ابتكارات حكومية حول العالم لمعالجة الضوضاء في المدن

للحد من التلوث السمعي، تنطلق حول العالم مساعٍ لاستخدام التكنولوجيا في مراقبة سلوك السكان وتوجيهِهم، عبر تركيب الرادارات وأجهزة الاستشعار وتوجيه الرسائل التلقائية لمسبّبي الضجيج.

شارك هذا المحتوى

للحد من التلوث السمعي، تنطلق حول العالم مساعٍ لاستخدام التكنولوجيا في مراقبة سلوك السكان وتوجيهِهم، عبر تركيب الرادارات وأجهزة الاستشعار وتوجيه الرسائل التلقائية لمسبّبي الضجيج.

في نمط حياتنا المتسارع أبداً، قد تكون دقائق الهدوء رفاهيةً يصعب الحصول عليها، وخاصةً في المدن الكبرى، وبقدرِ ما تتيح طبيعة النسيج الحَضَريّ والإيقاع اليوميّ من فرص العمل والترفيه والتنوّع والامتيازات الاجتماعية، فكلُّ هذا يترافق بقدرٍ مَهول من الضجيج الحضري.

كنتيجة طبيعية، ارتبطَت أنماط الحياة الحديثةُ بالتلوّث السمعيّ، الذي لا يقلّ شأناً عن المسائل البيئية الأخرى، وإن كانت قضايا كتغيّر المناخ موثّقة ببيانات أكثر دقة وتحصد اهتماماً عالمياً أكبر.

تعرّف منظمة الصحة العالمية التلوث السمعي بالأصوات المزعجة والعالية التي تتجاوز مقياس 65 ديسيبل (وحدة قياس الصوت)، وتصبح هذه الأصوات ضارة عندما تتجاوز ال75 ديسيبل. يلقي التلوث السمعي بآثار بعيدة المدى على صحة الإنسان، وقد تسبّب القلق المزمن واضطرابات النوم والتمثيل الغذائيّ وأمراض القلب الحادة والسكريّ، فضلاً عن ضعف السمع وتدهور الصحة العقلية والنفسية.

وتبدو آثارُ هذا التلوث أشدَّ وطأة على الأطفال والمسنّين في المجتمعات المهمّشة التي تعيش بجوار الطرق المزدحمة والمناطق الصناعية، كما أنّ بقية النظم البيئية ليست بمعزلٍ عن تَبِعات الضوضاء التي تهدّد الحيوانات كالطيور والحشرات والبرمائيات وتشوِّش تواصلَها وتغيّر سلوكَها.

وحيث توجّهت أنظار صنّاع القرار حول العالم إلى هذه المخاطر الصحية والبيئية، فقد برزت بعض التجارب الرائدة في مدن كبرى متفرِّقة حول العالم، كباريس ونيويورك وأنتويرب وبرشلونة.

في التجربة الفرنسية، تسمح التشريعات لسلطات العاصمة بمعاقبة سائقي المركبات المسبّبة للضوضاء، لكنّ بشرط توقف المركبة. لهذا، أطلقت الحكومة تجربةً لاستخدام راداراتٍ صوتيةٍ جديدة يتم تثبيتُها على عواميد الإنارة لترصدَ الأصواتَ وتتتبَّع تردُّداتِها واتجاهاتِها وتلتقطَ الصور للوحات المركبات المخالفة لفرض الغرامات المالية التي تندرج ضمن مشروع أتمتة الغرامات الذي نصَّ عليه قانون النقل العام الصادر في العام 2019. ويخضع الرادار حالياً لفترة تجريبية لاختبار مستوى أدائه ودقة نتائجه، على أن يتم اعتمادُه رسمياً قبل نهاية العام 2022 ونشرُه في مدن فرنسية أخرى.

أما في مدينة أنتويرب البلجيكية، ونظراً للحياة الليلية الصاخبة التي يعيشها الشبان بعد رفع إجراءات الإغلاق لجائحة كوفيد-19، بحثت السلطات عن وسائل للتواصل مع مسبّبي الضوضاء، من استخدام الإضاءة أو الروائح أو التواصل المباشر، قبل أن تخلُصَ إلى تركيب نظام مراقبة ذكي لضمان نومٍ هانئٍ لسكان المناطق السياحية. سيحتوي هذا النظام التجريبيّ على أجهزة لالتقاط الصوت وقياس مستويات الديسبل ومقارنتها بعتباتٍ محدّدة مسبقاً، وعند تجاوزها، ستعرض الشاشات الموجودة في هذه المناطق رسالةً مهذّبةً تطلب من الموجودين خفضَ الصوت، وأخرى تشكرُ استجابتَهم حين يعود إلى المستويات الموصى بها. كما يطلب النظام من السكان تسجيلَ الأصوات ومطابقتَها مع مصادرِها، وذلك ليتسنّى للبرمجيات التمييزُ بين الأصوات المختلفة كأصوات الحيوانات الليلية ومحركات السيارات والشاحنات والنشاط البشري. وقد تعهَّدت السلطات البلجيكية بألّا ينتهك النظام خصوصية الأفراد أو يسجّل أصواتَهم ومحادثاتِهم، وبأنّه سيعتمد على خوارزميةٍ تقيس تردُّدات الأصوات لمقارنتها بمصادرها فقط.

