنفاق، إلى أن توصّلت مؤخراً إلى حلٍّ مبتكرٍ يضخّ الهواء البارد بأذكى استغلالٍ للمساحة وأقلّ قدرٍ من متطلباتٍ الصيانة، بينما تسعى لتأمين التمويل اللازم لنشره على مستوى وطنيّ.

إدارة الكوارث

بنغلادش تطلق منصة رقمية لتعزيز منظومة إدارة الكوارث

بهدف مواجهة تبعات الكوارث الطبيعية في واحدةٍ من أكثر بقاع العالم تعرَّضاً لها، تعمل حكومة بنغلادش على بناء المرونة عبر منصةٍ رقميةٍ توفّر البيانات المتعلّقة بالظواهر المناخية وتقيِّم المخاطر وتوجّه المعنيّين إلى الإجراءات اللازمة.