دروس مستفادة من تجربة كيب تاون في تجنب أزمة المياه

دروس مستفادة من تجربة كيب تاون في تجنب أزمة المياه

1 دقيقة قراءة
تحرصُ المدن الكبرى على التخطيط والاستثمار لضمان توفير أهم مورد طبيعي لسكانها، وهو المياه، خاصة في ظل التحديات التي يفرضها تغير المناخ، الذي يؤثر سلباً على صعيدين. فهو يؤدي إلى شح المياه، وهو أيضاً يساهم في تعجيل التضخم السكاني بسبب الهجرة المتنامية لسكان القرى والأرياف نحو المدن، مع تراجع الظروف المناخية المناسبة التي تعتمد عليها الزراعة في بعض المناطق. في هذا السياق، تشكل مدينة كيب تاون حالة بارزة تستحق الدراسة في مواجهة هذا التحدي.
شارك هذا المحتوى

أضف إلى المفضلة ♡ 0

تحرصُ المدن الكبرى على التخطيط والاستثمار لضمان توفير أهم مورد طبيعي لسكانها، وهو المياه، خاصة في ظل التحديات التي يفرضها تغير المناخ، الذي يؤثر سلباً على صعيدين. فهو يؤدي إلى شح المياه، وهو أيضاً يساهم في تعجيل التضخم السكاني بسبب الهجرة المتنامية لسكان القرى والأرياف نحو المدن، مع تراجع الظروف المناخية المناسبة التي تعتمد عليها الزراعة في بعض المناطق. في هذا السياق، تشكل مدينة كيب تاون حالة بارزة تستحق الدراسة في مواجهة هذا التحدي.

في أواخر عام 2017، كانت كيب تاون، التي يزيد عدد سكانها عن 4.6 مليون نسمة، على وشك أن تصبح أول مدينة كبرى تتعرض لانقطاع المياه فيها بالكامل، عدا عن بعض مرافق الخدمات الحيوية مثل المستشفيات. كان منسوب المياه المتوفرة في خزاناتها على السدود، وهي المصادر الوحيدة للمياه العذبة لمعظم أحياء المدينة، قد انخفض إلى أقل من 25% من طاقتها الاستيعابية. وكان سيتم الإعلان عن أزمة مياه في حال تدنى مستواها إلى 13.5%، يبدأ حينها تطبيق إجراءات ما يطلق عليه اسم "اليوم الصفر"، حيث تتوقف إمدادات المياه عن المدينة، ويتم تقنين استهلاك الشخص الواحد من الماء إلى 25 لتراً في اليوم، ما يتطلب وقوف المواطنين في طوابير لتحصيل حصصهم من محطات توزيع الماء التي يبلغ عددها 200 محطة.

السبب المباشر في تلك الأزمة يتمثل في ثلاث سنوات متتالية من انحسار معدلات هطول الأمطار الموسمية، التي يتم جمعها في بحيرات اصطناعية، ما نجم عنه تراجعٌ حادّ في منسوب مياه السدود. لكنْ، في الحقيقة هناك عاملان على الأقل ساهما في تفاقم تلك الحالة التي كانت تتجنبها عدّة مدن أخرى. أولهما، هو اعتماد كيب تاون شبه الكامل على مصدر واحد للمياه، هو بضعة سدود تعتمد كلياً على مياه الأمطار، ما يشكل تهديداً دائماً في غياب مصادر أخرى للمياه.

العامل الآخر، الذي يشكل مفارقة غريبة، هو أن كيب تاون تمتلك سجلاً مميزاً في الحفاظ على الموارد المائية. وهي تعد مدينة نموذجية في خفض استهلاك الماء على مستوى الفرد الواحد، ما جعل سياستها "الخضراء" في استخدام الماء تفوز بعدة جوائز. كما أن نجاح كيب تاون في الاستخدام الرشيد للماء على المستويين الحكومي والشعبي ساعد المدينة في التكيف مع النمو السكاني، واحتضانها قرابةَ مليون شخص إضافي خلال العقد الماضي من الزمن، بدون زيادة موارد المياه. يبدو أن هذا الإنجاز قد ساهم في تراخي السلطات المعنية تجاه البحث عن موارد إضافية رغم تداعيات التغير المناخي.

