إعادة تدوير المنسوجات يُعزز من اقتصاد فنلندا الدائري

تضمّنت خطة مواجهة هذا التحدّي قيام إحدى شركات معالجة النفايات، وهي شركة محلية تابعة لمجموعة مكونة من 18 بلدية، ببناء مصنعٍ كبيرٍ في مدينة "توركو" لمعالجة النفايات النسيجية. من المخطط أن يتضمن المصنع خطوطاً آلية جزئياً لفرز المنسوجات، عبر اختيار المنتجات التي يمكن الاستفادة منها بوضعها الحالي، فيما تُوجِّه ما تبقى منها نحو آلاتٍ خاصة تحوّلها إلى ألياف معادة التصنيع، يمكن الاستفادة منها في صناعاتٍ مختلفة، مثل صناعة الأقمشة غير المنسوجة أو الألواح العازلة للصوت أو الحرارة أو أقمشة الترشيح، كما يمكن أيضاً الاستفادة منها كمواد حشو أو خيوط غزل، أو غير ذلك من الاستخدامات الأخرى. 

شارك هذا المحتوى

في إطار الجهود التي تبذلها فنلندا لتحقيق الحياد المناخي في العام 2035، تعمل الحكومة بالتعاون مع شركات محلية على إنشاء معامل لإعادة تدوير النفايات النسيجية، وتحويلها إلى مواد أولية تدخل مجدّداً في الصناعة، بما يُسهم في تعزيز الاقتصاد الدائري. 

يشهد استهلاك الملابس والمنسوجات تصاعداً عالمياً كبيراً، وتدخل الأسواق الأوروبية قائمة أكبر مستهلكي الموضة السريعة والملبوسات الرخيصة، ما يسفر عن إنتاج أطنانٍ من النفايات النسيجية سنوياً، وهو واقع يفرض على الحكومات التحرك لإيجاد طرقٍ للتخلص منها بأقل ضرر بيئي ممكن. 

ولكون فنلندا من رواد الاقتصاد الدائري في أوروبا، تجد الحكومة الفنلندية نفسها معنيّةً بمعالجة النفايات النسيجية لإعادة إدخالها في منظومة الإنتاج. وعلى الرغم من أن فنلندا تمتلك القيمة الأقل بين الدول الأوروبية من حيث نسبة النفايات النسيجية للفرد الواحد، إلا أن هذه القيم لاتزال مرتفعة ضمن إطار أهداف فنلندا في الوصول إلى الحياد المناخي. ففي العام 2019 مثلاً، تجاوز وزن النفايات النسيجية فيها الـ85 ألف طن. وحتى مع تمكن الدولة من تصدير بعضها، إلا أنّ مصير معظمها كان الحرق، مخلفةً آثار بيئية سلبية. 

تطرح الوسائل الحالية للتخلص من النفايات النسيجية العديد من التحديات. فهي تتسبب بهدر كمياتٍ كبيرة من المواد الأولية كان بالإمكان استثمارها في صناعات مختلفة؛ وتترك كذلك أثراً كبيراً على البيئة، لأن نواتجها تؤدي إلى تلويث المياه الجوفية والهواء والتربة. 

تضمّنت خطة مواجهة هذا التحدّي قيام إحدى شركات معالجة النفايات، وهي شركة محلية تابعة لمجموعة مكونة من 18 بلدية، ببناء مصنعٍ كبيرٍ في مدينة “توركو” لمعالجة النفايات النسيجية. من المخطط أن يتضمن المصنع خطوطاً آلية جزئياً لفرز المنسوجات، عبر اختيار المنتجات التي يمكن الاستفادة منها بوضعها الحالي، فيما تُوجِّه ما تبقى منها نحو آلاتٍ خاصة تحوّلها إلى ألياف معادة التصنيع، يمكن الاستفادة منها في صناعاتٍ مختلفة، مثل صناعة الأقمشة غير المنسوجة أو الألواح العازلة للصوت أو الحرارة أو أقمشة الترشيح، كما يمكن أيضاً الاستفادة منها كمواد حشو أو خيوط غزل، أو غير ذلك من الاستخدامات الأخرى. 

قد يتعرض المشروع لتحديات مشابهة لتلك التي واجهتها محاولات إعادة تدوير المنسوجات في السابق. منها مثلاً محاولة تخطي فروقات الجودة والنوعية الناتجة عن اختلاف مصادر الأقمشة والمنسوجات، أو معالجة تأثير وجود المواد الكيميائية المستخدمة في تصنيع بعضها. ولتجاوز هذه التحديات وإيجاد الحلول المناسبة سيتم العمل على تحديث وتطوير خطوط الإنتاج باستخدام المعلومات والخبرات التي جُمعت من التجربة الأولى للشركة ذاتها في العام 2021 في مصنع مدينة “بايميو”.

يتألف مصنع “بايميو” من خطي إنتاج ويمتلك القدرة على إعادة تدوير قرابة 10% من النفايات النسيجية في البلاد. ويمتلك خطا الإنتاج القدرة على إعادة تدوير 500 كغ من المنتجات النسيجية أو طن من المنتجات غير النسيجية في الساعة الواحدة. كما يتضمنان أجهزة استشعار وآلاتٍ مختلفة لإزالة أية معادنَ أو أجسام صلبة تتضمنها المنتجات النسيجية. 

