أكبر معبر للحياة البرية في كاليفورنيا لإنعاش تنوُّعها الحيويّ

في مسعىً لإنعاش التنوع الحيوي في كاليفورنيا، تعمل حكومتها بالتعاون مع عدة شركاء على بناء أكبر معبر للحياة البرية في العالم شمال غرب لوس أنجليس ليربطَ مجدداً بين موائل طبيعية كانت الطرق السريعة قد باعدت بينها.

شارك هذا المحتوى

في مسعىً لإنعاش التنوع الحيوي في كاليفورنيا، تعمل حكومتها بالتعاون مع عدة شركاء على بناء أكبر معبر للحياة البرية في العالم شمال غرب لوس أنجليس ليربطَ مجدداً بين موائل طبيعية كانت الطرق السريعة قد باعدت بينها.

تاريخياً، جاء التطور الحضري على حساب الأنواع الأخرى، فارتبطَ العمران واتساع المساحات الحَضَرية بالزحف إلى المناطق الطبيعية وقطع الغطاء النباتيّ وتدمير النظم البيئية وحرمان الأنواع الحية من مساكنها الطبيعية.

في الأمريكيتين، تعيش سنّوريات نادرة، من بينها حيوان البُهمة، المعروف بأسد الجبال، الذي وصلت تعداداتُه إلى مستويات مقلقة، وذلك نتيجة الصيد غير المنتظم وتدمير الموائل ومحاربته من قبل مربي المواشي، إلى درجة أنّ الاتحاد الوطنيّ للحياة البرية في أمريكا قد صنّفه ضمن الأنواع المهددة.

في ولاية كاليفورنيا، كانت السلطات خلال النصف الأول من القرن العشرين تدفع المال للصيادين لقاء اصطياد حيوان “أسد الجبل” لكونه حيواناً مفترساً، بإطلاق النار عليه أو تسميمه أو نصبِ الفخاخ له. وبحلول العام 1960، كان الأثر البيئيّ لهذه الإجراءات قد وصلَ حدّاً لا يمكن تجاهلُه، ومعه اتّضح الدور المهمّ الذي يلعبه أسد الجبال في النظم البيئية والتنوع الحيويّ. فنظراً لموقعها في الهرم الغذائيّ، تتغذى هذه الحيوانات على الغزلان والحيوانات العاشبة، فتعزِّزُ بذلك التنوع البيولوجيّ للنبات، وتترك الفائضَ من طعامِها لآكلاتِ الجِيَف والطيور المهددة بالانقراض، فتقيها من الموت جوعاً، لا سيما في فترات شحّ الغذاء.

وبعد أن شقَّت سلطات الولاية الطريق السريع رقم 101، أحدثت – دونما قصد – تغييراً جذرياً في توزُّع أسود الجبال، وفصلَتْها إلى موائل متباعدة، ما أدى إلى تقليل الجودة الوراثية لأنواعِها، فهي كالبشر تماماً، صغارُها أكثرُ عرضةً للأمراض إن كانت نتيجة تزاوجٍ بين الأقارب. كما زادَ هذا الواقع هجمات الأسود على السكان، وجعل محاولاتِها العبورَ من موئلٍ إلى آخر محفوفةً بخطر الاصطدام بالسيارات التي تعبر الطريق، والتي دهست بالفعل أعداداً كبيرةً منها. وقد بيّن مركز البيئات الطرقية التابع لجامعة كاليفورنيا أنّ حوادث تصادم المركبات والحيوانات البرية قد بلغت 44 ألفاً بين عامي 2016 و2020، وأنّها أودت بحياة البشر وأدّت إلى إصابات وأضرار تجاوزَت قيمتُها مليار دولار. ومن المقدّر أن الخسائر قد تكون مضاعفة إذا ما احتُسبت الحوادث غير المبلغ عنها وغير الموثّقة لدى شركات التأمين.

في العام 1990، أصدرت الولاية قانون حماية الحياة البرية المُعدّل، والذي صنّف أسود الجبال كواحدة من “الثدييات التي تحظى بحمايةٍ خاصة”. وبعدها بقرابة ربع قرن، أطلقت وزارة الأسماك والحياة البرية في الولاية برنامجاً للحفاظ على أسود الجبال، عبر تنسيق البحث العلميّ ومراقبة تعامل السكان معها ووضع الخطط لإدارة الأنواع الحية وحماية موائلها.

وقد اكتملت هذه الجهود مطلعَ العام 2022، حين أقرّت جمعية كاليفورنيا تشريعاً جديداً باسم “قانون الطرق الآمنة وحماية الحياة البرية”، وهو يركّز على مشاريع البنى التحتية الرامية إلى تحسين اتصال الحيوانات وحركتِها وتقليل مخاطر تعرُّضها للمركبات، كما يُلزِم وزارة النقل بدراسة تأثيرات مشاريع النقل المستقبلية على تحرُّكات الحيوانات البرية قبل البدء بتصميمِها، ومن ثم أخذِ الاحتياجات الطبيعية بالحسبان عند شقِّ الطرق السريعة أو تحديثها.

بالتعاون مع الاتحاد الوطنيّ للحياة البرية، ستنتهي سلطات الولاية قريباً من إنشاء أكبر معبرٍ للحياة البرية في العالم، بعرض 70 متراً تعلو 10 ممرات من الطريق السريع رقم 101 الواقع في مدينة أغورا هيلز. وقد اختيرَ للمعبر اسمُ “واليس أننبرغ”، تيمناً بواحدة من أكبر الناشطين المدافعين عن حقوق الحيوانات، والتي تبرّعت مع المؤسسة التي تديرُها عائلتُها بـ 25 مليون دولار من كلفة المشروع البالغة 90 مليوناً، والتي جُمعت 60% منها من التبرّعات، حيث ساهمت كلٌّ من محمية جبال سانتا مونيكا، ومحمية ولاية كاليفورنيا الساحلية، والمؤسسات المساهمة في حملة “أنقذوا أسود الجبال”.

