“التنقل كخدمة” في اليابان: سوق مبتكرة تقدر ب 61 مليار دولار

هل يعقل أن يتصدر خبر تأخر قطار عن موعد وصوله نشرات الأخبار؟

شارك هذا المحتوى

هل يعقل أن يتصدر خبر تأخر قطار عن موعد وصوله نشرات الأخبار؟ ليس هذا بمستبعد عن اليابان التي تشتهر قطاراتها بالدقة والالتزام بالمواعيد لدرجة أن وصول قطار متأخر عن موعده يصبح خبراً يذاع في وسائل الإعلام الوطنية. وقد يتسائل البعض، كيف تتعامل اليابان مع ما فرضته جائحة كوفيد-19 من خسائر مادية وتعطيل للخدمات العامة، خصوصاً في مجال المواصلات العامة؟

أدت جائحة كوفيد-19 إلى تعطيل الكثير من الخدمات العامة الحيوية في بلدان العالم. وقد وجد المشرفون على تشغيل تلك الخدمات أنفسهم أمام تحدٍ حقيقي يتطلب منهم إيجاد وسائل مبتكرة وتدابير غير مسبوقة. ففي اليابان، تواجه شركات النقل العام والسكك الحديدية تبعات جائحة كوفيد-19 التي أدت إلى تقليص أعداد المستخدمين للمواصلات العامة وبالتالي انخفاض عائدات النقل والمواصلات، وتحدٍ أخر يكمن في أن تلك الشركات تدير أيضاً مجمعات تسوق كبيرة داخل المحطات التي طالما أسهمت في نمو المدن اليابانية التي انتفعت من أرباح المبيعات والسياحة.

ولتجاوز هذا الوضع، حاولت مؤسسات النقل والمواصلات معالجة مخاوف الركاب المتعلقة بعدوى فيروس كورونا في وسائل النقل العام، من خلال الالتزام بقواعد الصحة العامة في المحطات وتوفير الظروف الآمنة لتشجيع تنقل السياح والنساء وكبار السن، وتسهيل حركتهم عبر خطوطها. ومن هنا جاء دور الجهود اليابانية المبتكرة لتطوير وترويج نظام جديد تحت مسمى “التنقل كخدمة” (MaaS).

يُنظر إلى “التنقل كخدمة” على أنه تسهيل وتوفير خدمات النقل عند الطلب، مثل خدمات حجز سيارات الأجرة أو مشاركة المركبات. لكن في اليابان يتسع هذا المفهوم ليشمل قطاعاً واسعاً من الخدمات التي تتسم بالمرونة وتتجاوب مع طلب المستخدمين. فالتنقل كخدمة، بالنسبة لوزارة الأراضي والبنية التحتية والنقل والسياحة اليابانية، هو نظام للبحث والحجز والدفع وما إلى ذلك، يجمع بين وسائل المواصلات العامة المتعددة وخدمات النقل الأخرى، تلبيةً لاحتياجات تنقّل وسفر كل مقيم أو مسافر، على أساس كلّ رحلة برحلتها.

ولكون سكان اليابان، والسياح فيها، يعتمدون اعتماداً كبيراً على المواصلات العامة في التنقل داخل وبين المدن، فإنه من البديهي أن يحدث ابتكار “التنقل كخدمة” نقلةً نوعيةً في قطاع النقل والمواصلات. حيث يعمل على تهيئة ظروف تنقل ملائمة للمستخدمين ويساهم في حل التحديات التي تواجه المدن محلياً بالتنسيق مع خدمات أخرى ذات صلة غير مباشرة، مثل السياحة والرعاية الطبية.