في مواجهة الأزمة المرتقبة، اتخذ مجلس مدينة كيب تاون مجموعة من الإجراءات والتدابير سعياً إلى تحقيق الاكتفاء بكمية المياه المتوفرة في السدود إلى أن يحين موسم الأمطار القادم. فقام أولاً بتحديد الكمية المستهدفة من الماء لاستهلاك كل شخص في المدينة في اليوم الواحد، معتمداً بذلك على توفر الأدوات لقياس إنتاجية السدود اليومية للماء العذب، ومستوى الماء في السدود بشكل دقيق. ثم أطلق حملةً توعية إعلامية لسكان المدينة، ناشدهم فيها الحفاظَ على المياه المتبقية من خلال ممارساتهم اليومية، كالاستحمام لفترة قصيرة، وتقليل استخدامهم للماء في دورات المياه، والامتناع عن سقي حدائقهم بالمياه العذبة. كما استهدفت الحملة زوار المدينة تحت شعار "حافظ على الماء كما يفعل سكان المدينة". واستخدمت الحملة أيضاً اللوحات الإعلانية الإلكترونية لبث رسائلها، واطلاع السكان بشكل يومي على التقدم الحاصل– بفضل جهودهم– في إطالة العدّ العكسي لـ"اليوم الصفر".

كما وضع المجلس قيوداً على كميات المياه المخصصة لاستخدام المناطق الزراعية حول المدينة، الأمر الذي أطال فترة استخدام كمية المياه شهراً كاملاً. وأصدر حظراً على استخدام مياه شبكة المدينة في الأنشطة "غير الضرورية"، مثل أحواض السباحة، وري الحدائق، وغسل السيارات، تحت طائلة الغرامات الباهظة.

كان للحملة صدىً إيجابيٌّ في المجتمعات المحلية، فنشط الحديث حول استخدام المياه في وسائط التواصل الاجتماعي. وبالتشاور مع مجلس المدينة، ساهم قطاع الأعمال المحلي، شاملاً المكاتب، والفنادق، والمطاعم، بشكل كبير في الحفاظ على المياه، من خلال اتباع ممارسات بديلة مثل الاستعاضة عن غسل اليدين بالماء باستخدام مستحضرات التعقيم، واستيراد مياه الشرب في العبوات البلاستيكية من مدن أخرى.

من جهة أخرى، كثّفت دائرة المياه والصرف الصحي استخدام التكنولوجيا في إدارة المياه، فبادرت إلى تركيب 18 ألف جهاز في المنازل المفرطة في استهلاك الماء، تقوم بقطع الماء تلقائياً عندما يتخطى الاستهلاك اليومي معدل 350 لتراً، ما يشجع على الاستخدام الرشيد. كما ركّبت الدائرة أجهزة متطورة لقياس الضغط في 170 موقعاً في شبكة توزيع المياه، يمكن من خلالها الكشف بدقة عن انفجار الأنابيب والتسريبات ومناطق الاستهلاك القوي للماء، والتعامل معها بسرعة.  

نجحت كيب تاون في تخطي أزمة وشيكة، وعادت الأمطار إلى الهطول بغزارة، لكن شبح الجفاف لن يتلاشى نهائياً، خصوصاً مع تأثيرات تغير المناخ المتوقعة. لذا وضعتْ المدينة بالتعاون مع الباحثين والعلماء استراتيجيةً لرفع مستوى المرونة في مواجهة الجفاف، تم اطلاقها في عام 2020، تشمل تنويع مصادر المياه ضمن مشاريع تقدّر تكلفتها بنحو 335 مليون دولار أمريكي، أهمها مشروع جديد لتحلية مياه البحر بقيمة 112 مليون دولار، قادر على إنتاج 50 مليون لتر في اليوم بحلول العام 2026. كما أصدرت المدينة سندات "خضراء" لتمويل مشاريع بنية تحتية مستدامة، تشمل تحديث خزانات المياه، وشبكات المياه والصرف الصحي.

يخطط مجلس المدينة لإطلاق مشروع "برنامج المياه الجديدة" بقيمة 31.4 مليون دولار في عام 2024، لضخ المياه المجمعة في 850 "حوض عواصف"، وهي أحواض لتخزين مياه العواصف الماطرة، في باطن الأرض لتغذية المياه الجوفية. كما أن هناك مشروع لمعالجة المياه العادمة والمستعملة في المنازل لتستخدم في ري الحدائق.

أصبح تقرير منسوب المياه في السدود جزءاً أساسياً من النشرة الجوية على أجهزة الإعلام، يذكّر السكان بالتنبه دائماً إلى ضرورة الحفاظ على الماء.

مدينة كيب تاون ليست الوحيدة المهددة بالجفاف. تعتبر منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من أكثر الأقاليم شحاً في منسوب المياه العذبة، حسب تقرير حديث صادر عن البنك الدولي، حيث تحتاج دول المنطقة إلى خطط شاملة تساهم في الحفاظ على مياه المصادر الطبيعية وتوفير المياه الصالحة للاستهلاك البشري.

