الابتكار في الأمن السيبرانيّ كأولوية حكومية لما بعد الجائحة

استجابةً للواقع الجديد الذي فرضته جائحة كوفيد-19 وازدياد خطر الانتهاكات الإلكترونية، خاصة على الأطفال، تسعى حكومتا فيتنام والمملكة المتحدة لإيجاد حلول مبتكرة، فأنشأت الأولى موقعاً إلكترونياً لتعزيز الأمان وتلقي البلاغات، بينما أطلقت الثانية مسابقةً للمشاريع الهادفة لمنع استغلال الأطفال عبر الإنترنت.

شارك هذا المحتوى

استجابةً للواقع الجديد الذي فرضته جائحة كوفيد-19 وازدياد خطر الانتهاكات الإلكترونية، خاصة على الأطفال، تسعى حكومتا فيتنام والمملكة المتحدة لإيجاد حلول مبتكرة، فأنشأت الأولى موقعاً إلكترونياً لتعزيز الأمان وتلقي البلاغات، بينما أطلقت الثانية مسابقةً للمشاريع الهادفة لمنع استغلال الأطفال عبر الإنترنت.

كانت جائحة كوفيد-19 في مطلع العام 2020 تتفشّى في العالم بمعدَّلاتٍ متصاعدة، مما أجبر الحكومات على اتخاذ إجراءات استثنائيةٍ لحماية مواطنيها الذين تبنَّوا بدورهم أنماط عيشٍ مختلفة. وعملاً بقرارات التعليم والعمل من المنازل والتباعد الاجتماعيّ، أصبحت الحياة الافتراضية في العالم الموازي ضرورةً لا غنى عنها.

تشير التقديرات إلى أنَّ إجراءات إغلاق المدارس أثّرت على أكثر من 1.5 مليار طفلٍ ويافع؛ يلجأ هؤلاء إلى استخدام الإنترنت للتعلّم واللعب والتواصل مع أقرانهم. إلا أنّ علاقةً طرديةً تربط حضور الإنترنت في الحياة اليومية للأطفال والمراهقين بالمخاطر التي يحملها لهم، كاستغلالهم والتلاعب بهم لإرسال منشورات غير لائقة، أو تعريضهم للمحتوى العنيف، وحتى وقوعهم ضحايا للاحتيال أو التنمر. تتشابه هذه المخاطر وإن اختلفت البلدان، ففي فيتنام مثلاً، يعيش 15 مليون طفل أعمارهم دون السادسة عشر، يستخدمون مواقع المحتوى السمعي والبصري والشبكات الاجتماعية والألعاب، ما يجعلهم أكثر عرضةً لجرائم الإنترنت.

لهذا، أطلقت الحكومة تجربةً تتبنّى نهجاً تعاونياً، حيث تشاركت “شبكة فيتنام لحماية الأطفال عبر الإنترنت” مع “هيئة أمن المعلومات” التابعة لوزارة المعلوماتية والاتصالات لإطلاق موقع إلكترونيّ يجمع العديد من الجهات المعنيّة. وعبر هذه المنصة أو الخط الساخن، يمكن للمستخدمين الإبلاغ عن حالات إيذاء الأطفال لتطلّع عليها الشبكة وتتّخذ تدابير الاستجابة. كما يتيح الموقع قسماً خاصاً بـ”التعبير عن الرأي”، حيث يستطيع روادُه – وحتى الأطفال منهم – مشاركةَ أفكارهم ليأخذها صنّاع القرار بعين الاعتبار عند صياغة السياسات الجديدة. وفي قسم الأخبار، يتيح الموقع تقنياتٍ متطورةً ومعلوماتٍ دائمةَ التحديث حول قضية “الأمن عبر الإنترنت” محلياً وعالمياً، كما زُوِّد بقسم “أدوات” يقدِّم للأطفال أفكاراً وبرامج مفيدة للمشاركة في أنشطة صحية عبر الإنترنت، ما يصبّ ضمن برنامج أطلقه رئيس الوزراء لحماية الطفولة وتطوير منظومة من التطبيقات والمنتجات المحلية لتقديم التعليم والترفيه عبر الإنترنت.

