أستراليا تبتكر الحلول لتعزيز جاهزية طواقم الإطفاء

بين العامين 2019 و2020، شاهد العالم حرائق أستراليا التي خلّفت أضراراً جسيمة سيستغرق علاجُها سنوات، ومثّلت نقطة تحوّل في عمل الحكومة، فدفعتها إلى زيادة استخدام التقنيات الحديثة للمراقبة وحماية فِرَق الإطفاء والتنبؤ بالحرائق وبناء المقاومة المجتمعية.

شارك هذا المحتوى

بين العامين 2019 و2020، شاهد العالم حرائق أستراليا التي خلّفت أضراراً جسيمة سيستغرق علاجُها سنوات، ومثّلت نقطة تحوّل في عمل الحكومة، فدفعتها إلى زيادة استخدام التقنيات الحديثة للمراقبة وحماية فِرَق الإطفاء والتنبؤ بالحرائق وبناء المقاومة المجتمعية.

على الرغم من التوسع الحضري الكبير، لا تزال الكثير من المساحات الطبيعية خالية من التدخّل والعمران البشريين، واستطاعت بعض الدول أن تحافظ على توازن بين البيئة والحياة البرية من جهة، والتطوّر الحَضَريّ من جهة أخرى.

على الأرجح أنّ أستراليا من أوائل البلدان التي قد تبرز عند ذكرِ هذه المعادلة، فقرابة 40% من مساحتها – ما يعادل 3 ملايين كيلومترٍ مربّع – هي مساحات برية طبيعية آمنة، وبالتالي قد يكون وقوع حرائق الغابات خلال الصيف أمراً اعتياديّاً، أو كان كذلك قبل موسمِ 2019 و2020 الذي عُرف بالصيف الأسود، إذ تشير التقديرات إلى أنّ هذا الموسم حملَ لأستراليا واحدة من أكثر الكوارث المدمّرة في تاريخها، بنيران التهمت قرابة 19 مليون هكتار، وقضت على 100 نوع من النباتات، وأودت بحياة 33 إنسان ومليار حيوان، 800 مليونٍ منها في ساوث ويلز فقط. وفي حين لم تكن مواسم حرائق الغابات تتجاوز الشهرَ منذ أربعة عقود خَلَت، طالَ الصيف الأسود لـ11 يوماً إضافية. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فقد أورد مجلس المناخ الأستراليّ أنّ الحرائق أطلقت ما بين 650 مليون إلى 1.2 مليار طنّ من ثاني أكسيد الكربون، ما يعادل الانبعاثات السنوية لقطاع الطيران برمته، وقد ألحقت خسارة تتجاوز 1% في طبقة الأوزون، وفي حين قد تبدو نسبةً متدنية، فإنّه من المقدر أن يستغرق علاجَها 10 سنوات على الأقل.

ففي ساوث ويلز التي انفردت بالحصة الأكبر من الخسائر، ولأنّها لن تحتمل تكرار كارثة كهذه، تعمل الحكومة على تكثيف قدراتها في مكافحة الحرائق باستثمار بقيمة 57 مليون دولار أسترالي لبناء جاهزية طواقم الإطفاء وتزويدها بمعدات جديدة. يأتي هذا ضمن خطة شاملة تبلغ ميزانيتُها 8 أضعاف هذا الرقم، وقد وُضعت بعد تحقيقاتٍ ودراساتٍ خَلصت إلى ضرورة توظيف علوم البيانات والذكاء الاصطناعيّ وغيرها من التقنيات الثورية للمساعدة في فهم الحرائق ونمذجتِها والتنبؤ بها والاستجابة لها بسرعة وكفاءة أكبر.

اختارت الحكومة لمشروعها الجديد اسمَ “فرق الإطفاء المتصلة”، بمعنى أنّها ستتيح لهم التواصل مع بعضهم ومع مراكز القيادة والتنسيق، ومع الناس على الأرض، وهي ترتبط بسربٍ من الطائرات بدون طيار التي يمكنها التحليق فوق الحريق وإرسال صورٍ وبياناتٍ حية والكشف عن الكيماويات والغازات المنبعثة وتبيان كمياتها، وهذا إلى جانب مجموعة من مخازن الطاقة المتنقّلة المزوّدة بتكنولوجيا الاتصال، والتي تستطيع العمل حتى في غياب التغطية، ومركبات مزوّدة بتقنية واي فاي لتوفّر شبكة إنترنت من الجيل الرابع في المواقع النائية حيث يصعب الاتصال بالأقمار الصناعية.

في السياق نفسه، تطبق الحكومة حالياً خطة خمسية لتشكيلِ سرب مراقبة جوية ليليّ، وترقيةِ البنى التحتية لمنظومة الطوارئ المحلية، وإطلاقِ تطبيق يتيح للمواطنين الإبلاغ عن الحرائق، ورعايةِ جهود البحث والتطوير المستقبلية، التي شملت إنشاء شبكة خاصة لتكنولوجيا مكافحة حرائق الغابات لتجمَع الباحثين والمستثمرين والمصنِّعين، بالإضافة إلى تأسيس صندوق خاصٍ بهذه التقنيات لاختبارها وتطويرها وتنسيقِها عبر التواصل مع الشركات المحلية الصغيرة.

