أوروبا تستخدم البلوك تشين لتعزيز استدامة سلسلة توريد منتجات القطن

طورت "لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأوروبا" (UNECE) نظاماً يستخدم تقنية بلوك تشين بهدف توفير جميع المعلومات والبيانات المتعلقة بالمنتجات القطنية، بدءاً من مرحلة زراعة القطن، وحتى عرض هذه المنتجات في السوق، ليتسنى للمستهلك اتخاذ قرارات مستنيرة من كافة الجوانب عند شرائه لمنتجات القطن.

شارك هذا المحتوى

طورت “لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأوروبا” (UNECE) نظاماً يستخدم تقنية بلوك تشين بهدف توفير جميع المعلومات والبيانات المتعلقة بالمنتجات القطنية، بدءاً من مرحلة زراعة القطن، وحتى عرض هذه المنتجات في السوق، ليتسنى للمستهلك اتخاذ قرارات مستنيرة من كافة الجوانب عند شرائه لمنتجات القطن. كما يدعم هذا النظام عملية التحقق من البيانات المعلنة حول المنتج من قبل السلطات والشركات.

تعدّ الأسواق الأوروبية من أكثر الأسواق المستهلكة للمنتجات القطنية، أو التي يدخل في صناعتها القطن، مثل الملابس والأحذية الرياضية. وعلى الرغم من أن السياسات الأوروبية تحظر استيراد المنتجات التي شكلت إحدى مراحل صناعتها خرقاً لحقوق الإنسان أو ضرراً بالبيئة، خاصة فيما يتعلق بمسألة العمالة مثل عمالة الأطفال والعمالة القسرية، إلّا أنه لا توجد قوانين واضحة تمنع استيراد مثل هذه المنتجات. والسبب الرئيسي في ذلك هو عدم توفر آلية موثوقة يمكن من خلالها التحقق من صحة البيانات الواردة في البطاقات التعريفية أو ملصق المنتج. هذا عدا أن الملصقات في الأساس غالباً ما تكون بياناتها معقدة، غير واضحة، أو حتى مضللة في بعض الأحيان.

كان البرلمان الأوروبي قد تبنى في العام 2016 مجموعة توصيات بحثها لأول مرة في العام 2010، بهدف وضع معايير اجتماعية وبيئية يُحظَرُ من خلالها دخولُ منتجات تخالف تلك المعايير إلى أوروبا، خاصة تلك المتعلقة بعمالة الأطفال والعمالة القسرية والممارسات الملوّثة للبيئة والمضرة بالمجتمعات. لكن تحويل تلك المعايير إلى قوانين يتطلب أدلة دامغة لا يمكن التشكيك فيها حتى يتم إنفاذها على أرض الواقع.

وبالتالي، تدارست لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأوروبا الحلولَ المحتملة، وتوصلت إلى اقتراح مبتكر يستعين بتقنيات بلوك تشين لتعقب مسار المنتجات القطنية بكل مراحلها التصنيعية، “من الحقل وحتى المتجر”. ويجدر بالذكر أن طريقة استخدام نظام التعقب هذا شبيهة بطريقة استخدام تقنية بلوك تشين في مجال العملات الرقمية، الأمر الذي يجعله نظاماً موثوقاً، لا يسمح بإجراء أي تعديل على السجلات الموجودة أو التلاعب بها، ويضمن معايير الشفافية والتعقب المعتمدة لدى الأمم المتحدة.

بيد أنّ جائحة كوفيد-19 شكلت تحدياً لتطبيق النظام، وأكّدت في الوقت نفسه على ضرورة استخدامه لضمان نجاح عمليات التتبع والتحقق. فقد تأثرت صناعة الملابس كثيراً بتفشي الجائحة، ما جعل المصانع تعيد النظر في أولوياتها على المستوى التشغيلي، الأمر الذي أثّر سلباً على عملية التتبع والالتزام بالمعايير. لكن التحدي الأكبر في ظل الجائحة كان في جمع كافة المعنيين في سلسلة القيمة حول طاولة واحدة للتباحث والتوافق حول تنفيذ المشروع. كما شكلت مسألة الخصوصية وسرية المعلومات الصناعية عقبة أخرى أمام الإفصاح عن البيانات ومشاركتها مع شركاء في الصناعة. لكن تم في النهاية إيجاد حلول لتلك التحديات أو الالتفاف حولها.

أطلقت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأوروبا مشروع بلوك تشين تجريبياً في بداية 2020 ضمن إطار مبادرة “تحسين التتبع والعناية الواجبة لسلاسل القيمة المستدامة في قطاع الملابس والأحذية القطنية” التي أطلقتها اللجنة مع مركز الأمم المتحدة لتيسير التجارة والمعاملات التجارية الإلكترونية (UN/CEFACT) بالتعاون مع مركز التجارة الدولية (ITC) وبتقديم دعم مالي من الاتحاد الأوروبي، بهدف تزويد الحكومات والشركات بالأدوات اللازمة للتثبت من تطبيق المعايير المطلوبة. قامت جامعة العلوم التطبيقية والفنون في جنوب سويسرا (SUPSI) بتصميم نظام البلوك تشين وفقاً لنموذج معايير “خدمة معلومات رمز المنتج الإلكترونية” (EPCIS) العالمية، الذي يتطلب معلومات تعريفية دقيقة في عملية التتبع. كما شارك في تنفيذ المشروع مزودو خدمات حلول التكنولوجيا، والهيئات المعنية بوضع المعايير، ومستشار قانوني، ومزود خدمات علامات الحمض النووي.