تتشابه هذه الحالة مع تجربة مدينة برشلونة الإسبانية التي تعجُّ بالمطاعم والباعة الجوّالين والسيّاح على مدار العام، والتي يتعرض 20% من سكانها لمستويات ضارةٍ من الضوضاء، حيث بدأت الحكومة بتركيب أجهزة مراقبة الصوت في 112 منطقة من المدينة، وهي المواقع التي يشكو سكانها الضوضاءَ باستمرار. وقد وضع الفريق المسؤول عن هذا المشروع معايير متنوِّعة لتحديد درجات الصوت المقبولة، كعرض الشارع أو توزُّع المباني. وفي حال تجاوز الصوت الحدودَ المُقرّرة خلال عطلتَين أسبوعيتَين متتاليتَين، سيتم وسمُ المنطقة بالضوضاء المرتفعة، وسيكون على بلديتِها تقديمُ خطة عمل قابلة للتطبيق لتخفيف آثار الضجيج. وينبغي لهذه الخطة أن تشرك السكان ومالكي المطاعم والمقاهي، وقد تشمل مثلاً تحديد ساعات تناول الطعام في الهواء الطلق، وتقديم المِنَح للسكان لتركيب معدات العزل الصوتي لمنازلهم.

وبعيداً عن القارة الأوروبية، تقوم وزارة حماية البيئة بولاية نيويورك الأمريكية بتجريب برنامج يستخدم أجهزة خاصة لقياس الصوت يتم تركيبُها مصحوبةً بكاميرات على جوانب الطرق. وكما في التجربة الفرنسية، ترصد هذه الأجهزة أيَّ مصدرٍ للضوضاء كالمركبات ومشغِّلات الموسيقى التي تخالف قوانين الولاية والمدينة وتتجاوز الحدود القصوى لتردّدات الصوت المسموح بها، وعند إيقاف المركبة، يتم إبلاغ السائق بأمر إخضاعها للفحص، وقد يواجه غرامة في حال تكرار الحادثة.

كما عمدت الوزارة إلى تركيب 30 جهاز استشعار منخفض التكلفة في التجمّعات السكنية، وهي ترتبط بنظامٍ يستخدم تقنية التعلُّم الآليّ الخاضع للمراقبة للتعرف على أصوات معينة كآلات الثقب أو صفارات الإنذار أو أصوات الحيوانات. بعدئذٍ، ترسل أجهزة الاستشعار البيانات مباشرة لإبلاغ موظفي البلديّة بالمخالفات المتكررة وتحديدِ مصادرها.

وقد بدأ هذا التوجه بالتنامي، إذ تسعى بلديّة فيلادلفيا لإصدار تشريعٍ لإطلاق تجربتها الخاصة مع هذه الأجهزة التي ستُضاف إلى كاميرات المراقبة ورادارات مراقبة السرعة المركَّبة على إشارات المرور في 138 موقعاً حول المدينة.

وحيث ينتج معظم الضجيج عن الأنشطة البشرية كحركة المرور، فكلما زاد الازدحام، عَظُم تهديد الضوضاء للصحة العامة، إلى حدِّ أنّه اليوم تجاوز المستويات المقبولة التي حدّدتها منظمة الصحة العالمية، فباتَ سبباً لـ12 ألف وفاة مبكرة في الاتحاد الأوروبيّ كلّ عام، ولإزعاج 90% من مستخدمي وسائل النقل العام في نيويورك، و57% من سكان برشلونة التي تتقدّم بمعدّلات الضوضاء على معظم المدن الأوروبية.

إلى جانب تخفيف الضوضاء، سيساهم المشروع الأمريكي في بناء رؤى للتشريعات المستقبلية، في حين تأمل كلٌّ من باريس وأنتويرب وبرشلونة تحقيقي معدّلات أعلى من السلامة والراحة للسكان.

بصورة عامة، ليست كلّ هذه المبادرات سوى البداية لحلول دائمة كفيلة بجعل المدن أكثر هدوءاً واستقراراً.

المراجع:

https://www.unep.org/news-and-stories/opinion/worlds-cities-must-take-cacophony-noise-pollution

https://www.theguardian.com/world/2022/feb/15/noise-radar-in-paris-will-catch-raucous-cars-and-motorbikes

https://www.themayor.eu/en/a/view/young-out-and-loud-antwerp-says-shhhh-10585

https://www.theguardian.com/world/2022/jun/14/barcelona-to-install-sound-level-monitors-in-bid-to-beat-noise-pollution

https://gcn.com/data-analytics/2021/12/cities-enlist-sensors-to-tackle-noise-pollution/359821/

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

الذكاء الاصطناعي

رواندا توجِد فرصاً لإدماج الذكاء الاصطناعيّ في الرعاية الصحية

لمواجهة تحديات القطاع الصحي، تسعى رواندا إلى استخدام روبوتات المحادثة لتقديم الاستشارات الطبية عن بُعد، ضمن مسعى شامل لزيادة توظيف التقنيات الحديثة، شرطَ ضبطِها بالأُطُر التشريعية التي تضمن الموثوقية والأمان.

إنجلترا

زراعة العشب البحري لاحتجاز ثاني أكسيد الكربون في إنجلترا

لاستعادة الموائل الطبيعية للعشب البحري التي تمثّل أحد أهم وسائل احتجاز وتخزين الكربون في المملكة المتحدة، يعمل العديد من الشركاء والمتطوعين ضمن مشروع طموح لنقل بذور هذه الأعشاب ورعايتها مخبرياً تمهيداً لزراعتها في قاع البحر.

الأمن السيبراني

الحكومة الأمريكية تعزز الأمن السيبراني ضد تهديدات الحوسبة الكمية المستقبلية

اتّخذت الولايات المتحدة الأمريكية مؤخراً مجموعة من الخطوات لمواجهة التحديات المتوقع أن تفرضها أنظمة الحوسبة الكمية، والتي تهدد أمن وخصوصية الاتصالات عبر الإنترنت في المستقبل، بما يشكل خطراً على الاقتصاد والأمن القومي الأمريكي.