إنجلترا توظف الحلول الرقمية لمواجهة تداعيات شيخوخة السكان

إدراكاً للإمكانيات التي تقدّمها التكنولوجيا في مواجهة التغيرات الديمغرافية، تنطلق في إنجلترا عدة تجارب لتوظيف تقنيات الاستشعار وإنترنت الأشياء وغيرها في رعاية المسنين ضمن منازلهم.

شارك هذا المحتوى

إدراكاً للإمكانيات التي تقدّمها التكنولوجيا في مواجهة التغيرات الديمغرافية، تنطلق في إنجلترا عدة تجارب لتوظيف تقنيات الاستشعار وإنترنت الأشياء وغيرها في رعاية المسنين ضمن منازلهم.

مع التطور التكنولوجي والإنجاز البحثي اللذان توصل إليهما الطبّ خلال عقود قليلة، ازداد المتوسّط العالميّ لعمر الإنسان إلى درجة ملحوظة، فبات من الطبيعيّ أن يتجاوز المرء عقده السابع، وربما الثامن أو التاسع، بصحة جيدة نسبياً، ما أدى إلى ارتفاع أعداد المسنين حول العالم.

ومع اتساع شريحة المسنّين، يقدّر المتابعون أنّ عالمَ 2030 سيكون موطِناً لتعدادٍ سكانيٍّ كبيرٍ سُدْسُه ممن تجاوزت أعمارُهم 60 عاماً، حيث سيصل عددُهم إلى 1.4 مليار إنسان، لينمو إلى 2.1 مليار بحلول العام 2050. في عُرفِ الحكومات، يُعرف هذا بشيخوخة السكان، وهي ظاهرةٌ أكثر شيوعاً في البلدان مرتفعة الدخل مثل إنجلترا التي سيتجاوز 2.6 مليوناً من مواطنيها عامَهم الخامس والثمانين قبل منتصف القرن. وبينما تُعدّ هذه الأرقام مؤشِّراً على جودة الحياة، فهي تنطوي على مخاطرَ عديدةٍ كالأمراض وازدياد الحاجة إلى مقدِّمي الرعاية والتسبّب بعبءٍ ثقيلٍ على المنظومة الصحية، ناهيك عن الآثار الاقتصادية والاجتماعية والتنموية المرتبطة بتراجع الفئة الشابة.

لهذا، اختارت حكومة إنجلترا الاستعانة بالرقمنة لتمنحَ المسنّين شيخوخة هانئة في بيوتهم. لتبدأ مجالس محلية متفرِّقة بتطوير الشراكات وتصميم نماذج مالية جديدة، كما فعل مجلس بلدة سوتون بالعاصمة، حيث تعاون مع مجموعة سوتون للإسكان وشركةٍ متخصصة في حلول إنترنت الأشياء لإطلاق مشروع جديد يقوم على مفهوم البيت الذكيّ، أو المساحة المعيشية المتكاملة التي تتضمن تقنيات كأجهزة الاستشعار ومكبّرات الصوت وأنظمة الإضاءة المتقدّمة، والواقع الافتراضيّ وتطبيقات الفيديو. وليست هذه التطبيقات بالجديدة، فخلال انتشار جائحة كوفيد-19، واستجابةً للحاجة إلى إبقاء الاتصال الشخصيّ ضمن الحدود الدنيا، طُبِّقَت العديد من حلول إنترنت الأشياء في الرعاية والخدمات العامة.

كمنظومة مترابطة، تعمل هذه التقنيات على رعاية المسنين ومراقبة صحتهم وجمع البيانات الحية وتسهيل التواصل مع الآخرين وطلب المساعدة في حالات الطوارئ، حيث يهدف المشروع إلى تركيب 150 جهاز استشعار في كلّ منزل لمراقبة التغييرات في المكان، كارتفاع درجات الحرارة او انخفاضِها، ورصدِ الأنشطة اليومية كفتح الأبواب أو النوافذ أو إعداد الوجبات، وتحديد الاحتياجات إلى الوقود أو التهوية.