تجمع هذه الشبكة 24 وحدة، وتضمُّ ممثلين عن العديد من الوكالات والشركات والمنظمات المحلية والأجنبية المتخصصة في هذا المجال، إلى جانب مندوبين من هيئات حكومية كوزارة العمل وأصحاب الهمم والشؤون الاجتماعية، ووزارة الأمن العام، ووزارة التعليم والتدريب، ووزارة الثقافة والرياضة والسياحة.

وفي المملكة المتحدة، أطلقت السلطات تجربتها الخاصة في هذا الصدد، لكن بمقاربة مختلفة. فبالتزامن مع استضافة قمة الدول الصناعية السبع، خصّصت الحكومة تمويلاً لتطوير تقنياتٍ مبتكرة لضبط انتشار مواد الاعتداء على الأطفال بجميع أنواعه عبر وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات المراسلة المحمية بتقنية “التشفير التام بين الطرفين” (End-to-end encryption) التي يشيع استخدامها في الكثير من المجالات كالخدمات المصرفية، والتي تحظى بانتشار واسع في تطبيقات المراسلة، فهي تقوم بتشفير بيانات الاتصال بين المرسِل والمتلقّي، بما في ذلك الصور والرسائل المكتوبة والتسجيلات. وهكذا، يتعذّر على أيّ طرف ثالث الوصولُ إليها، ما يصعِّب تعقُّبَ المجرمين واعتقالَهم.

لهذا، تعمل الحكومة على وضع مشروع قانون “الأمان عبر الإنترنت”، لتؤسس إطاراً تنظيمياً يجرّم الاعتداءات على الأطفال والانتهاكات العنصرية ويلاحق مرتكبيها، كما أنشأت “صندوق تحدي تكنولوجيا السلامة”، والذي أطلقت عبرَه مسابقة بقيمة تفوق 005 ألف جنيه إسترليني للمشاريع التي تقدّم طرقاً جديدةً لتحقيق هذا الهدف.

وبعد مشاورات سياسيةِ الطابَع مع شركاء محليين وعالميين من القطاعَين الحكوميّ والخاص، أعلنت الحكومة فوزَ 5 مشاريع، وسيحصل أصحابُها على تمويلٍ أوليّ لتنفيذ ابتكاراتهم التكنولوجية وإيصالها إلى الأسواق، وذلك تحت إشراف وزارة الداخلية ودائرة التقانة والثقافة والإعلام والرياضة. وقد تعدَّدت مصادر المشاريع الفائزة، فكانت من القطاع الخاص والأوساط الأكاديمية والجهات الحكومية، كما تنوَّعت في مقارباتها، فتضمَّنت مثلاً سماتٍ برمجيةً جديدةً تعتمد على الذكاء الاصطناعيّ، ويمكن تشغيلُها في خلفية تطبيقات المراسلة المشفّرة لرصد الانتهاكات والإبلاغ عنها، حيث تعمل الخوارزميات على مطابقة المحتوى مع مواد غير قانونية موجودة مسبقاً. في حين اتّجهت أفكار أخرى إلى تقدير أعمار المستخدمين واستخدام تقنية التعرف على الوجوه لتحديد الصور المخلّة أو المؤذية قبل تحميلها. وركّز أحد المشاريع على منع البث المباشر للمواد المرئية التي تنطوي على عنفٍ أو اعتداءٍ من أي نوع، عبر تقنيات الذكاء الاصطناعيّ الملائمة لكلّ أنظمة التشغيل الذكية.

ستخضع المشاريع الجديدة لفترة تطويرٍ للأفكار وتقييمٍ لفاعليتها وقدرتِها على اجتياز التحديات، بِنيّة مدِّ المشروع الأقوى بتمويلٍ إضافيّ. وحيث اشتُرط في المشاريع أن تعرض حلولاً عمليةً لمكافحة استغلال الأطفال والاعتداء عليهم دون المساس بحقوق الخصوصية وحماية البيانات، فقد تمثّل التحدي الرئيسيّ في تحقيق هذه المعادلة.

سيعزز “صندوق تحدي تكنولوجيا السلامة” الابتكارات ويمدُّها بالدعم والتمويل اللازمَين لتساعد بدورها في احتواء حالات الاعتداء على الأطفال. كما تأمل حكومة المملكة المتحدة أنّ مشروع قانون “الأمان عبر الإنترنت” سيغيّر كيفية التعامل مع المحتوى غير الملائم ويلزم الشركات المعنية به بواجبٍ جديدٍ تجاه مستخدميها، ما يتماشى مع دعوة البلاد إلى التعاون العالميّ صوبَ هذا المسعى.