وفي تجربة مماثلة، أضافت حكومة ولاية فيكتوريا إلى قسم مكافحة الحرائق المحليّ قسماً خاصاً بتكنولوجيا الطيران، وسيكون قوامُها 4 من رجال الإطفاء بينهما اثنان مُدرّبان في هيئة سلامة الطيران المدني ومتخصصان في إدارة الطائرات بدون طيار، ليتناوبا على التحكم بـ4 طائرات ستجوب الولاية لجمع الصور في حالات الحرائق وغيرها. تتميز هذه الطائرات بقدرتها على التصوير الحراريّ عالي الدقة ونقل اللقطات المباشرة، كما يمكنها الطيران لنصف ساعة ومقاومة الرياح الشديدة.

ولمزيد من الاستعداد، تجري الولاية اختبارات سنوية عبر إحداث حرائق صغيرة متعمّدةٍ لإيقاف الحرائق الكبيرة، بحيث تستهدف هذه العمليات مناطق ذات غطاء نباتيّ كثيف، وبعد إحراقه، لا تجد الحرائق الشرسة ما تأكلُه لتمتدّ أبعد، فتنطفئ.

لكنّ تغيّر المناخ يجعل ضمان النتائج أمراً شبه مستحيل، فهو يؤثر على إمكانية التنبؤ بمواسم الحرائق ومدتها، وهذا يفرض تحديات كثيرة على الحكومة والمجتمع. تحدياتٌ تلجأ السلطات إلى العلم لمقاربتها، حيث تتعاون منظمة أبحاث الكومنولث العلمية والصناعية مع هيئة مكافحة الحرائق الريفية بنيو ساوث ويلز لتطوير أداةٍ تضع مصفوفاتٍ رياضيةً للتنبؤ بكيفية استجابة الحرائق للظروف البيئية، وذلك قبل يوم إلى 3 أيام، لتمكين تنبيه السكان وإجلائهم عند الضرورة.

وثمة تحديات أخرى مرتبطة بعشوائية الحرائق التي قد تنشب في أماكن يصعب الوصول إليها أو ذات تضاريس وعرة، ما يزيد الخطورة على فرق الإطفاء التي تقسّم الحرائق لتبدأ في النقاط سهلة الوصول. وعبر ترقية الاتصال بين مراكز القيادة المتنقلة والفِرَق الميدانية، ستضمن الحكومة الحفاظ على سلامة المستجيبين الأوائل أثناء الكوارث.

ومن خلال تشكيل فسيفساء من الأراضي المحترقة وغير المحترقة، تصبح السيطرة على الحرائق الكبيرة أسهل، كما تساهم ولاية فيكتوريا في تجديد الغطاء النباتيّ وتوفير موائل جديدة للأنواع المهدّدة بالانقراض وأداء العمليات بدقة وأمان أكبر من الطرق اليدوية.

المراجع:

https://www.frv.vic.gov.au/new-eyes-sky-boost-victorias-firefighting-capability?fbclid=IwAR3UzwpsOuUpVh6GMF_zkiluPKcVpKt6hkfPl9HR42JNadLC32Z-u_psnXY

https://www.theguardian.com/australia-news/2022/jul/01/australias-bushfire-season-has-grown-by-almost-a-month-in-40-years-study-finds

https://www.theguardian.com/australia-news/2021/feb/17/more-than-100-australian-plant-species-lost-in-black-summer-bushfires-study-finds

https://www.governmentnews.com.au/new-tool-to-help-firefighters-predict-spread-of-bushfires/
https://www.governmentnews.com.au/new-tool-to-help-firefighters-predict-spread-of-bushfires/
https://dronedj.com/2021/10/22/pyromaniac-uav-australia-tests-backfire-lighting-drones-to-battle-wildfires/

https://www.zdnet.com/article/nsw-government-commits-au19m-to-arm-firefighters-with-new-equipment/

https://www.zdnet.com/article/csiro-and-afac-to-build-data-driven-bushfire-prediction-platform/

https://www.climatecouncil.org.au/resources/summer-of-crisis/

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

الاستدامة

روتردام تستخدم التكنولوجيا الذكية لإنقاذ المدينة من الغرق

لتحويل موقعها الجغرافيّ المحاذي للبحر إلى نقطة قوة، رسّخت مدينة روتردام الهولندية مكانتها كمختبرٍ للإدارة الذكية للمياه، حيث تدمج التكنولوجيا والتصميم الأخضر لتخضير أسطح بيوتها وتحويلها إلى حدائق في مواجهة مخاطر الفيضانات.

حلول التبريد

لندن تبتكر حلاً لخفض درجات الحرارة في شبكة قطارات الأنفاق

في أحد أكبر شبكات في العالم، تعمل حكومة المملكة المتحدة على مقاربة مشكلة متجذِّرة، وهي ارتفاع درجات الحرارة ضمن الأنفاق، إلى أن توصّلت مؤخراً إلى حلٍّ مبتكرٍ يضخّ الهواء البارد بأذكى استغلالٍ للمساحة وأقلّ قدرٍ من متطلباتٍ الصيانة، بينما تسعى لتأمين التمويل اللازم لنشره على مستوى وطنيّ.

إدارة الكوارث

بنغلادش تطلق منصة رقمية لتعزيز منظومة إدارة الكوارث

بهدف مواجهة تبعات الكوارث الطبيعية في واحدةٍ من أكثر بقاع العالم تعرَّضاً لها، تعمل حكومة بنغلادش على بناء المرونة عبر منصةٍ رقميةٍ توفّر البيانات المتعلّقة بالظواهر المناخية وتقيِّم المخاطر وتوجّه المعنيّين إلى الإجراءات اللازمة.