تستمدّ هذه الأجهزة الطاقة من بطارياتٍ خاصةٍ مرتبطةٍ بها، وتتصل بعضُها ببعضٍ عبر شبكة واسعة النطاق منخفضة الطاقة تلغي الحاجة إلى المقابس أو الأسلاك أو حتى الاتصال بالإنترنت، حيث تأتي هذه التجهيزات مصحوبةً بنظامٍ للحوسبة السحابية يقوم بتحليل المعطيات عبر خوارزمياتٍ مُدخلةٍ مسبقاً. وبصورةٍ تراكمية، تنشئ هذه الأنظمة “توأماً رقمياً” لكلّ فرد بناءً على أنماط سلوكه، ليبلغ المسؤولين عنه في حال تغييرها.

ستمتدّ المرحلة الأولى من التجربة لعامٍ كامل، فيما ستركّز المرحلة الثانية على إدماج الأجهزة في منصات مزوِّدي خدمات الاتصالات لجعلها في متناول يد السلطات المحلية عبر البلاد. ففي ليسسترشاير مثلاً، زوّد المجلس المحليّ منازل كبار السن والفئات الأضعف بتكنولوجيا الرعاية التي تُعرف بـ “الرعاية عن بُعد”، وهي عبارة عن مجموعة من معدات المراقبة والتنبيه وأجهزة التعقّب التي تسمح بمتابعة المسنين على مدار الساعة، من قِبَل موظّفين مدرّبين قادرين على إرسال المساعدة بسرعة في حالات الطوارئ. وتتميز هذه التجربة المجانية بإمكانية تصميم التقنيات حسب احتياجات المستفيدين ووفقاً للمعايير التي حدّدها المجلس مسبقاً.

بدوره، خصص مجلس ليفربول قرابة 6.5 مليون دولار أمريكي لإطلاق مشروع جديد بالتعاون مع أكاديميين ومتخصصين وكياناتٍ حكومية وخاصة، أبرزُها هيئة الخدمات الصحية الوطنية.

يأتي المشروع ضمن برنامج الاختبارات والتجارب الذي أطلقته وزارة الثقافة والإعلام والرياضة، ويهدف لتجربة تكنولوجيا الصحة الرقمية عبر شبكات الجيل الخامس، وقياس قدرتها على توفير مزايا رعاية صحية واجتماعية مجانية في منطقة محرومة رقمياً. لفعل ذلك، اختيرَت مجموعة من المتطوعين لتجربة 11 حلاً تكنولوجياً، كتطبيقات تخفيف الشعور بالوحدة والرعاية عن بُعد وتقديم الإرشادات الدوائية، إلى جانب مجموعة من الأجهزة التي تراقب البيئة المحيطة ومعدّلات التغذية والتروية.

وفي حين يمكن لمواطنٍ من الطبقة الوسطى الاستفادة من الأدوات المتقدمة، فإنّ تنفيذ هذه المشاريع على مستوى مدينة أو بلدة كاملة قد يمثّل تحدياً، خاصةً مع ازدياد الإنفاق على الرعاية الاجتماعية إلى 26 مليار جنيه استرلينيّ، وهذا ما يتطلّب نماذج اقتصادية مبتكرة كما في حالة ليفربول، حيث تساعد الشراكة بين القطاعين الحكومي والخاص في مقاربة تحديات التكلفة.

من جهة أخرى، قد يكون متلقّو الخدمة أنفسُهم غير مُهيّئين لوجود أجهزة تراقبهم في منازلهم على مدار الساعة كما حدث في ليفربول حين انسحب بعض المشاركين من التجربة معلّلين ذلك بعدم شعورهم بالراحة، ناهيك عن ضوابط خصوصية البيانات والاستخدام الأخلاقيّ لها. وبينما تحتاج هذه الخدمات لمعايير صارمة ومراقبة دائمة، يعوِّل المطوِّرون على الزمن الذي سيؤسس حالة من الاعتياد على ما يبدو اليومَ قفزةً تكنولوجيةً جامحة.

