أوستن تعيد النظر في السلامة العامة بتبني نهج قائم على البيانات

بدأت سلطات المدينة بإعادة النظر في إجراءات السلامة العامة ومعدَّلات المساواة العِرقية، فأصدرت في يونيو قراراً يحدد معايير رئيسيةً جديدةً ينبغي الالتزامُ بها، وهي القضاء كلياً على التفرقة العرقية في محطات المرور واستدعاءات المحاكم وعمليات الاعتقال، وضمان عدم وقوع أي وفياتٍ على أيدي ضباط الشرطة.

شارك هذا المحتوى

لتحقيق المساواة العرقية الحقيقية وزيادة مساءلة عناصر الشرطة، تعمل سلطات مدينة أوستن الأمريكية لجعلِ جهاز الشرطة مؤسسةً قائمة على البيانات، ضمن التوجه الحكوميّ لإنشاء إطار عملٍ متكامل يستند إلى تحليل البيانات لتعزيز العدالة.

في مايو من العام 2020، تعرّض رجلٌ أمريكيُّ من أصلٍ إفريقيّ يُدعى جورج فلويد للعنف على يد الشرطة في مدينة مينابولس بولاية مينيسوتا الأمريكية، حيث تسبب ضابطٌ بوفاة الرجل ومن بعدها أشعلت هذه الواقعة الاحتجاجات على امتداد الولايات المتحدة والعالم.

لم تكن مدينة أوستن بولاية تكساس استثناءً من هذه الموجة، خاصةً أنها شهدت حالةً مشابهةً، حيث لقي رجلٌ من أصل لاتيني حتفه على أيدي ضباط الشرطة، لتجدَ الحكومة نفسَها أمام أسئلةٍ لا مفرَّ منها، كيف ستزيد أمان المدينة؟ أهذا ممكن؟ وإن كان يستدعي إعادةَ هيكلة جهاز الشرطة، فهل هو جاهز لذلك؟

منذ ذلك الحين، بدأت سلطات المدينة بإعادة النظر في إجراءات السلامة العامة ومعدَّلات المساواة العِرقية، فأصدرت في يونيو قراراً يحدد معايير رئيسيةً جديدةً ينبغي الالتزامُ بها، وهي القضاء كلياً على التفرقة العرقية في محطات المرور واستدعاءات المحاكم وعمليات الاعتقال، وضمان عدم وقوع أي وفياتٍ على أيدي ضباط الشرطة.

سرعان ما شكّلت السلطات فريق عملٍ قوامه ممثلون حكوميون وأفراد بارزون من المجتمع المحليّ، كان على هذا الفريق إعادة رسم مشهد السلامة العامة في المدينة، ووضع المقترحات المتعلقة بالخدمات والسياسة والميزانية والتغييرات الهيكلية التي تحتاجُها إدارة شرطة أوستن، وتزويد مجلس المدينة بالتوصيات.

وكان الأخيرُ قد تبنى في العام 2018 خطةً خمسيةً حملت اسم “التوجيه الاستراتيجي 2023″، وشملت الفرص والإمكانيات الاقتصادية، والتنقُّل، والسلامة، والصحة والبيئة، والثقافة ومواصلة التعلم، وتعزيز دور الحكومة كهيئة تعمل من أجل الجميع. وركّزت الخطة على إدارة الأداء القائمة على البيانات وخصصت لوحة قياسٍ لمتابعة الأداء وفق مؤشراتٍ مختلفة. ولتحقيق هدف السلامة، لا بد من رصد مؤشِّرات الأداء الرئيسية التي تدعمه، وأولها الإدارة المنصِفة للنظام القضائيّ.

