تقنيات متقدمة لمكافحة التلوث المائي في الدنمارك

تقنيات متقدمة لمكافحة التلوث المائي في الدنمارك

1 دقيقة قراءة
فيما أجرت مدينة دنماركية تجربةً على استخدام مسيّرات "تتغذى على النفايات"، لمساعدة البلدية على احتواء تلوث النفايات الصلبة، واختبرت ذراعاً آليّةً ترشّح النفايات الصلبة من مياه النهر قبل دخولها المحيط، نشرت الدولة هناك مسيّرات طائرة "تستنشق الكبريت" لمراقبة مستويات الانبعاثات من السفن العابرة. عالمياً، تتعرض البحار والمحيطات لضغط متزايد من مصادر التلوث الحضرية والريفية المتعددة، […]
شارك هذا المحتوى

أضف إلى المفضلة ♡ 0

فيما أجرت مدينة دنماركية تجربةً على استخدام مسيّرات "تتغذى على النفايات"، لمساعدة البلدية على احتواء تلوث النفايات الصلبة، واختبرت ذراعاً آليّةً ترشّح النفايات الصلبة من مياه النهر قبل دخولها المحيط، نشرت الدولة هناك مسيّرات طائرة "تستنشق الكبريت" لمراقبة مستويات الانبعاثات من السفن العابرة.

عالمياً، تتعرض البحار والمحيطات لضغط متزايد من مصادر التلوث الحضرية والريفية المتعددة، لا سيما منها النفايات الصلبة والسائلة القادمة من المدن، والأسمدة ومخلفات الروث الآتية من الأراضي الزراعيّة، والانبعاثات الجوية التي تتسبب بها سفن الشحن. وتشير التقديرات إلى أن بحار ومحيطات العالم تتلقى في كل دقيقة ما يعادل شاحنة كاملة من القمامة البلاستيكيّة، جرّاء التخلص غير الصحيح من البلاستيك القادم من مصادر برية وبحرية مختلفة.

حين أفاق العالم منذ مدّة على انتشار ما يقدّر بحوالي 50-75 تريليون قطعة من البلاستيك واللدائن الدقيقة في محيطات الكوكب وبحاره، أدرك أنّ التلوث البلاستيكي يشكّل تحدّياً كبيراً، ينطوي على مخاطر بيئية واجتماعية واقتصادية وصحية، تضعه جنباً إلى جنب مع الضغوطات البيئية الأخرى، مثل تغير المناخ وتدهور النظام البيئي ونضوب الموارد.

الطبيعة بمفردها لا تستطيع مواجهة هذا التحدي، بل تتطلّب من البشر اتخاذ تدابير أقوى تساعد في الانتقال المنهجي إلى عالم خالٍ من التلوث البلاستيكي. فالبلاستيك، هذه المادّة التي يشيع استخدامها بسبب سهولة تصنيعها وقوة تحملها، تحتاج إلى 600 عام حتى تتحلّل، ما يمثّل خطراً كبيراً على الكائنات الحيّة في المسطّحات المائية، فضلاً عن أنّ التلوث البحري بالبلاستيك بات يهدد الحياة البحرية ومياه الشرب لما يقرب من 40 مليون شخص.

الدنمارك، الدولة التي تحيط بها البحار والمحيطات والأنهار من كل الجهات تقريباً، بحر الشمال من الغرب وبحر البلطيق من الشرق، والتي يعدّ فيها الحفاظ على سلامة بيئتها أمراً بالغ الأهمية، تجد نفسها معنيّة تماماً بمسألة تلوّث محيطها المائي، وهي تأخذ هذا التحدي على محمل الجدّ، وتجد له مقاربات مبتكرة.

في تشخيص المسألة، انطلقت السلطات من واقع أنّ المسطحات المائية كلما كانت قريبةً من النشاط البشري، ازداد العبء البلاستيكي عليها. فالشواطئ المزدحمة بالروّاد، وضفاف أنهار المدن، تغصّ بالبلاستيك المتناثر من جميع الأنواع، مثل فلاتر السجائر، وعبوات المياه والطعام، وغيرها.

بلدية آرهوس انطلقت من حقيقة أن النفايات تتبعثر في البحر، وتتشتت بسرعة بحيث يصعب جمعها، في حين أن تيار النهر يجعل من الممكن تصفية النفايات بشكل منهجي في منطقة محدودة دون إزعاج الأسماك والطيور. وتمكّنت في مشروع تجريبي على مدار الأشهر العشرين الماضية من جمع أكثر من 100 ألف قطعة نفايات من مجرى المدينة المتدفق إلى البحر، باستخدام ذراع روبوتيّ يوقف القمامة العائمة قبل وصولها إلى المحيط، ثم يجمعها، قبل أن يودعها في حاويات. صممت هذا الذراع شركة معنية بالحلول البيئية، وهو عبارة عن برج مركب على الأرض، يمتد منه ذراع حاجز مجهز بحزام ناقل ووحدة ترشيح. يتوافق الحاجز تلقائياً مع مستوى الماء، بحيث تستمر وحدة الترشيح بأداء عملها، وتصفية المياه بحثاً عن أجسام غريبة في المنطقة المحصورة ما بين سطح الماء و30 سم تحته. إذ بيّنت التجربة أن معظم النفايات تطفو على هذا العمق.