يمكن تلخيص الدروس المستفادة من تجربة كيب تاون بضرورة الأخذ بالاعتبار لثلاث نقاط. تتمثل الأولى في التواصل الفعّال مع السكان، وجذب مشاركتهم اليومية، والشفافية في اطلاعهم على المستجدات ومستوى تحقيق الأهداف. وتتعلق الثانية بالاستفادة من التكنولوجيا في إدارة الموارد المائية، للحد من الهدر في المنازل وتسرب الماء. وتتمثل النقطة الثالثة بوضع استراتيجية لتنويع الموارد المائية ودعم القدرة على مواجهة الجفاف في المستقبل، والتخطيط للمشاريع الكفيلة بتطبيقها.

المراجع:

اشترك في منصة ابتكر لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والمساقات والأدوات والابتكارات الحكومية
قم بالتسجيل
اشترك في النشرة الإخبارية لمنصة ابتكر
القائمة البريدية للمبتكرين
تصل نشرتنا الإخبارية إلى أكثر من 30 ألف مبتكر من جميع أنحاء العالم!
اطلع على النشرة الإخبارية لدينا لتكون أول من يكتشف الابتكارات الجديدة و المثيرة و الأفكار الملهمة من حول العالم التي تجعلك جزءاً من المستقبل.
Subscription Form (#8)
المزيد من ابتكر

شكلٌ جديدٌ للشحن الحَضَريّ، حلولٌ رائدةٌ لمدنٍ أكثر استدامة

لمواجهة تحدٍّ بيئيٍّ متصاعدٍ يفرضه الشحن الحضريّ، تعمل حكومات مدنٍ عديدةٍ مثل روزاريو وبوغوتا وكوتشي وشيملا وباناجي على لعب دورها الحقيقيّ عبر التكنولوجيا الذكية والتخطيط الحضريّ المستنير وتشجيع الممارسات المستدامة وتصميم السياسات وسنّ القوانين وتعزيز الشراكات مع القطاع الخاص وغيرها. وذلك لبناء مستقبلٍ أكثر استدامة.

 · · 5 يونيو 2024

الفلبين تتبنى نهج الاقتصاد الدائريّ لإدارة نفاياتها البلاستيكية

تواجه الفلبين أزمة تلوّثٍ حادةً بسبب النفايات البلاستيكية التي تهدّد بحرَها وسياحتَها وسبلَ عيش أبنائها. لذا، تمكنت بدعم المنظمات الدولية من تطوير برامج لجمع العبوات وإعادة تدويرها ونشر المراكز المتنقّلة التي تستلم النفايات من السكان مقابل حوافز تشجّعهم على تبنّي نهج الاقتصاد الدائريّ.

 · · 5 يونيو 2024

نظم الإنذار المبكر: دروس من اليابان والصين لمواجهة الكوارث الطبيعية

في ظل الزيادة المتنامية في حدة ووتيرة الكوارث الطبيعية حول العالم خلال العقود الماضية، خاصة تلك المرتبطة مباشرة بتغير المناخ، أطلقت الأمم المتحدة في العام الماضي مبادرة "الإنذار المبكر للجميع" كإطار عمل لضمان حماية كل إنسان من خلال نشر نظم الإنذار المبكر بنهاية عام 2027. وبينما تتضافر الجهود لوضع الخطط وكيفية التعامل مع التحديات الكبيرة التي ستواجه هذه المبادرة، هناك تجارب مبتكرة ومتقدمة ثبت نجاحها في كل من اليابان والصين في هذا المجال، من شأنها المساهمة في تصميم استراتيجيات ونظم الإنذار المبكر حول العالم، ودعم مبادرة الأمم المتحدة بأفضل الممارسات.

 · · 8 مايو 2024

فرنسا تقدم علامة وطنية لمكافحة هدر الطعام

بدافع الالتزام البيئيّ والمسؤولية الاجتماعية، تسعى الحكومة الفرنسية لاحتواء ظاهرة هدر الغذاء عبر تثقيف المستهلكين بوصفهم مفتاح حلّ المعادلة، وسنّ قوانين تلزم المؤسسات بالتبرّع بالأغذية الفائضة، ومنح العلامة الوطنية للجهات التي تبذل جهداً أكثر تفانياً في رحلة مكافحة الهدر.

 · · 21 أبريل 2024

دروس في الاقتصاد الدائريّ نستقيها من التجربة الفنلندية

في سعيها للحد من استخدام الموارد الطبيعية وتحقيق الحياد المناخي بحلول العام 2035، انطلقت فنلندا في رحلة الاقتصاد الدائريّ بعد أن رسمت خريطة طريقٍ واضحةً تتعاون فيها القطاعات، وتنظِّمها سياساتٌ منفتحة، ويدعمها مجتمعٌ محليّ تتم تَنشِئَتُه على ثقافة الاستدامة.

 · · 29 يناير 2024
magnifiercrossmenuchevron-downarrow-right