التشغيل الروبوتي لتحسين الخدمات الحكومية في سنغافورة

شارك هذا المحتوى

توجهت سنغافورة في السنوات القليلة الماضية نحو استخدام تقنية “التشغيل الروبوتي للعمليات” (RPA) كطريقةٍ مبتكرةٍ لتعزيز كفاءة أداء الجهات الحكومية من خلال تجنب المهام المتكررة والتي تستنفذ وقت موظفي الحكومة.

غالباً ما تتطلّب الخدمات الحكومية القيام بمهام متكرّرة قد تستغرق الكثير من الوقت ولا تحمل أيّ قيمة مضافة للموظف من حيث اكتساب الخبرة العملية اللازمة للتطور المهني. فعلى سبيل المثال، يتطلّب عمل المدقّقين في دائرة المالية في سنغافورة جمع عيّنات من البيانات من الجهات الحكومية المختلفة من أجل التحقّق من صحّتها. ويفرض ذلك على المدقّق أن يقصد الجهات الحكومية، ويجمع البيانات، وينقلها إلى دائرته لتحليلها، الأمر الذي يستغرق الكثير من الوقت، ويعرّض البيانات لمخاطر الاختراق الأمني. بالإضافة إلى أن هذه الطريقة التقليدية للتدقيق تكتفي بعيّنات من البيانات بدلاً من التحقّق من البيانات كافة بسبب ضيق الوقت، بالإضافة إلى إمكانية حدوث بعض الأخطاء من دون التنبّه إليها وتصحيحها.

ولمّا كانت هذه المهام تحد من فرص الموظّفين لتطوير مهاراتهم وتخصيص الوقت لمهام أكثر تعقيداً، بدأت الجهات الحكومية في سنغافورة باستخدام تقنية “التشغيل الروبوتي للعمليات”، في خطوةٍ تعطي مفهوماً جديداً للوظائف الحكومية.

تقنية التشغيل الروبوتي للعمليات هي عبارة عن برمجيات تعمل على تقليد المهام التي يقوم بها الإنسان على الحاسوب بشكلٍ آلي، فتستخرج مثلاً المعلومات من جدولٍ للبيانات وتضعها بصيغة بريد إلكتروني، أو ترسل رسائل إلكترونية جماعية، أو تحلّل البيانات، أو تقوم بجمع أو تطوير التقارير الدورية، من بين مهام أخرى كثيرة. ومع مرور الوقت، يتلقّن البرنامج الروبوتي القواعد اللازمة لإنجاز المهمة وإتمامها، من دون أيّ تدخّل بشري.

انطلقت الفكرة من مكتب البرامج الهندسية ضمن إدارة الخدمات الحكومية، في سنغافورة. وفي حين أنّ تطبيقها منتشر بين مؤسسات القطاع الخاص في البلاد، إلاّ أنّ العديد من الجهات الحكومية لم تسمع بها من قبل، وليس لديها فكرة عمّا يمكن لهذه الأداة أن تحقّقه. لذلك، فقد تمثلت الخطوة الأولى من تنفيذ المشروع في عرضه على الإدارات العليا للجهات الحكومية، وتمّ اختيار شراكاتٍ أولى مع أكثر الجهات اهتماماً لإثبات جدوى المشروع على المدى الطويل.

وكانت نقطة البداية من دائرة المالية، التي وضعت في الاختبار برنامجاً روبوتياً للتدقيق في زيادات الرواتب وعلاوات الأداء والأجور، يقوم بتقييم البيانات على الفور، ويكشف عن أيّ أخطاء في غضون دقائق قليلة. وتمكنت الدائرة من الاستعاضة بهذه التقنية عن عملية التدقيق في عيّنات عشوائية التي كانت تتبعها في السابق، ما أتاح تحسين هذه العملية وتطويرها وإجراء ضوابط مالية هادفة وشاملة أكثر. والفضل في ذلك يعود إلى أنّ باستطاعة الروبوت معالجة كميات هائلة من البيانات تفوق 100 ألف سجل في عشر دقائق.

لم يقتصر استخدام هذه التقنية في دائرة المالية على عملية التدقيق في الرواتب فحسب، بل ساعد الموظفين أيضاً على التحقّق ممّا إذا كانت فواتير الدائرة تتطابق مع استخدامها الفعلي للخدمات، بحيث تتجنب الدائرة دفع تكاليف غير مبررة. كما لم تكتف الدائرة في الاستفادة من البرنامج الروبوتي في تأدية المهام الروتينية، والتي تعدّ مثالية لتطبيق التشغيل الروبوتي، بل عمدت أيضاً إلى تضمين البيانات التي يقوم البرنامج بمعالجتها في نظمها التحليلية، للكشف عن أي اتجاهات وظواهر سلبية، وتحسين سبل تخصيص النفقات. فإذا بين تحليل البيانات للوكالة، مثلاً، أنّ أحد الخطوط الهاتفية لم يستخدم لثلاثة أشهر، يمكن أن تنظر في وقف الخط لتوفير أي فواتير غير ضرورية.