ولأنَّ توجيه القرارات الإصلاحية يستلزم جمع البيانات وتحليلها، انطلقت شراكاتٌ مثل التعاون بين مكتب أوستن للرقابة على جهاز الشرطة ومكتب الابتكار ومكتب حقوق الملكية لتحليل بيانات التنميط العِرقيّ في قسم شرطة أوستن. بدراسة أرقام العام 2019، وجدوا أنّ ذوي البشرة السوداء شكّلوا 14% من إجمالي سائقي السيارات التي تم توقيفُها، و25% من إجمالي حالات التوقيف التي أدّت إلى إطلاق عمليات بحث، و25% من الحالات التي انتهت باعتقالات، علماً أنَّ نسبتهم لا تفوق 8% من السكان.

لتدعيم النتائج، اتجهت السلطات إلى تحليل مكالمات الطوارئ، ووجدت أن ضباط الشرطة يمضون 41% من وقتهم في الاستجابة للمكالمات التي تُعرف بـ”الأولوية الثالثة”، حيث لا تكون حياة المواطنين أو ممتلكاتُهم في خطر، وأنّ 10% من مكالمات الطوارئ مرتبطةٌ بأمور نفسية أو عقلية.

كما تبنى الفريق نهج الابتكار القائم على إشراك السكان في عملية الإصلاح، فجمع البيانات النوعية من أبناء المجتمعات المحلية الذين تأثروا سلباً بعمليات إنفاذ القانون. فعقدت مقاطعات مجلس أوستن عشر جلسات استماعٍ عامة، إلى جانب 3 جلساتٍ على مستوى المدينة، إحداها بالإسبانية لضمان مشاركة أكبر شريحة من السكان. وخلالَها، شارك السكان وجهات نظرهم لما يجب فعله في مواقف معينة تتعلق بالسلامة العامة. كما استضافت عدة منظمات مجتمعية أكثر من 20 جلسةً أخرى من هذا النوع. وجذبت الجلسات حوالي ألف شخص من خلفياتٍ عِرقيةٍ مختلفة، أفاد أغلبهم بعدم رغبته بتدخل الشرطة في معظم السيناريوهات الافتراضية المطروحة.

وأوضّحت هذه البيانات للفريق النقاطَ الأساسيةَ التي سيركز عليها، وهي تحديد ما ينبغي على القوى الأمنية فعلُه أو تجنُّبه، وكيفية تحقيق التوازن الأمثل بين حماية المواطنين وخدمتهم من جهة، وقيام رجالِ الشرطة بتنفيذ مهامهم من جهة أخرى.

وبحلول شهر أبريل من العام 2021، أصدر الفريق توصياتِه، وطرح على مجلس المدينة طرقاً مختلفةً لإعادة استثمار 153 مليون دولار من ميزانيته – بمعزلٍ عن جهاز الشرطة – بحيث يعزز سلامة المجموعات العرقية على اختلافها. وتضمنت التوصيات التعامل مع الحالات المتعلقة بأمور نفسية أو عقلية عبر مركزٍ خاصٍ منفصل عن نظام الطوارئ، ووقفَ تمويل الدوريات المركَّبة وحملات التفتيش المرفقة بالكلاب، لكن هناك تشريع جديد صدر عن ولاية تكساس أجبر سلطات أوستن على تعديل ميزانيتها لتتلاءم مع القانون الجديد الذي يفرض عقوباتٍ ماليةً على أيّ مدينةٍ تقوم بإجراءات وقف التمويل للشرطة، حيث شكل التنسيق بين توجهات أوستن الجديدة وتشريعات ولاية تكساس العامة تحدياً أمام سلطات المدينة.

مستقبلاً، سيواجه اعتماد هذه التقنيات تحدياتٍ كبيرة، مثل المخاوف المتعلقة باستخدام الشرطة للبيانات، حيث يمكن لبعض أنظمة المعلومات الجديدة أن تسبب المبالغة في حماية البعض على حساب غيرِهم، وهذا يهدد بناء الثقة بين الشرطة والمجتمعات.