تبنت الوزارة اليابانية “التنقل كخدمة” كحل مبتكر في قطاع النقل وعملت على تطوير نسختها الخاصة منه، مطلقةً عليه اسم “Japan MaaS” حيث يصف تجربة اليابان الفريدة. وتعمل الوزارة على تحسين انسيابية المواصلات في البلاد، مستفيدة من خبراتها وسمعتها في هذا المجال، بما في ذلك القدرة على نقل ملايين الأشخاص يومياً في المدن الكبيرة، مثل طوكيو، بسرعة وكفاءة ودقة عالية. وقد عزّز الاهتمام العام والخاص بالتنقّل كخدمة في اليابان التوقعات بتحقيق نمو كبير. ففي العام 2019، تنبّأ معهد يانو للأبحاث بأن تصل قيمة السوق المحلية لـ”Japan MaaS” إلى 61 مليار دولار في العام 2030، مقارنة ب 813 مليون دولار في العام 2018، أي بمعدّل نمو يبلغ 44.1 بالمئة سنوياً، اعتباراً من العام 2016.

وبالتزامن مع ذلك، بدأت الحكومة اليابانية في العام 2019 بالعمل جدياً على تطوير سياسات تضمن تشغيل وإدارة ابتكار “Japan MaaS” بشكل فعال. فركّزت على الحاجة إلى مشاركة البيانات من أجل بناء قواعد ومنصات معيارية موحدة لـلخدمة، وشددت على ضرورة تحقيق خدمات تنقل فعالة من خلال ربط مجموعة متنوعة من وسائل التنقل وبيانات البنية التحتية، وتوسيع نطاق المدفوعات غير النقدية، وتَشارُك البيانات المتعلقة بالخدمة لدى وجهات التنقل. وبالإضافة إلى ذلك، ركّزت الحكومة على الخدمات المبتكرة التي تقدمها أنواع حديثة من المركبات، بما يشمل المركبات المجهزة بالذكاء الاصطناعي لتلبية احتياجات المواصلات عند الطلب، ومركبات التنقل الصغيرة الكهربائية، وخدمات التنقل ذاتية القيادة.

في نهجٍ أكثر توسعاً لتعزيز “Japan MaaS” بين الأقاليم، تعمل الوزارة مع جهات حكومية محلية وشركات في القطاع الخاص، على تحسين وتنويع الخيارات المتاحة للنقل والمواصلات أمام السكان المحليين، وخاصة كبار السن في المناطق الريفية، وتسهيل انتقال الزوار الأجانب إلى مناطق داخل البلاد ليس من المألوف للمسافرين الذهاب إليها.

يستند هذا النهج على واقع أنّ “التنقل كخدمة” مفهوم قائم بالفعل ومنتشر في مناطق مختلفة من اليابان. على سبيل المثال، في مدينة فوكوكا ومدينة كيتاكيوشو، أطلقت شركتا Toyota Motors و Nishi-Nippon Railroad خدمة تنقل متعددة الوسائط للهواتف الذكية تسمى “مساري”، تتيح للمستخدمين التخطيط لرحلاتهم عن طريق تسجيل الوجهة المقصودة، ثم الاختيار من بين طرق ووسائل مختلفة للتنقل، بما في ذلك المشي والحافلات والقطارات وسيارات الأجرة. يحتوي التطبيق على خدمات الدفع، بالإضافة إلى معلومات الوجهة مثل المطاعم والمقاهي. تم تضمين هذه الخدمة في البنية التحتية الناشئة في اليابان للتنقل كخدمة، بما تقدمه من تطبيقات متعددة تساعد الركاب على التنقل ضمن شبكات النقل المعقدة في المدن الكبرى.

أحدثت “Japan MaaS” آثاراً ونتائجاً عدة على الاقتصاد والمجتمع الياباني. فقدرة هذا الابتكار التكنولوجي على مراقبة وتحسين المواصلات في المدن، تساعد الحكومات المحلية في تخفيف الازدحام على أنظمة النقل الجماعي، للحدّ من انتشار عدوى فيروس كورونا. كما تتيح هذه التكنولوجيا للسواح اتخاذ قرارات سلسة تخص وجهات ومسارات تنقلهم، وتكشف لهم مواقعاً جذابة غير شائعة في المدن المضيفة. كما إن “Japan MaaS” تقدّم خدمات مميزة لكبار السن وأصحاب الهمم تمكنهم من التنقل بسهولة ضمن المدن، الأمر الذي يشكل خطوة ناجحة في توفير خدمات النقل لشريحة كبيرة من السكان، حيث تعد اليابان من الدول التي ترتفع نسبة كبار السن فيها.