يشتمل الحل على أجهزة استشعار مدمجة، تكتشف متى يحتاج الروبوت إلى إفراغ النفايات. عند التفريغ، ترتفع وحدة الترشيح، وتودع جميع النفايات في سلة مهملات عبر الحزام الناقل. كما تم تجهيز الروبوت أيضاً بكاميرات حرارية تكتشف ما إذا كان البحارة أو راكبو الأمواج أو السباحين يقتربون منه، فيرتفع حاجز الروبوت مفسحاً المجال لهم للمرور. ويتغذى الروبوت بالطاقة إما عن طريق خلايا شمسية مدمجة أو عبر توصيله بالشبكة الرئيسية. وهكذا، وبعد نجاح الفترة التجريبية، قررت السلطات المحلية استئجار الجهاز حتى فبراير 2027.

في آرهوس أيضاً، ثمّة حلّ آخر تقوده وزارة المناخ الدنماركية بالتعاون مع معهد سان فرانسيسكو إستواري (SFEI) جاء مستوحىً من الكائنات البحرية، مثل أسماك القرش وقناديل البحر، واتخذ شكل روبوتات ومسيّرات هوائية ومائية مكلّفة بتنظيف المياه من النفايات، تتوجه براً وبحراً وجواً للبحث عن النفايات، والتقاطها وجمعها.

فبدعمٍ من منصة بيانات سحابية، وخوارزمياتٍ تتعرف على أعقاب السجائر بدقة 98%، أمكن تطوير فريق من المسيرات الطائرة والشراعية يقوم على الفور بتصوير وتحليل ومشاركة البيانات حول كمية القمامة وحجمها في مكان معين. المسيّرات الطائرة مجهزة بكاميرات، وموجهة بالذكاء الاصطناعي، تحلّق للتعرف على النفايات في المجاري المائية العامة، فتلتقط لها الصور وتعالجها وتحلّلها على الفور بالاستعانة بخوارزميات التعلم الآلي، لتوفير رؤى حول مقدار النفايات في المياه. يمكن بعد ذلك لمسيرة آلية عائمة تسمى WasteShark الانتقال إلى المناطق الملوثة لفلترة الحطام وجمعه، حيث تستطيع المسيّرة الواحدة جمع ما يصل إلى 60 كيلوغراماً من النفايات، ومن ثمّ تفريغها. لم تكن هذه العملية تتم في السابق بالاستعانة بالمسيرات الطائرة. لكن بعدما تضافرت هذه الأخيرة مع المسيّرات الشراعية، بات العثور على مزيد من القمامة عمليةً أسرع. إذ تحلّق المسيرات الهوائية لتقديم المساعدة، وتستخدم عدسة خاصة لجمع البيانات ومعالجتها، فتتعرف على قطع البلاستيك أو القمامة الأخرى، ومن ثم تقوم بتوجيه المسيّرات الشراعية (المائية) لالتقاطها.

بيد أنّ البلاستيك ليس هو النوع الوحيد من التلوث الذي تعاني منه البحار. إذ تعد الانسكابات النفطية، والإلقاء غير القانوني للملوثات الخطرة والسامة بيئياً، من أكثر القضايا صعوبة أمام السلطات. وقد صار ممكناً استخدام المسيرات الشراعية لتنظيف انسكابات النفط، بدعم من المسيرات الطائرة التي تمسح المياه وتتعرف على هذه الانسكابات، ليتولّى WasteShark عملية تنظيفها باستخدام مرشح خاص.

ولكن ماذا عن الغازات الملوّثة؟

من المعلوم أنّ معظم السفن تستمد طاقتها من زيت الوقود الثقيل الذي يحتوي على نسبة كبريت عالية نسبياً مقارنة بأنواع الوقود الأخرى، ما يتسبب بانبعاثات الكبريت مع غاز عادم السفينة على شكل ثاني أكسيد الكبريت (SO2) الضار بالكائنات الحية من جهة، والذي يساهم من جهة أخرى في هطول الأمطار الحمضية.

صوب مكافحة هذا النوع من التلوّث، نفذت السلطة البحرية الدنماركية مشروعاً تجريبياً باستخدام طائرات المسيرة للتحقق من انبعاثات السفن في منطقة شمال الحزام العظيم، حيث تمر العديد من السفن الكبيرة في طريقها من وإلى بحر البلطيق. جُهّزت المسيرة التي قدمتها وكالة السلامة البحرية الأوروبية (EMSA) بما يسمى "شمّام"، وهي أجهزة استشعار قادرة على "استنشاق الكبريت"، وقياس مستوى انبعاثاته من السفن، فإذا كان المستوى عالياً تُطبّق على شركات الشحن المالكة لهذه السفن غرامات. على الرغم من الأثر الإيجابي الواسع لهذه التدابير المبتكرة في وقف التلوث بشكل عام والتلوث البلاستيكي بشكل خاص، يدرك الدنماركيون أن هذا النوع من الجهود ليس حلاً كاملاً لمشكلة النفايات لديهم؛ وأن وقف تدفق النفايات البلاستيكية إلى البحار يتطلب إعادة التفكير في كيفية تعبئة المنتجات وبيعها وبناء بنية تحتية أفضل لإعادة تدويرها.