تم تنفيذ المشروع التجريبي بالتعاون مع المعنيين الرئيسيين على المستوى التشغيلي في صناعة الملابس القطنية، شاملاً العلامات التجارية، والهيئات المخولة بإصدار شهادات الاعتماد، ومصنّعي الملابس والأنسجة في ألمانيا وإيطاليا وسويسرا والمملكة المتحدة، وبعض أكبر الدول المنتجة للقطن مثل الولايات المتحدة ومصر. وتمحور التعاون بين جميع الشركاء والأطراف المعنية حول أربع نقاط يجب التقيد بها عند إدخال البيانات في نظام البلوك تشين، وهي متطلبات الاستدامة، وتعيين جهات البيانات الرئيسية، ومشاركة البيانات، وتعاون الجهات المعنيّة.

يجب أن تشمل متطلبات الاستدامة، على سبيل المثال، بيانات حول أصل أو منشأ المنتجات القطنية، تركيبة ونسبة القطن فيها، استخدام المواد الكيميائية، والعناية الواجبة وفق شروط منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD). كما يجب أن ترفق هذه المتطلبات بالأدلة والوثائق الداعمة الرسمية، وهو ما يشمل تقارير المعاينة والتفتيش، وتقارير التدقيق، ومذكرات الشحن التأكيدية، والفواتير والإيصالات، والعقود ذات الصلة.

فضلاً عن ذلك، يشتمل النظام على شريحة إضافية لزيادة الثقة في صحة البيانات من خلال الربط بين عملية التتبع الرقمي والتتبع المادي للمنتج، وهذا يتم من خلال توفير مؤشرات حيوية مثل علامات الحمض النووي.

وبالرغم أن نظام البلوك تشين هذا يعد في مرحلته التجريبية إلا أنه أثمر عن نتائجَ إيجابية على عدة مستويات، منها إثبات صحة المفهوم الذي قام عليه المشروع من جهة قدرة وموثوقية تقنيات البلوك تشين على تتبع صناعة المنتج في جميع مراحلها، وحفظ البيانات، وربط تعاملات كافة المعنيين في الوقت الفعلي، وزيادة الشفافية، فضلاً عن إمكانية توسيع نطاق النظام ليشمل كامل قطاع الملابس والأحذية وليس القطنية فحسب.

ويجدر بالذكر أن الفوائد المرتقبة تشمل زيادة مستوى ثقة المستهلك ببيانات الاستدامة ومراعاة الاعتبارات الاجتماعية المعلن عنها في الملصق، أما بالنسبة للشركات فالنظام يساعدها على اتخاذ قرارات مبنية على الحقائق والدراية الكاملة بالمخاطر، وزيادة الثقة بين كافة المعنيين. كما يوفر النظام للهيئات التنظيمية سهولة الوصول إلى بيانات موثوقة حول التزام المصنعين بمعايير الاستدامة والعمالة، ويساعد المستثمرين أيضاً في اتخاذ قراراتهم حول الاستثمار المؤثر.

المراجع:

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

إنترنت الأشياء

سيؤول تنشر خدمات المدينة الذكية لتعزيز السلامة والرفاهية

في المنافسة الآسيوية، سبق لعاصمة كوريا الجنوبية أن احتضنت مبادراتٍ ذكية كما خلال جائحة كوفيد-19، حيث أعدّت السلطات، في محاولة منها للحفاظ على استمرار الخدمات مع إبقاء الاتصال البشريّ في حدوده الدنيا، أجهزةً ذكيةً تنجز مهام عديدةً آلياً ومن دون تلامس. بالنسبة لكبار السن، كانت هذه النقلة مفاجئةً، فواجهوا معوِّقاتٍ كثيرةً عند محاولة استخدام الأكشاك والأجهزة الرقمية، أشياء من قبيل حجم الخط في التطبيقات، أو إرشادات الاستخدام المُبهمة، أو صعوبة مواكبة هذه التطورات الرقمية المَهولة.

إندونيسيا

كيف تعمل إندونيسيا على تحسين الوضع الاقتصادي للمجتمعات الريفية

في إندونيسيا، لا يمكن للجميع الوصولُ إلى الإنترنت، فالدولة تفتقر للبنى التحتية وتعاني محدودية الخيارات السلكية واللاسلكية. وقد أشارت إحصائيات العام 2019 إلى وجود أكثر من 12 ألف قريةٍ تفتقر لإنترنت الجيل الرابع، و94 مليون راشدٍ إندونيسيّ عاجز عن استخدام الإنترنت، كما أنّ عدداً أكبرَ من السكان يفتقرون لخدمة الإنترنت الثابت عريض النطاق، فيما يعاني 60 إلى 70% من سكان شرق البلاد من تقلُّبات جودة الخدمة. والمؤشر الأهم هو أنّ 80% من هؤلاء يعيشون في الأرياف التي لا يمكن الوصول إليها عبر المترو، وتعتمد معظمُها على الأقمار الصناعية محدودة القدرة على معالجة البيانات.

الهند تستخدم الذكاء الاصطناعيّ لتعزيز سلامة الطُرُقات

وضعت الحكومة الهندية هدفَ تخفيض عدد الوفيات إلى النصف بحلول العام 2030، واستهلّت هذا المسعى بإطلاق مشروع باسم “الحلول الذكية للسلامة الطرقية عبر التكنولوجيا والهندسة”، والذي جاء حصيلة تعاون عدة شركاء، كمبادرة الذكاء الاصطناعيّ الهندية، والمعهد العالي لتكنولوجيا المعلومات بحيدر أباد، والمعهد المركزي لبحوث الطرق التابع لمجلس الأبحاث العلمية والصناعية، وشركاء من القطاع الخاص، والهيئة البلدية بمدينة “ناجبور”.