يأتي هذا إلى جانب مخاوف الخصوصية، حيث يترك المواطنون أثراً رقمياً أكثر شمولاً لنشاطهم، كما تستطيع الشرطة جمع بياناتٍ أكثر بأدوات المراقبة كالكاميرات وبرمجيات التعرف على الوجه. وقد يؤذي هذا الزحف التكنولوجيّ النظرة العامة لشرعية عمل الشرطة، وقد يؤسس لحالةٍ من التحيز في البيانات التي تُبنى عليها النماذج التنبؤية للشرطة، فهي بياناتٌ جمعتها الشرطة، أي أنّها تعكس التفسيرات المؤسسية والفردية لأولويات العناصر وتوجّهاتهم، والتي قد تحمل تحيُّزاتٍ اجتماعيةً قائمةً على العرق والجنس والحالة الاجتماعية.

كما وجدت الدراسات الاستقصائية أنّ العامة يرفضون فكرة مشاركة الآلات في اتخاذ القرار ضمن منظومة العدالة الجنائية، ولهذا، لا بدّ من إشراك المجتمعات المحلية في صنع السياسات.

إلا أنّ من شأن جمع البيانات الدقيقة إرساءُ أسس عملية إصلاحٍ شاملةٍ حقيقية، خاصةً بوجود مؤشرات أداءٍ رئيسية. أما الخطوة التالية فهي تطوير ممارسات حكومةٍ قائمةٍ على البيانات تتيح رصد التغيير ومتابعتَه.

المراجع:

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

إنترنت الأشياء

سيؤول تنشر خدمات المدينة الذكية لتعزيز السلامة والرفاهية

في المنافسة الآسيوية، سبق لعاصمة كوريا الجنوبية أن احتضنت مبادراتٍ ذكية كما خلال جائحة كوفيد-19، حيث أعدّت السلطات، في محاولة منها للحفاظ على استمرار الخدمات مع إبقاء الاتصال البشريّ في حدوده الدنيا، أجهزةً ذكيةً تنجز مهام عديدةً آلياً ومن دون تلامس. بالنسبة لكبار السن، كانت هذه النقلة مفاجئةً، فواجهوا معوِّقاتٍ كثيرةً عند محاولة استخدام الأكشاك والأجهزة الرقمية، أشياء من قبيل حجم الخط في التطبيقات، أو إرشادات الاستخدام المُبهمة، أو صعوبة مواكبة هذه التطورات الرقمية المَهولة.

إندونيسيا

كيف تعمل إندونيسيا على تحسين الوضع الاقتصادي للمجتمعات الريفية

في إندونيسيا، لا يمكن للجميع الوصولُ إلى الإنترنت، فالدولة تفتقر للبنى التحتية وتعاني محدودية الخيارات السلكية واللاسلكية. وقد أشارت إحصائيات العام 2019 إلى وجود أكثر من 12 ألف قريةٍ تفتقر لإنترنت الجيل الرابع، و94 مليون راشدٍ إندونيسيّ عاجز عن استخدام الإنترنت، كما أنّ عدداً أكبرَ من السكان يفتقرون لخدمة الإنترنت الثابت عريض النطاق، فيما يعاني 60 إلى 70% من سكان شرق البلاد من تقلُّبات جودة الخدمة. والمؤشر الأهم هو أنّ 80% من هؤلاء يعيشون في الأرياف التي لا يمكن الوصول إليها عبر المترو، وتعتمد معظمُها على الأقمار الصناعية محدودة القدرة على معالجة البيانات.

الهند تستخدم الذكاء الاصطناعيّ لتعزيز سلامة الطُرُقات

وضعت الحكومة الهندية هدفَ تخفيض عدد الوفيات إلى النصف بحلول العام 2030، واستهلّت هذا المسعى بإطلاق مشروع باسم “الحلول الذكية للسلامة الطرقية عبر التكنولوجيا والهندسة”، والذي جاء حصيلة تعاون عدة شركاء، كمبادرة الذكاء الاصطناعيّ الهندية، والمعهد العالي لتكنولوجيا المعلومات بحيدر أباد، والمعهد المركزي لبحوث الطرق التابع لمجلس الأبحاث العلمية والصناعية، وشركاء من القطاع الخاص، والهيئة البلدية بمدينة “ناجبور”.