إشراك المواطنين في رحلة تحول النمسا إلى الطاقة الخضراء

لتحقيق الأهداف المناخية في النمسا، ابتكرت السلطات وسائل لإشراك المواطنين في التمويل الجماعيّ لمشاريع الطاقة النظيفة، حيث يمكنهم شراء الأسهم والحصول على الفائدة المالية إلى جانب دعم مبادرات تخدم مجتمعاتهم.

شارك هذا المحتوى

لتحقيق الأهداف المناخية في النمسا، ابتكرت السلطات وسائل لإشراك المواطنين في التمويل الجماعيّ لمشاريع الطاقة النظيفة، حيث يمكنهم شراء الأسهم والحصول على الفائدة المالية إلى جانب دعم مبادرات تخدم مجتمعاتهم.

يشير مفهوم الانتقال إلى الطاقة الخضراء إلى تحوّل العالم من الأنظمة القائمة على الوقود الأحفوريّ لإنتاج الطاقة واستهلاكها إلى مصادر الطاقة المتجددة كالرياح والشمس والمياه، وهي عملية تتطلّب مشاركة الحكومات والمستثمرين والمواطنين على حدٍّ سواء.

تحدياتٌ كثيرة قد تواجه مساعٍ من هذا النوع، أولُها أنّ إنشاء مشاريع الطاقة المتجددة واسعة النطاق يستلزم تمويلاً كبيراً، بالإضافة إلى غياب الآليات الفعّالة لإطلاق هذه المشاريع محلياً. وفي الأماكن المزدحمة كالعواصم والمدن الكبرى، يعيش الكثيرون في شقق تفتقر للأسطح المستقلة، أي أنّهم لا يستطيعون تركيب منظومات طاقة شمسية خاصة بهم.

بدأت شركة “فين” التي تعود ملكيتها لمدينة فيينا بابتكار استراتيجيات لتعزيز نهج التمويل الشعبيّ للمشاريع، فنفذّت العديد منها خلال العقد الأخير وقامت بتركيب المحرِّكات التوربينية والألواح الشمسية على أسطح المباني الكبيرة كمراكز التسوّق والمناطق الصناعية، حيث تطلّب توليد الكم الكافي من الطاقة اللجوءَ إلى مبانٍ غير سكنية، إذ تنتج كلّ 100 مترٍ مربَّعٍ 0.7 كيلوواط من الطاقة في ساعات الذروة.

كما أطلقت المدينة “محطات المواطنين للطاقة الشمسية”، لمساعدة من يرغبون بامتلاك منظومة للطاقة الشمسية ويفتقرون للوسائل اللازمة، فعرضت الألواح الشمسية بسعر 475 يورو للَّوح الواحد، حيث يمكن لكلّ مواطن شراء 10 ألواح أو أسهم في المشروع بكلفة تتراوح بين 250 و950 يورو لكلّ سهمٍ أو لوحة. يتم تأجير هذه الألواح لشركة “فين” المسؤولة عن إدارة العملية وصيانة المعدات وتوزيع الطاقة، وبمجرد انتهاء العمر الافتراضيّ للألواح، تشتريها الشركة ثانية بمبلغ الاستثمار الأولي. أما فوائد الأسهم، فيتلقّاها المواطنون على شكل قسائم شرائية محددة القيمة لاستخدامِها في متاجر البقالة أو تسديد فواتير الكهرباء، كما في المشروع الأخير الذي أُنجز على سطح خزانٍ لمياه الشرب، وتضمّن 6400 لوحاً شمسياً تنتِج أكثر من 2 غيغاواط سنوياً.

وحيث تسعى مدينة دورن بيرن إلى مضاعفة إنتاج الطاقة المستدامة 3 مرات بحلول العام 2030، فقد أعلنت عن مشروع مماثل لتركيب ألواح للطاقة الشمسية على أسطح 7 أبنية تابعة للبلدية، من بينها مدارس ورياض أطفال ومراكز إطفاء، وعرضت 499 سهماً منخفضَ التكلفة من أسهمه للاستثمار العام.

