إشراك المجتمع الأسترالي في مشروع لإنقاذ الحَيْد المرجانيّ العظيم

لإنقاذ إحدى أكبر ثرواتها الوطنية من تبعات تغيُّر المناخ، تستكشف الحكومة الأسترالية طرائق جديدةً للبحث وجمع البيانات عبر إشراك العامة في إجراء تعدادٍ مرجانيّ هو الأكبر من نوعه.

شارك هذا المحتوى

لإنقاذ إحدى أكبر ثرواتها الوطنية من تبعات تغيُّر المناخ، تستكشف الحكومة الأسترالية طرائق جديدةً للبحث وجمع البيانات عبر إشراك العامة في إجراء تعدادٍ مرجانيّ هو الأكبر من نوعه.

الحَيْد المرجانيّ العظيم في أستراليا هو أكبرُ تجمّعٍ مرجانيٍّ في العالم يتوزع على 3 آلاف من الشعاب الفردية التي تغطّي 2300 كيلومتر، فتحمي السواحل وتتيح موطناً لما يقارب ربع الأنواع الحية التي تعيش في المحيطات، بما فيها الحيتان والدلافين وستة أنواع من أصل سبعة من السلاحف البحرية. كما تُعدّ هذه الأعجوبة أحد أكبر أحواض احتجاز الكربون في العالم، فهي موطنٌ لأشجار المانغروف والأعشاب البحرية التي تقوم بامتصاص الكربون وتخزينه على مدار الساعة، وهي عامل جذبٍ لأكثر من مليوني سائحٍ سنوياً، فترفد الاقتصاد الأسترالي بقرابة 6.4 مليار دولار سنوياً، وتؤمّن 64 ألف وظيفة.

لكنّ هذه المكانة العلمية والبيئية والاقتصادية لم تكن كافيةً لتحمي الحَيْدَ من التأثيرات السلبية، فهو يظلّ من أكثر المواقع تعرّضاً للخطر مع اتساع رقعة المساحات المتهالكة بفعل التغيّرات المناخية، إذ تعجز أجزاء كثيرة منه عن مقاومة ارتفاع درجة حرارة المياه التي تسبّبت على مدار سنوات بظاهرة ابيضاض الشعاب المرجانية، وهي الاستجابة الطبيعية التي يبديها المرجان أمامَ الظروف المناخية القاسية، والتي قد تؤدي إلى موته. وقد أظهر التقرير السنويّ لحالة الحَيْد في العام 2020 أنّ 14% من الشعاب قد ماتت منذ العام 2009، وأنّ هذه الظاهرة تتسارع وتتّسع مع استمرار التغيّر المناخيّ. إلا أنّ النبأ السار الذي تشير إليه الدراسات هو أنّ الحَيْدَ ما يزال قوياً ومرناً وقادراً على إعادة التشكّل، ما يتطلّب إجراءاتٍ جادةً لحماية هذا التنوّع البيئيّ المصنّف على لائحة اليونسكو للتراث العالميّ.

بوصفها واحدة من التجمّعات الأهلية البارزة التي تُعنى بالعلوم، أطلقت منظمة “مواطنو الحَيْد المرجانيّ العظيم” مشروعَ تعدادٍ واسعَ النطاق للشعاب المرجانية، بالتعاون مع هيئة متنزّه الحَيْد المرجانيّ العظيم وجامعة “كوينز لاند”، وذلك بتمويلٍ مشتركٍ مع صندوق الشِّعاب المرجانية التابع للحكومة الأسترالية.

يهدف مشروع “التعداد السنويّ للحَيْد المرجانيّ العظيم” إلى اختبار طرائق جديدة للاستطلاع وتكثيف جهود جمع البيانات. حيث يتبنّي المشروع نهج “علم المواطنين” (Citizen Scientists) وهو تجربةٌ تتيح فيها إدارة البحث العلميّ الأدوات العلمية والتكنولوجية للعامة الذين يتطوعون للمساعدة، ويشاركون في تصميم التجارب وجمع البيانات وتحليل النتائج.

في التجربة الأسترالية، شهد العام 2020 حشدَ الآلاف من الغواصين والمهتمين والعاملين في مجالات السياحة والصيد والعلوم والأبحاث إلى جانب المهتمين الهواة ليشاركوا في إدارة أسطول أبحاثٍ مؤقّت من قوارب الغوص والصيد والسفن السياحية وغيرها. يجمعُ هؤلاء عشرات آلاف الصور من مختلف أنحاء الحَيْد بعد العودة إلى الإرشادات التي توجِّههم لاختيار مناطق المسح، وكيفية التقاط الصور تحت الماء، مع أمثلةٍ تبيّن الجودة والأبعاد المطلوبة، حيث ينبغي أن توثِّق كلّ صورةٍ مربّعاً بطول مترٍ وعرض مترٍ. وقد وصلت بعض الفِرَق إلى أبعد نقاط الحَيْد حيث التقطت أكثر من 42 ألف صورةٍ من 315 من الشعاب المرجانية، بعضها يخضع الآن للدراسة للمرة الأولى. بعدئذٍ، يقوم المتطوّعون بتحميل الصور عبر الإنترنت لمشاركتها مع المتابعين المهتمّين من أكثر من 50 دولة. وتستقبل المبادرة يومياً قرابة 1500 زائرٍ راغبٍ بالمشاركة في الأبحاث، أكثر من نصفهم من الولايات المتحدة الأمريكية، تليها أستراليا ثم أوروبا وآسيا.