أما في فيتنام، فقد قدّم البرنامج الوزاريّ العديد من المبادرات والحلول لاستخدام تقنيات متقدمة لزيادة الأمان، كما تجمع وزارة المعلوماتية والتكنولوجيا الأفكار المقترحة لمشروع مدوّنة سلوكٍ لحماية الأطفال في العالم الافتراضي.

المراجع:

https://www.unicef.org/eap/press-releases/children-increased-risk-harm-online-during-global-covid-19-pandemic-unicef

https://www.gov.uk/government/news/government-funds-new-tech-in-the-fight-against-online-child-abuse

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

إدارة النفايات

الحكومات تسعى لحلول مبتكرة لإدارة النفايات الإلكترونية

ترى سنغافورة أن النفايات الإلكترونية تشكل خطراً على الصحة العامة بالدرجة الأولى، خاصة عند النظر في مساحة أراضيها الصغيرة التي لا تقبل المزيد من المكبات. وهي تنتج كمية كبيرة من النفايات الإلكترونية يبلغ حجمها قرابة 60 ألف طن متري في العام– أو ما يعادل استهلاك 70 هاتفاً خلوياً في العام لكل شخص في الدولة. لذا قررت سنغافورة التحول إلى الاقتصاد الدائري مع تطبيق نظام “المسؤولية الموسعة للمنتجين” (EPR) بالتعاون مع الفاعلين في صناعة الإلكترونيات من منتجين وبائعي تجزئة ومشغلي مرافق إعادة التدوير، ممّن يعملون على إنشاء مثل هذا النظام بما يتناسب مع احتياجات سنغافورة، ما يعني أن يتشارك هؤلاء الفاعلين في تحمل المسؤولية، وضمان إعادة تدوير النفايات الإلكترونية بطريقة مستدامة وصديقة للبيئة. 

البصمة الكربونية

استخدام أحدث تقنيات التخضير في أبنية الحكومة الفيدرالية الأمريكية

صوبَ هذه الغاية، أطلقت الإدارة برنامج “مساحة الاختبار الخضراء” وهو يمثِّل بيئةَ اختبارٍ لإثبات جدوى تقنيةٍ أو منتجٍ أو عمليةٍ ما لجعل الأبنية الفيدرالية أكثر اخضراراً، انطلاقاً من مبدأ أنّ نجاح هذه التجارب في المباني الفيدرالية يعني أنّها مؤهلة للنجاح في أي مكان مشابه.

وقع اختيار الفريق على 6 تقنياتٍ أمريكية الصنع لتجربتها في مجموعة من الأبنية، وذلك بهدف التحقق من خصائصها التقنية والتشغيلية وإمكانية نشرِها في المستقبل، وستُجرى التجارب ضمن معطياتٍ تحاكي ظروف العالم الحقيقي لتأكيد قدرة هذه التقنيات على الحدّ من التأثير البيئي لهذه المباني.

إدارة الكوارث

كوريا تتبنى حلولاً ذكية لتحسين خدمات الطوارئ

بدايةً، شرعَ فريق الحرائق والكوارث بتطوير منصة رقمية تجمع التقنيات المتقدِّمة كالبيانات الضخمة والذكاء الاصطناعيّ من جهة، مع أرشيف عمليات الطوارئ التي أُنجزت عبر سنوات من جهة أخرى، بما في ذلك المكالمات المسجّلة وجهود الإنقاذ وإعادة تأهيل المواقع المتضررة والمعلومات الميدانية وبيانات الوكالات ذات الصلة. سيمثِّل هذا الأرشيف بنيةً تحتيةً تكنولوجية للمنصة التي ستبصر النور في العام 2026، وستلتقي فيها أنظمة الاستجابة الميدانية المتنوِّعة، كما ستتصلُ بها شاشاتٌ مثبَّتة ضمن مركبات الطوارئ لتزويد الفريق بالمعلومات المباشرة أثناء توجُّهه إلى موقع الحالة الطارئة.