المراجع:

https://www.forbes.com/sites/japan/2020/11/30/japan-is-innovating-mobility-as-a-service-and-creating-a-61-billion-market/؟sh=548327042d87

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

إدارة النفايات

الحكومات تسعى لحلول مبتكرة لإدارة النفايات الإلكترونية

ترى سنغافورة أن النفايات الإلكترونية تشكل خطراً على الصحة العامة بالدرجة الأولى، خاصة عند النظر في مساحة أراضيها الصغيرة التي لا تقبل المزيد من المكبات. وهي تنتج كمية كبيرة من النفايات الإلكترونية يبلغ حجمها قرابة 60 ألف طن متري في العام– أو ما يعادل استهلاك 70 هاتفاً خلوياً في العام لكل شخص في الدولة. لذا قررت سنغافورة التحول إلى الاقتصاد الدائري مع تطبيق نظام “المسؤولية الموسعة للمنتجين” (EPR) بالتعاون مع الفاعلين في صناعة الإلكترونيات من منتجين وبائعي تجزئة ومشغلي مرافق إعادة التدوير، ممّن يعملون على إنشاء مثل هذا النظام بما يتناسب مع احتياجات سنغافورة، ما يعني أن يتشارك هؤلاء الفاعلين في تحمل المسؤولية، وضمان إعادة تدوير النفايات الإلكترونية بطريقة مستدامة وصديقة للبيئة. 

البصمة الكربونية

استخدام أحدث تقنيات التخضير في أبنية الحكومة الفيدرالية الأمريكية

صوبَ هذه الغاية، أطلقت الإدارة برنامج “مساحة الاختبار الخضراء” وهو يمثِّل بيئةَ اختبارٍ لإثبات جدوى تقنيةٍ أو منتجٍ أو عمليةٍ ما لجعل الأبنية الفيدرالية أكثر اخضراراً، انطلاقاً من مبدأ أنّ نجاح هذه التجارب في المباني الفيدرالية يعني أنّها مؤهلة للنجاح في أي مكان مشابه.

وقع اختيار الفريق على 6 تقنياتٍ أمريكية الصنع لتجربتها في مجموعة من الأبنية، وذلك بهدف التحقق من خصائصها التقنية والتشغيلية وإمكانية نشرِها في المستقبل، وستُجرى التجارب ضمن معطياتٍ تحاكي ظروف العالم الحقيقي لتأكيد قدرة هذه التقنيات على الحدّ من التأثير البيئي لهذه المباني.

إدارة الكوارث

كوريا تتبنى حلولاً ذكية لتحسين خدمات الطوارئ

بدايةً، شرعَ فريق الحرائق والكوارث بتطوير منصة رقمية تجمع التقنيات المتقدِّمة كالبيانات الضخمة والذكاء الاصطناعيّ من جهة، مع أرشيف عمليات الطوارئ التي أُنجزت عبر سنوات من جهة أخرى، بما في ذلك المكالمات المسجّلة وجهود الإنقاذ وإعادة تأهيل المواقع المتضررة والمعلومات الميدانية وبيانات الوكالات ذات الصلة. سيمثِّل هذا الأرشيف بنيةً تحتيةً تكنولوجية للمنصة التي ستبصر النور في العام 2026، وستلتقي فيها أنظمة الاستجابة الميدانية المتنوِّعة، كما ستتصلُ بها شاشاتٌ مثبَّتة ضمن مركبات الطوارئ لتزويد الفريق بالمعلومات المباشرة أثناء توجُّهه إلى موقع الحالة الطارئة.