بصورة عامة، تتبنّى العاصمة النهج التشاركيّ كأداة راسخة في الابتكار الحكوميّ، وهذا أساسيٌّ لكونِها موطنَ ثلثِ سكان النمسا، ومركزاً ثقافياً واقتصادياً لها، وهو يدعم خطتها بأن تكون مركزاً للطاقة الخضراء أيضاً، إذ تهدف سلطات فيينا لتلبية نصف استهلاكها من الطاقة من مصادر متجددة بحلول العام 2050، والاقتراب من الحياد الكربونيّ الكامل في مجال التدفئة والتبريد. ولتحقيق هذه التطلّعات، فهي تركّز على التخطيط الحَضَريّ المستدام وهندسة الطاقة الحرارية الأرضية واستخدام التقنيات الحديثة وإطلاق المشاريع الجمعية.

مقارباتٌ كثيرة طُرحت في عالم المشاريع الجمعية للطاقة المتجددة، وقد ظهرَ بينها حلّان بارزان. الأول هو تعاونيات الطاقة، وهو عبارة عن منظماتٍ مجتمعيةٍ تتيح للمواطنين فرصة الاستثمار في الطاقة المتجددة المُنتجة محلياً وخدماتها، وغالباً ما يكون أعضاؤها مستثمرين يتشاركون مُلكيّة التعاونيّة وعوائدَها ويتباحثون لاتخاذ أهمِّ قراراتِها، لا سيما تلك المتعلقة بتخصيص الأرباح ووضع الخطط المستقبلية.

أما الحل الثاني، فهو منصات التمويل الجماعي، وهي وسيلة مبتكرة لتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة عبر بوابة إلكترونية تتيح مجموعة واسعة من خيارات المشاركة المالية بما فيها التبرُّع أو الإقراض أو شراء الأسهم (أي ما يُعرف بالأسهم المجتمعية)، وما يميِّز هذا الخيار هو كونُه يسمح لمطوِّري الطاقة المتجددة بجمع الأموال من عددٍ كبيرٍ من المستثمرين. في حالة الإقراض أو المشاركة المجتمعية مثلاً، يخرجُ المشروع بعوائد مالية، لكنّها لا تكون من نصيب المستثمرين، بل يتم توجيهُها لفائدة المجتمع ككل. ومن الجدير بالذكر أنّ الإقراض هو أكثر طرق تمويل مشاريع الطاقة شيوعاً في الاتحاد الأوروبيّ، وغالباً ما يعود بالنفع على شركات الطاقة الصغيرة والمتوسطة. وبخلاف النوع الأول، لا تتيح هذه الآليات للمواطنين المقرِضين المشاركةَ في مُلكية المشاريع، ما يعني أنّهم ليسوا شركاء حقيقيين في صنع القرار.

اليوم، تعمل 28 محطة للطاقة الشمسية في فيينا، وتنتج 20.5 ميغاواط من الطاقة، بعد أن حظيت بمشاركة أكثر من 10 آلاف مواطن قدّموا قرابة 40 مليون يورو دعماً للمبادرات التي تزوِّد حوالي 8400 منزل بالكهرباء وتوفِّر 12 ألف طن من الانبعاثات سنوياً. وقد استطاعت السلطات من خلال هذه التجربة جمع التمويل السريع، في حين ضمن المواطنون دخلاً سنوياً.

أما مشروع مدينة دورن بيرن، فقد بيعَت جميع أسهمه خلال 10 أيام فقط، وستُضاف هذه المنظومات السبع للطاقة الشمسية إلى 23 منظومةً أخرى تتبع لبلدية المدينة، وتستطيع هذه المنظومات معاً توليدَ ما يكفي من الكهرباء لتغذية 260 منزلاً وتوفيرَ 265 طناً من ثاني أكسيد الكربون سنوياً، وترى فيه السلطات فرصة للمواطنين ليكونوا جزءاً من القضايا البيئية.

