ابتكارات من حول العالم في مجال رعاية المسنين

بينما تتزايد معدّلات الشيخوخة العالمية، وتتراجع جودة الحياة الاجتماعية ومستويات الرعاية، تستكشف بعض الحكومات الحلول التي تقدّمها التكنولوجيا، لتبرزَ تجاربُ رائدة لاستخدام الروبوتات لرعاية المسنّين في كلٍّ من آسيا وأوروبا وأمريكا.

شارك هذا المحتوى

بينما تتزايد معدّلات الشيخوخة العالمية، وتتراجع جودة الحياة الاجتماعية ومستويات الرعاية، تستكشف بعض الحكومات الحلول التي تقدّمها التكنولوجيا، لتبرزَ تجاربُ رائدة لاستخدام الروبوتات لرعاية المسنّين في كلٍّ من آسيا وأوروبا وأمريكا.

قد لا تقلّ الشيخوخة حساسية عن الطفولة. فكبار السنّ يحتاجون قدراً كبيراً من الرعاية لعيش حياة صحية مريحة، لا سيما بالنظر إلى تغيُّر الأنماط السلوكية مع تقدُّم العمر. وعليه، يتّسع مفهوم رعاية كبار السن ليشمل المساعدة المنزلية والنهارية والتمريض والدعم النفسيّ وغيرها.

ولعلّ اتساع المفهوم يزيد التحديات، وكذلك تزايد معدّلات الشيخوخة بسبب انخفاض نِسَب الإنجاب وارتفاع متوسط العمر المتوقع. إذ تشير التقديرات إلى أنّ مَن يبلغون 60 عاماً سيشكِّلون حوالي رُبع التعداد العالميّ بحلول العام 2050، ما سيخلِّف آثاراً اقتصادية واجتماعية وسياسية عميقة، كانخفاض القوى العاملة والخصوبة وفرض عبء إعالةٍ كبيرٍ على الدولة وذوي المسنّين.

تعاني قطاعات رعاية المسنين عالمياً من مشكلاتٍ عدة، كضعف مستويات التوظيف وتدريب العاملين، وسوء المعاملة، والإهمال، والعجز عن تلبية الاحتياجات، وتدنّي جودة الرعاية، إلى جانب نقص التكامل مع الرعاية الطبية. ظواهر تزداد حدّة في حالات الطوارئ، وهذا ما أظهرته جائحة كوفيد-19، فحين تعرّضت النُظُم الصحية للضغط، اضطرّت طواقمها لاتخاذ قرارات قاسية وإعطاء الأولويات للفئات العمرية الأصغر سناً، لا سيما مع انخفاض التمويل العام أو إعادة تخصيص الميزانية ونقص الموظّفين والأسرّة.

ولأنّ التكنولوجيا تقدّم حلولاً للكثير من المشاكل، فقد بدأت دول عديدة حول العالم باستخدام الروبوتات وتقنيات الذكاء الاصطناعيّ وتعلُّم الآلة وغيرها لتحسين حياة كبار السن.

في اليابان، أكثر من 33% من السكان تجاوزوا الخامسة والستين. لهذا بدأت الحكومة في العام 2015 بتقديم المِنَح لمَرافق الرعاية لشراء الروبوتات التي تؤدي مهام مختلفةً كنقل المسنّين المرضى وإعانة الموظّفين وحتى التربيت على أجسام المصابين بالخَرَف لتهدئتهم. كما استخدمت الدانمرك كذلك روبوتاً اجتماعياً صغيراً، جرى تصميمه في اليابان، يعمل بالذكاء الاصطناعيّ ويهدف لنشر البهجة وترفيه المسنين. وقد بدأت البلديات ودور الرعاية الدانمركية استخدامَ هذه الروبوتات التي تستجيب للّمس والكلام والتواصل البصريّ وحتى النكات، والمُجهّزة لتكوين العلاقات وتقليد السلوكيات البشرية وتوسيع مفرداتها وتطوير شخصياتها مع الوقت.