سيتم تنفيذ المشروع على مرحلتين، وستستغرق أولاهما عامين، حيث ستركّز على هيكل الجسر الذي يعلو الطريق السريع، والمغطى بالنباتات. أما المرحلة الثانية التي ستستمر لعامٍ واحد، والتي يجري تخطيطُ جدولِها الزمنيّ الآن، فستتجه إلى بناء نفق خَدَميٍّ على طريق “أغورا”.

تُظهر التجارب المماثلة التي أجرتها مدن أمريكية أخرى أن معابر الحياة البرية يمكن أن تحقق نجاحاً كبيراً إذا ما تم تصميمها بطريقة مناسبة للأنواع الحيوية المتواجدة في المنطقة. ففي تجربة مماثلة، قامت دائرة النقل بولاية وايومنغ ببناء أول معبرٍ للأيائل في السبعينات، وقد عملت الدائرة أيضاً قبل 10 سنوات على مشاريع تهدف لإعادة إحياء طرق هجرة الحيوانات البرية ذات الحوافر كالأيل والغزال، والتي تُعدّ واحدة من أطول الهجرات البرية في أمريكا الشمالية، حيث بَنَت جسرَين و6 أنفاق امتدت على طول قرابة 18 كيلومتراً وخفّضت حوادث الاصطدام وهجمات الحيوانات البرية بنسبة 90%.

لكنّ مسعى كبناء معابر للحياة البرية يتطلب سياسات متينةً للاستثمار في أراضي الولاية، وصلاحياتٍ واسعةً للكيانات الحكومية، إلى جانب تمويلٍ كافٍ. فغياب هذه العوامل قد يمثّل تحدياً كبيراً يعوق هذه الجهود، ولعلّ الحل يكمن بإعادة النظر في التدابير المحلية والإقليمية لكلّ ولايةٍ ومقاطعةٍ على حدة، ومشاركة الهيئات التشريعية لسن قوانين فعّالة وقابلة للتنفيذ لاستخدام الأراضي.

وقد أثبت مشروع كاليفورنيا أنّ تغيير انطباعات العامة وحشدَهم للمساهمة في حماية البيئة أمرٌ ممكن، فقدّم نموذجاً لجهود الحفاظ على الحياة البرية في المناطق الحَضَرية عبر الولايات المتحدة الأمريكية.

عند اكتمال معبر كاليفورنيا في العام 2025، سيعيد ربطَ جبال سانتا مونيكا وتلال سيمي وما وراءَها. وبهذا، ستحظى الحيوانات بمساحات آمنةٍ للحركة والعيش دون تأثيرات بشرية، في واحدةٍ من بين 36 منطقةً أساسية للتنوع البيولوجيّ في العالم.

المراجع:

https://www.nwf.org/Educational-Resources/Wildlife-Guide/Mammals/Mountain-Lion

الحياة البريةhttps://www.latimes.com/california/story/2022-07-26/how-california-went-from-paying-people-to-hunt-mountain-lions-to-spending-millions-to-protect-them

https://wildlife.ca.gov/Conservation/Mammals/Mountain-Lion#56231953-laws-and-regulations

https://www.constructiondive.com/news/world-largest-wildlife-crossing-bridge-break-ground-california/622311/

https://biologicaldiversity.org/w/news/press-releases/california-assembly-passes-bill-to-improve-wildlife-connectivity-public-safety-2022-05-26/

https://www.bozemandailychronicle.com/news/environment/wildlife-crossings-the-wyoming-way-how-a-fiscally-conservative-state-with-a-wildlife-oriented-culture/article_97b8a07d-28b1-5c1a-a5fe-0bb76806ddbe.html

https://www.biologicaldiversity.org/campaigns/wildlife-connectivity/pdfs/California-Connections-wildlife-connectivity-report.pdf

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

الاستدامة

روتردام تستخدم التكنولوجيا الذكية لإنقاذ المدينة من الغرق

لتحويل موقعها الجغرافيّ المحاذي للبحر إلى نقطة قوة، رسّخت مدينة روتردام الهولندية مكانتها كمختبرٍ للإدارة الذكية للمياه، حيث تدمج التكنولوجيا والتصميم الأخضر لتخضير أسطح بيوتها وتحويلها إلى حدائق في مواجهة مخاطر الفيضانات.

حلول التبريد

لندن تبتكر حلاً لخفض درجات الحرارة في شبكة قطارات الأنفاق

في أحد أكبر شبكات في العالم، تعمل حكومة المملكة المتحدة على مقاربة مشكلة متجذِّرة، وهي ارتفاع درجات الحرارة ضمن الأنفاق، إلى أن توصّلت مؤخراً إلى حلٍّ مبتكرٍ يضخّ الهواء البارد بأذكى استغلالٍ للمساحة وأقلّ قدرٍ من متطلباتٍ الصيانة، بينما تسعى لتأمين التمويل اللازم لنشره على مستوى وطنيّ.

إدارة الكوارث

بنغلادش تطلق منصة رقمية لتعزيز منظومة إدارة الكوارث

بهدف مواجهة تبعات الكوارث الطبيعية في واحدةٍ من أكثر بقاع العالم تعرَّضاً لها، تعمل حكومة بنغلادش على بناء المرونة عبر منصةٍ رقميةٍ توفّر البيانات المتعلّقة بالظواهر المناخية وتقيِّم المخاطر وتوجّه المعنيّين إلى الإجراءات اللازمة.