مبدئياً، يبدو أنّ هذه التقنيات قد تحقق أثراً إيجابياً في صحة المستفيدين ونوعية حياتهم، وستعزّز قدرات خدمات الرعاية والصحية وتوفِّر قرابة 200 ألف جنيه استرلينيّ سنوياً لكلّ 100 مستخدِم.

أما تجربة سوتون، فترسي نظام رعاية يستبق الحوادث بدل الاستجابة لها، وهذا سيحقّق توفيراً كبيراً في كلفة الرعاية الاجتماعية التي تمثّل أكثر من 70% من ميزانية مجلس البلدة، كما سيخفّف الضغط على مقدّمي الرعاية الصحية وخدمات الطوارئ، ويزيد مشاركة المورِّدين وأصحاب الأعمال الرائدين في هذا المجال.

على المستوى الإنسانيّ، تمنح هذه الابتكارات المسنّين وعائلاتِهم وأصدقائِهم نوعاً من الطمأنينة والأمان، وضماناً بأنّ المساعدة موجودة في أيّ وقت.

المراجع:

https://www.who.int/news-room/fact-sheets/detail/ageing-and-health#:~:text=At%20this%20time%20the%20share,2050%20to%20reach%20426%20million.إنجلترا

https://www.leicestershire.gov.uk/news/new-technology-is-helping-keep-elderly-and-vulnerable-adults-in-leicestershire-safe-in-their-own-homes

https://cities-today.com/the-real-benefits-of-smart-homes-could-be-in-social-care/

https://www.health.org.uk/publications/our-ageing-population#:~:text=term%20health%20conditions.-,England’s%20population%20is%20ageing.,for%20health%20and%20social%20care.

https://www.kingsfund.org.uk/publications/social-care-360/expenditure#:~:text=Total%20expenditure%20on%20adult%20social,%C2%A3560%20to%20%C2%A3585.

https://liverpool5g.org.uk/health-social-care-testbed/

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

الاستدامة

روتردام تستخدم التكنولوجيا الذكية لإنقاذ المدينة من الغرق

لتحويل موقعها الجغرافيّ المحاذي للبحر إلى نقطة قوة، رسّخت مدينة روتردام الهولندية مكانتها كمختبرٍ للإدارة الذكية للمياه، حيث تدمج التكنولوجيا والتصميم الأخضر لتخضير أسطح بيوتها وتحويلها إلى حدائق في مواجهة مخاطر الفيضانات.

حلول التبريد

لندن تبتكر حلاً لخفض درجات الحرارة في شبكة قطارات الأنفاق

في أحد أكبر شبكات في العالم، تعمل حكومة المملكة المتحدة على مقاربة مشكلة متجذِّرة، وهي ارتفاع درجات الحرارة ضمن الأنفاق، إلى أن توصّلت مؤخراً إلى حلٍّ مبتكرٍ يضخّ الهواء البارد بأذكى استغلالٍ للمساحة وأقلّ قدرٍ من متطلباتٍ الصيانة، بينما تسعى لتأمين التمويل اللازم لنشره على مستوى وطنيّ.

إدارة الكوارث

بنغلادش تطلق منصة رقمية لتعزيز منظومة إدارة الكوارث

بهدف مواجهة تبعات الكوارث الطبيعية في واحدةٍ من أكثر بقاع العالم تعرَّضاً لها، تعمل حكومة بنغلادش على بناء المرونة عبر منصةٍ رقميةٍ توفّر البيانات المتعلّقة بالظواهر المناخية وتقيِّم المخاطر وتوجّه المعنيّين إلى الإجراءات اللازمة.