يرتكز نجاح عملية إعادة تدوير المنتجات النسيجية المستهلكة في فنلندا على عوامل مختلفة، أهمها الترويج الجيد لفكرة الاقتصاد الدائري وتوضيح فوائده وأهميته. فقد عملت السلطات الحكومية على إدراج الاقتصاد الدائري ضمن المناهج في مختلف المراحل التعليمية في المدارس والجامعات منذ العام الدراسي 2018/2019، كما ترافق ذلك بطرح عددٍ من المشاريع العملية والتي كان الهدف منها التدريب على المهارات الضرورية لتطبيق الاقتصاد الدائري بشكل عملي. 

أوضح استبيان للرأي أجراه الصندوق الفنلندي لدعم الابتكار “Sitra” أنّ هذه الجهود آتت ثمارها. فقد تبين أنّ 78% من المشاركين يعتقدون أنّ على فنلندا الاستمرار في العمل على الاقتصاد الدائري حتى لو لم تتبع خطاها دول أخرى، وأنّ 82% يؤمنون أنّ تطبيق الاقتصاد الدائري سوف يُساهم في توفير الكثير من فرص العمل وإيجاد وظائف جديدة. 

وارتكز نجاح التجربة الفنلندية أيضاً على توفير الدعم بشقيه المالي والقانوني، بما يُساهم في تسريع وصول فنلندا لهدفها. إذ تستثمر هيئة أعمال فنلندا “Business Finland” الحكومية أكثر من 20 مليون يورو لتمويل الابتكار، منها نحو 5.2 مليون يورو مخصصة للاستثمار في الاقتصاد الدائري. كما تعمل الحكومة على طرح قانونٍ خاصٍ بفصل النفايات النسيجية بشكلٍ إلزامي وإدخاله حيز التنفيذ في العام 2023، أي أنها ستطبّقه أبكر بعامين من بقية دول الاتحاد الأوروبي، حيث أنّ القوانين الأوروبية سوف تجعل من فصل النفايات النسيجية إلزامياً في العام 2025.

كما كان للتعاون الكبير الذي يبديه السكان مع المشروع دورٌ حاسم في نجاح التجربة. إذ أنّ معرفة السكان بأهمية وخصائص الاقتصاد الدائري وإدراكهم بأنه سيوفر قرابة 17 ألف فرصة عملٍ جديدة، وفقاً لتقديرات مركز الأبحاث التقنية الحكومي في فنلندا، جعلهم ينظرون إلى المشروع بشكلٍ إيجابي، ويحرصون على دعم الجهود المبذولة لنجاحه وتخطي العقبات الممكنة.

من المتوقع أن تتبع دول أخرى خطى فنلندا في تبني هذا المشروع لاحقاً، وقد تقوم بعض هذه الدول باستنساخ التجربة الفنلندية إن تمكنت من إثبات فعاليتها، فالأنظار الآن متوجهة نحوها لدراسة تجربتها وقياس مدى نجاحها. 

من خلال فصل النفايات النسيجية واستثمارها الفعال في الصناعات، سيتم تقليل الانبعاثات الضارة بالغلاف الجوي والبيئة بشكل ملحوظ، وسيتوفر الكثير من الوظائف وفرص العمل، وهذا بدوره سوف يكون خطوة هائلة في طريق السير نحو مستقبل أكثر استقراراً واستدامة. 

المراجع: 

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

الاستدامة

روتردام تستخدم التكنولوجيا الذكية لإنقاذ المدينة من الغرق

لتحويل موقعها الجغرافيّ المحاذي للبحر إلى نقطة قوة، رسّخت مدينة روتردام الهولندية مكانتها كمختبرٍ للإدارة الذكية للمياه، حيث تدمج التكنولوجيا والتصميم الأخضر لتخضير أسطح بيوتها وتحويلها إلى حدائق في مواجهة مخاطر الفيضانات.

حلول التبريد

لندن تبتكر حلاً لخفض درجات الحرارة في شبكة قطارات الأنفاق

في أحد أكبر شبكات في العالم، تعمل حكومة المملكة المتحدة على مقاربة مشكلة متجذِّرة، وهي ارتفاع درجات الحرارة ضمن الأنفاق، إلى أن توصّلت مؤخراً إلى حلٍّ مبتكرٍ يضخّ الهواء البارد بأذكى استغلالٍ للمساحة وأقلّ قدرٍ من متطلباتٍ الصيانة، بينما تسعى لتأمين التمويل اللازم لنشره على مستوى وطنيّ.

إدارة الكوارث

بنغلادش تطلق منصة رقمية لتعزيز منظومة إدارة الكوارث

بهدف مواجهة تبعات الكوارث الطبيعية في واحدةٍ من أكثر بقاع العالم تعرَّضاً لها، تعمل حكومة بنغلادش على بناء المرونة عبر منصةٍ رقميةٍ توفّر البيانات المتعلّقة بالظواهر المناخية وتقيِّم المخاطر وتوجّه المعنيّين إلى الإجراءات اللازمة.