جاءت التجربة اليابانية لتحاكي نظيرتها الكورية الجنوبية، حيث تواجه الحكومة هناك مخاوف كبيرة حول نوعية حياة المسنّين الذين يشكّلون خُمسَ سكانها ويعانون الاكتئاب الذي يعدّه 75% منهم عيباً ودليلَ ضعفٍ، ما يمنعهم من طلب الرعاية الصحية التي لا تصل إلى أكثر من 20% من الكوريين. أضف إلى ذلك مُقاساتَهم لوحدةٍ شديدة تؤنِسُها الروبوتات المُبرمجة لمرافقتهم، والتي تبدو بهيئة بشرية وتعمل بالذكاء الاصطناعيّ، وترسِل إشعارات لمقدّمي الرعاية أو أفراد العائلة عند وقوع طارئٍ صحيّ أو عدم تحرّك المسنّ لفترة طويلة. وتستطيع هذه الروبوتات التحدث والغناء والتفاعل حين يمسك المستخدِم يديها، كما يمكنها إدارة أدويته ووجباته، وإجراء الاختبارات الدورية لبرنامج الحماية من الخرف. وقد طوّرت الحكومة للمسنين أجهزة يمكن ارتداؤها لتراقب مؤشّراتهم الحيوية، إلى جانب مكبِّرات الصوت التي تعمل بالذكاء الاصطناعيّ لمساعدة ذوي السمع الضعيف، وهي ماضية حالياً في توزيع هذه المنتجات على كلِّ البلديات المحلية الكورية البالغِ عددُها 228، حيث تسلّمت 96 منها حصصها من تلك الابتكارات.

كما أبرمت حكومة مقاطعة تشون غنام – ذات أعلى معدّلات الانتحار في كوريا – اتفاقية مع شركة “كي تي” للاتصالات، لبرمجة روبوتات خاصة للتعامل مع المشكلات العقلية وتحليل أصوات المستخدمين وحركاتهم ورصدٍ أيّ نشاطٍ غير طبيعيّ، لتقوم بإخطار المراكز المتخصصة والأوصياء، ولتجري اختبارات الخرف، وتراقب معدّلات التوتر، وتشغّل موسيقى تبعث على الاسترخاء.

أما في الولايات المتحدة الأمريكية، فقد أقام مكتب نيويورك للشيخوخة شراكة مع مزوِّد الروبوتات المحلي لتطوير ابتكار “إلي كيو” المصمم خصيصاً لكبار السن، حيث سيأخذ بيد المئات منهم لاجتيازِ شعورهم بالوحدة والعزلة الاجتماعية، ولتذكيرِهم بمواعيد أدويتهم، ومشاركتِهم محادثات ودية، ومراقبةِ نشاطهم، ووصلِهم بالعائلة والأصدقاء، وإرشادِهم للأنشطة البدنية المفيدة، وهذا ما يميِّزه عن غيره من تقنيات الذكاء الاصطناعيّ فهو لا يتفاعل مع الأوامر، بل يبادر ويقترح. وقد اجتاز هذا الروبوت سنوات من التجارب قبل طرحه تجارياً، في حين عمل مكتب الشيخوخة مع شركائه على تحديد المستخدِمين المؤهّلين للتعامل مع هذه التكنولوجيا والاستفادة منها، والذين سجّلوا مستويات مشاركة غير مسبوقة بمتوسّط 20 تفاعل يومي.

وفي حين يمكن لهذه الابتكارات تقديم الدعم العاطفي والرعاية للمسنّين، فهي تطرح مخاوف تتعلق باحتمال فقدان السيطرة على الآلة وضمان خصوصية مستخدميها وحتى حماستهم لتجربتها، إلى جانب تحديات أخلاقية واجتماعية. ولعلّه من المتوقّع مثلاً ألّا تكون فكرة تلقّي الرعاية من جهازٍ مُبرمَج مقبولة لدى اليابانيين، لكنّ الزخم الذي اكتسبه هذا المفهوم خلال السنوات الأخيرة سهّل اجتياز الكثير من التحديات التي يفرضها العُرف الاجتماعيّ.