إلاّ أنّ عملية تطبيق مشروع التشغيل الروبوتي للعمليات فرضت على الحكومة تغيير طريقتها في المشتريات وأسلوبها في التعامل مع موردي هذه التقنية تحديداً. ولتسهيل عمل الجهات الحكومية في وضع المشروع حيّز التنفيذ، أخذت إدارة الخدمات الحكومية على عاتقها إدارة العلاقة مع الموردين وأدارت بنفسها المشاريع من داخل الجهات الحكومية، ما ساهم في تجنيب تلك الجهات  الدخول بعقود منفصلة مع الشركات، وجنّبها أيضاً مخاطر شراء برمجيات روبوتية من جهات غير موثوقة. ومن جهةٍ أخرى، ساهم المشروع أيضاً في تطوير مهارات الموظفين، فقد أتاحت الفرصة لهم لتعلّم كيفية بناء برمجيات التشغيل الروبوتي للعمليات وصيانتها، وإدارة المشاريع لإدخال التكنولوجيا ضمن فرق العمل.

ومن الجدير بالذكر أنّ مشروع التشغيل الروبوتي في إدارة الخدمات الحكومية في سنغافورة يندرج في سياق خطة أعمال أوسع نطاقاً تهدف إلى تعزيز دور الموظفين بواسطة التكنولوجيا، ومنها على سبيل المثال اعتماد منصة إلكترونية لتحليل بيانات الموارد البشرية يسمح للمسؤولين بالوصول إلى البيانات المتعلقة بالاتجاهات السائدة للقوى العاملة في الزمن الحقيقي، كأنماط إعادة التوظيف، وذلك بهدف صياغة سياسات توظيف أفضل.

المراجع:

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

إنترنت الأشياء

سيؤول تنشر خدمات المدينة الذكية لتعزيز السلامة والرفاهية

في المنافسة الآسيوية، سبق لعاصمة كوريا الجنوبية أن احتضنت مبادراتٍ ذكية كما خلال جائحة كوفيد-19، حيث أعدّت السلطات، في محاولة منها للحفاظ على استمرار الخدمات مع إبقاء الاتصال البشريّ في حدوده الدنيا، أجهزةً ذكيةً تنجز مهام عديدةً آلياً ومن دون تلامس. بالنسبة لكبار السن، كانت هذه النقلة مفاجئةً، فواجهوا معوِّقاتٍ كثيرةً عند محاولة استخدام الأكشاك والأجهزة الرقمية، أشياء من قبيل حجم الخط في التطبيقات، أو إرشادات الاستخدام المُبهمة، أو صعوبة مواكبة هذه التطورات الرقمية المَهولة.

إندونيسيا

كيف تعمل إندونيسيا على تحسين الوضع الاقتصادي للمجتمعات الريفية

في إندونيسيا، لا يمكن للجميع الوصولُ إلى الإنترنت، فالدولة تفتقر للبنى التحتية وتعاني محدودية الخيارات السلكية واللاسلكية. وقد أشارت إحصائيات العام 2019 إلى وجود أكثر من 12 ألف قريةٍ تفتقر لإنترنت الجيل الرابع، و94 مليون راشدٍ إندونيسيّ عاجز عن استخدام الإنترنت، كما أنّ عدداً أكبرَ من السكان يفتقرون لخدمة الإنترنت الثابت عريض النطاق، فيما يعاني 60 إلى 70% من سكان شرق البلاد من تقلُّبات جودة الخدمة. والمؤشر الأهم هو أنّ 80% من هؤلاء يعيشون في الأرياف التي لا يمكن الوصول إليها عبر المترو، وتعتمد معظمُها على الأقمار الصناعية محدودة القدرة على معالجة البيانات.

الهند تستخدم الذكاء الاصطناعيّ لتعزيز سلامة الطُرُقات

وضعت الحكومة الهندية هدفَ تخفيض عدد الوفيات إلى النصف بحلول العام 2030، واستهلّت هذا المسعى بإطلاق مشروع باسم “الحلول الذكية للسلامة الطرقية عبر التكنولوجيا والهندسة”، والذي جاء حصيلة تعاون عدة شركاء، كمبادرة الذكاء الاصطناعيّ الهندية، والمعهد العالي لتكنولوجيا المعلومات بحيدر أباد، والمعهد المركزي لبحوث الطرق التابع لمجلس الأبحاث العلمية والصناعية، وشركاء من القطاع الخاص، والهيئة البلدية بمدينة “ناجبور”.