في العمق، من شأن فتحِ السلطات للاستثمارات في الانتقال إلى الطاقة الخضراء جذبُ تمويلٍ لا يُستهان به، بالإضافة إلى تعزيزِ اللامركزية والديمقراطية في واحد من أكثر القطاعات حيوية، وإلهامِ المواطنين للمشاركة في حلّ واحد من أكثر التحديات الملحة التي تواجه البشرية.

المراجع:

https://www.themayor.eu/en/a/view/small-town-austria-involves-citizens-in-the-energy-transition-10250

https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S2214629622000585

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

إدارة النفايات

الحكومات تسعى لحلول مبتكرة لإدارة النفايات الإلكترونية

ترى سنغافورة أن النفايات الإلكترونية تشكل خطراً على الصحة العامة بالدرجة الأولى، خاصة عند النظر في مساحة أراضيها الصغيرة التي لا تقبل المزيد من المكبات. وهي تنتج كمية كبيرة من النفايات الإلكترونية يبلغ حجمها قرابة 60 ألف طن متري في العام– أو ما يعادل استهلاك 70 هاتفاً خلوياً في العام لكل شخص في الدولة. لذا قررت سنغافورة التحول إلى الاقتصاد الدائري مع تطبيق نظام “المسؤولية الموسعة للمنتجين” (EPR) بالتعاون مع الفاعلين في صناعة الإلكترونيات من منتجين وبائعي تجزئة ومشغلي مرافق إعادة التدوير، ممّن يعملون على إنشاء مثل هذا النظام بما يتناسب مع احتياجات سنغافورة، ما يعني أن يتشارك هؤلاء الفاعلين في تحمل المسؤولية، وضمان إعادة تدوير النفايات الإلكترونية بطريقة مستدامة وصديقة للبيئة. 

البصمة الكربونية

استخدام أحدث تقنيات التخضير في أبنية الحكومة الفيدرالية الأمريكية

صوبَ هذه الغاية، أطلقت الإدارة برنامج “مساحة الاختبار الخضراء” وهو يمثِّل بيئةَ اختبارٍ لإثبات جدوى تقنيةٍ أو منتجٍ أو عمليةٍ ما لجعل الأبنية الفيدرالية أكثر اخضراراً، انطلاقاً من مبدأ أنّ نجاح هذه التجارب في المباني الفيدرالية يعني أنّها مؤهلة للنجاح في أي مكان مشابه.

وقع اختيار الفريق على 6 تقنياتٍ أمريكية الصنع لتجربتها في مجموعة من الأبنية، وذلك بهدف التحقق من خصائصها التقنية والتشغيلية وإمكانية نشرِها في المستقبل، وستُجرى التجارب ضمن معطياتٍ تحاكي ظروف العالم الحقيقي لتأكيد قدرة هذه التقنيات على الحدّ من التأثير البيئي لهذه المباني.

إدارة الكوارث

كوريا تتبنى حلولاً ذكية لتحسين خدمات الطوارئ

بدايةً، شرعَ فريق الحرائق والكوارث بتطوير منصة رقمية تجمع التقنيات المتقدِّمة كالبيانات الضخمة والذكاء الاصطناعيّ من جهة، مع أرشيف عمليات الطوارئ التي أُنجزت عبر سنوات من جهة أخرى، بما في ذلك المكالمات المسجّلة وجهود الإنقاذ وإعادة تأهيل المواقع المتضررة والمعلومات الميدانية وبيانات الوكالات ذات الصلة. سيمثِّل هذا الأرشيف بنيةً تحتيةً تكنولوجية للمنصة التي ستبصر النور في العام 2026، وستلتقي فيها أنظمة الاستجابة الميدانية المتنوِّعة، كما ستتصلُ بها شاشاتٌ مثبَّتة ضمن مركبات الطوارئ لتزويد الفريق بالمعلومات المباشرة أثناء توجُّهه إلى موقع الحالة الطارئة.