ولم يكن ذلك حِكراً على اليابان، ففي الولايات المتحدة والدانمارك أيضاً، طُرحت تساؤلات كثيرة حول مدى الاعتماد على الروبوتات، وكانت إجابة السلطات بأنّها لن تستطيع ولا يُراد لها أن تكون بديلاً عن التواصل البشريّ، لكنّ ما يأمَلُهُ مطوِّروها هو أن تفيد مرضى الخَرَف الذين يحتاجون لتحفيز حواسهم في بيئة آمنة. وكما في التجربتين اليابانية والكورية، تهدف الجهود الحكومية إلى تخفيف الوحدة والاكتئاب لدى المسنّين ومنحِهم إحساساً بالأمان ورعايةً مستمرة على مدار الساعة، في حين تُجمع الآراء على أنّها – رغم أثرِها الملموس – ليست سوى حلول جزئية لتحدٍّ عالميٍّ معقّد.

المراجع:

https://hir.harvard.edu/the-struggle-of-mental-health-care-delivery-in-south-korea-and-singapore/

https://link.springer.com/article/10.1007/s10676-010-9234-6#:~:text=There%20are%20two%20main%20ethical,objectification%20and%20a%20lack%20of

https://smartcity.go.kr/en/2021/11/15/%EC%9D%98%EC%A0%95%EB%B6%80%EC%8B%9C-%EC%9E%A5%EC%95%94%EB%8F%99-%EB%8F%85%EA%B1%B0%EA%B0%80%EA%B5%AC%EC%97%90-ai%EB%B0%98%EB%A0%A4%EB%A1%9C%EB%B4%87%ED%9A%A8%EB%8F%8C-%EC%A0%84%EB%8B%AC/

https://www.koreatimes.co.kr/www/nation/2022/02/281_323917.html

https://aging.ny.gov/news/nysofa-brings-elliq-proactive-care-companion-technology-older-adults-reducing-social-isolation

https://www.businessinsider.com/new-york-state-companion-robots-800-seniors-combat-loneliness-2022-5#:~:text=New%20York%20state%20officials%20will,has%20worsened%20during%20the%20pandemic.

https://www.themayor.eu/en/a/view/nursing-homes-in-denmark-are-using-social-robots-7353

https://www.healthcareitnews.com/news/asia/care-robots-deployed-south-koreas-chungnam-province-suicide-prevention

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

الاستدامة

روتردام تستخدم التكنولوجيا الذكية لإنقاذ المدينة من الغرق

لتحويل موقعها الجغرافيّ المحاذي للبحر إلى نقطة قوة، رسّخت مدينة روتردام الهولندية مكانتها كمختبرٍ للإدارة الذكية للمياه، حيث تدمج التكنولوجيا والتصميم الأخضر لتخضير أسطح بيوتها وتحويلها إلى حدائق في مواجهة مخاطر الفيضانات.

حلول التبريد

لندن تبتكر حلاً لخفض درجات الحرارة في شبكة قطارات الأنفاق

في أحد أكبر شبكات في العالم، تعمل حكومة المملكة المتحدة على مقاربة مشكلة متجذِّرة، وهي ارتفاع درجات الحرارة ضمن الأنفاق، إلى أن توصّلت مؤخراً إلى حلٍّ مبتكرٍ يضخّ الهواء البارد بأذكى استغلالٍ للمساحة وأقلّ قدرٍ من متطلباتٍ الصيانة، بينما تسعى لتأمين التمويل اللازم لنشره على مستوى وطنيّ.

إدارة الكوارث

بنغلادش تطلق منصة رقمية لتعزيز منظومة إدارة الكوارث

بهدف مواجهة تبعات الكوارث الطبيعية في واحدةٍ من أكثر بقاع العالم تعرَّضاً لها، تعمل حكومة بنغلادش على بناء المرونة عبر منصةٍ رقميةٍ توفّر البيانات المتعلّقة بالظواهر المناخية وتقيِّم المخاطر وتوجّه المعنيّين إلى الإجراءات اللازمة.