تصبُّ هذه المبادرة ضمن خطة الاستدامة البعيدة التي وضعتها الحكومة الأسترالية لحماية الحَيْد المرجانيّ العظيم استجابةً لتوصيات لجنة اليونسكو للتراث العالميّ، التي تتابع المواقع المُدرجة على لائحتها بانتظام. وهذا كان الغرضَ من تأسيس صندوق الشِّعاب المرجانية ليكون برنامجاً استثمارياً يعمل على تحسين جودة المياه وإنعاش النّظم البيئية البحرية وحماية الأنواع المهدَّدة والمهاجِرة وضبط تعدادات تلكَ التي تتكاثر على حسابها.

تتكامل هذه التجارب مع غيرها من المبادرات والمشاريع الرسمية والأهلية، كبرنامج “عينٌ واحدةٌ على المرجان”، الذي يدير أنشطة جمع البيانات وتقديم التدريبات لتأهيل كوادر لحماية الشعاب المرجاني.

وبينما تبدو هذه مبادرةً تستحق التطوير والتوسيع، فهي تبقى محكومةً بقيود التمويل غير المضمون أو غير الكافي أو غير المنتظَم. لذا، فلا بدّ من التزامٍ جادٍّ من المانحين لمواصلة جهود البحث والإنعاش.

من جانبٍ آخر، غالباً ما تواجه البرامج التي تعتمد على “علم المواطنين” تحدياتٍ تنظيميةً كتوافر الأعداد الكافية من المتطوّعين وإدارة عملِهم وتنسيقِه. لكنّ التكنولوجيا تقدّم حلولاً واعدةً لهذا النوع من التحديات، عبر نظام تحديد المواقع العالميّ ومعدات التصوير عالية الجودة والحوسبة المتقدّمة وأدوات المشاركة السريعة، وقد صُمِّمَ هذا المشروع بحيث يستخدم كلّ هذه التقنيات وغيرَها ليجتاز– ما تيسّر – تحدياتِ الحوكمة.

استطاعت المبادرة خلال المرحلة الأولى مضاعفةَ النتائج المتوقعة، إذ جمع المتطوِّعون أكثر من 14 ألف صورة من 170 من الشعاب المرجانية في 980 موقعاً. وقد التُقط أكثر من ثُلث هذه الصور عبر أجهزة مصممةٍ خصيصاً لهذا الغرض، ما يجعلها إحدى أكبر المبادرات البحرية لعلم المواطنين في العالم.

يساعد نهج “علم المواطنين” في إجراء مسوحاتٍ أوسع وأكثر شمولاً وتنوّعاً واجتياز قيود التمويل، كما أنّ مشاركة الناس في العمل البحثيّ يعني بشكلٍ أو بآخر تزويدَهم بالمعرفة.

منذ أن بدأت هذه المهمة قبل عقود، حقق العلماء تطوّراً كبيراً، لكنّ هذا يظلّ رهين الجهود الدولية للحد من الاحتباس الحراري وتبعات تغيّر المناخ.

المراجع:

https://www.barrierreef.org/news/blog/why-do-we-need-coral-reefs#:~:text=In%20Australia%2C%20our%20Great%20Barrier,seven%20species%20of%20marine%20turtle.

https://www.npr.org/2022/03/26/1088886918/australia-great-barrier-reef-coral-bleaching-climate

https://www.aims.gov.au/research-topics/environmental-issues/coral-bleaching

https://elibrary.gbrmpa.gov.au/jspui/bitstream/11017/3384/1/2013_Great_Barrier_Reef_Foundation_Citizen_science_in_GBR.pdf

https://www.zdnet.com/article/scaling-up-on-a-shoestring-while-citizen-scientists-analyse-the-great-barrier-reef/

https://greatreefcensus.org/

https://www.dcceew.gov.au/parks-heritage/great-barrier-reef/protecting-the-reef#:~:text=The%20Australian%20Government%20has%20committed,single%20investment%20in%20reef%20protection

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

الاستدامة

روتردام تستخدم التكنولوجيا الذكية لإنقاذ المدينة من الغرق

لتحويل موقعها الجغرافيّ المحاذي للبحر إلى نقطة قوة، رسّخت مدينة روتردام الهولندية مكانتها كمختبرٍ للإدارة الذكية للمياه، حيث تدمج التكنولوجيا والتصميم الأخضر لتخضير أسطح بيوتها وتحويلها إلى حدائق في مواجهة مخاطر الفيضانات.

حلول التبريد

لندن تبتكر حلاً لخفض درجات الحرارة في شبكة قطارات الأنفاق

في أحد أكبر شبكات في العالم، تعمل حكومة المملكة المتحدة على مقاربة مشكلة متجذِّرة، وهي ارتفاع درجات الحرارة ضمن الأنفاق، إلى أن توصّلت مؤخراً إلى حلٍّ مبتكرٍ يضخّ الهواء البارد بأذكى استغلالٍ للمساحة وأقلّ قدرٍ من متطلباتٍ الصيانة، بينما تسعى لتأمين التمويل اللازم لنشره على مستوى وطنيّ.

إدارة الكوارث

بنغلادش تطلق منصة رقمية لتعزيز منظومة إدارة الكوارث

بهدف مواجهة تبعات الكوارث الطبيعية في واحدةٍ من أكثر بقاع العالم تعرَّضاً لها، تعمل حكومة بنغلادش على بناء المرونة عبر منصةٍ رقميةٍ توفّر البيانات المتعلّقة بالظواهر المناخية وتقيِّم المخاطر وتوجّه المعنيّين إلى الإجراءات اللازمة.