المراجع:

اشترك في منصة ابتكر لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والمساقات والأدوات والابتكارات الحكومية
قم بالتسجيل
اشترك في النشرة الإخبارية لمنصة ابتكر
القائمة البريدية للمبتكرين
تصل نشرتنا الإخبارية إلى أكثر من 30 ألف مبتكر من جميع أنحاء العالم!
اطلع على النشرة الإخبارية لدينا لتكون أول من يكتشف الابتكارات الجديدة و المثيرة و الأفكار الملهمة من حول العالم التي تجعلك جزءاً من المستقبل.
Subscription Form (#8)
المزيد من ابتكر

شكلٌ جديدٌ للشحن الحَضَريّ، حلولٌ رائدةٌ لمدنٍ أكثر استدامة

لمواجهة تحدٍّ بيئيٍّ متصاعدٍ يفرضه الشحن الحضريّ، تعمل حكومات مدنٍ عديدةٍ مثل روزاريو وبوغوتا وكوتشي وشيملا وباناجي على لعب دورها الحقيقيّ عبر التكنولوجيا الذكية والتخطيط الحضريّ المستنير وتشجيع الممارسات المستدامة وتصميم السياسات وسنّ القوانين وتعزيز الشراكات مع القطاع الخاص وغيرها. وذلك لبناء مستقبلٍ أكثر استدامة.

 · · 5 يونيو 2024

الفلبين تتبنى نهج الاقتصاد الدائريّ لإدارة نفاياتها البلاستيكية

تواجه الفلبين أزمة تلوّثٍ حادةً بسبب النفايات البلاستيكية التي تهدّد بحرَها وسياحتَها وسبلَ عيش أبنائها. لذا، تمكنت بدعم المنظمات الدولية من تطوير برامج لجمع العبوات وإعادة تدويرها ونشر المراكز المتنقّلة التي تستلم النفايات من السكان مقابل حوافز تشجّعهم على تبنّي نهج الاقتصاد الدائريّ.

 · · 5 يونيو 2024

دروس مستفادة من تجربة كيب تاون في تجنب أزمة المياه

تحرصُ المدن الكبرى على التخطيط والاستثمار لضمان توفير أهم مورد طبيعي لسكانها، وهو المياه، خاصة في ظل التحديات التي يفرضها تغير المناخ، الذي يؤثر سلباً على صعيدين. فهو يؤدي إلى شح المياه، وهو أيضاً يساهم في تعجيل التضخم السكاني بسبب الهجرة المتنامية لسكان القرى والأرياف نحو المدن، مع تراجع الظروف المناخية المناسبة التي تعتمد عليها الزراعة في بعض المناطق. في هذا السياق، تشكل مدينة كيب تاون حالة بارزة تستحق الدراسة في مواجهة هذا التحدي.

 · · 8 مايو 2024

نظم الإنذار المبكر: دروس من اليابان والصين لمواجهة الكوارث الطبيعية

في ظل الزيادة المتنامية في حدة ووتيرة الكوارث الطبيعية حول العالم خلال العقود الماضية، خاصة تلك المرتبطة مباشرة بتغير المناخ، أطلقت الأمم المتحدة في العام الماضي مبادرة "الإنذار المبكر للجميع" كإطار عمل لضمان حماية كل إنسان من خلال نشر نظم الإنذار المبكر بنهاية عام 2027. وبينما تتضافر الجهود لوضع الخطط وكيفية التعامل مع التحديات الكبيرة التي ستواجه هذه المبادرة، هناك تجارب مبتكرة ومتقدمة ثبت نجاحها في كل من اليابان والصين في هذا المجال، من شأنها المساهمة في تصميم استراتيجيات ونظم الإنذار المبكر حول العالم، ودعم مبادرة الأمم المتحدة بأفضل الممارسات.

 · · 8 مايو 2024

فرنسا تقدم علامة وطنية لمكافحة هدر الطعام

بدافع الالتزام البيئيّ والمسؤولية الاجتماعية، تسعى الحكومة الفرنسية لاحتواء ظاهرة هدر الغذاء عبر تثقيف المستهلكين بوصفهم مفتاح حلّ المعادلة، وسنّ قوانين تلزم المؤسسات بالتبرّع بالأغذية الفائضة، ومنح العلامة الوطنية للجهات التي تبذل جهداً أكثر تفانياً في رحلة مكافحة الهدر.

 · · 21 أبريل 2024
magnifiercrossmenuchevron-downarrow-right